برنامج تبيان - الحلقة الخامسة - سورة الملك - 5

الحلقة الخامسة

https://t.co/W9MPDOUu

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة تبارك - 5

المقدّم: جرى الحديث في الحلقة الماضية (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴿٢١﴾) ووقفنا عند قوله جل وعلا (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ)

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. هذه الآية تبعٌ للآية قبلها وهذا الاستفهام استفهام إنكار وتعجيز لهؤلاء الكفار، أي هل لهؤلاء الكفار جندٌ ينصرونهم من دون الرحمن؟! أم لهم من يرزقهم من دون الله جل وعلا إن أمسك سبحانه وتعالى رزقه؟! هم يعترفون أنه لا يوجد من ينصرهم ولا من يرزقهم غير الله جلّ وعلا وهذا نحتاجه نحن ونستفيده في واقعنا فإذا كنا نعرف ونحن موقنون أنه لا ينفع ولا يدفع الضر ولا يجلب الرزق إلا الله جلّ وعلا فعلينا أن نتجه بكليّتنا بقلوبنا وأفئدتنا إلى الله جلّ وعلا ولا نميل بقلوبنا حتى ولو تحركنا بجوارحنا مع البشر ولكن القلوب يجب أن تبقى مطمئنة متوكلة على الله جلّ وعلا لا ترجو إلّا ولا تخاف إلا منه.

ختام الآية قال الله جلّ وعلا (بَلْ لَجُّوا) أي استمروا مبالغين ومغالين (فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) العتو هو التكبّر والطغيان والنفور أنهم اشمأزوا ونفروا عن الحق. في هذا بيان أن من أعظم ما يصدّ الناس عن الحق والهدى وقبوله هو التكبّر والطغيان وهذا كما أنه يصدق في الأمر الجليل والإيمان وأصل المعتقد فإنه يصدق أيضًا في تفاصيله فإن بعض الناس قد يصدّهم عن اتباع الأمر الطيب الخيّر ما يجدونه في أنفسهم من التكبر والطغيان والغرور.

ثم قال جلّ وعلا (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٢﴾)

في هذه الآية يقول الله تعالى (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٢﴾) في هذه الآية بيان وتشبيه لحال المؤمن وحال الكافر فالكافر كالذي يمشي وقد أكبّ على وجهه لا يهتدي ولا يبصر الطريق ولا يعرف الجادة المستقيمة وبضدّ ذلك حال المؤمن الذي قال الله تبارك وتعالى عنه أنه يمشي سويأ على صراط مستقيم اي أنه يمشي مشي القاصد الذي يسير على صراط وعلى طريق مستقيم فإن الأول لا يعرف أن يهتدي بينما الآخر الذي يسير على الصراط المستقيم يصل إلى مقصوده من أقرب طريق.

ثم قال جلّ وعلا (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿٢٣﴾)

في ختام هذه السورة يلفت النظر أنه تكرر خمس مرات قول الله جلّ وعلا (قل) بداية من هذه الآية (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ) والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يأمره ربه أن يقول للناس هذا القول وهذا من وجه هو اهتمامٌ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث يأمره ربه جلّ وعلا مالك الملك أن يبلّغ هذه الرسالة وهذا القول لعباده، وأيضًا من وجه آخر فيه اعتناء بهذا الأمر المقول حيث أمر الله تبارك وتعالى نبيه على سبيل التصريح أن يقوله للناس. يقول الله جلّ وعلا (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ) أي خلقكم وأوجدكم في هذه الأرض (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) لتنتفعوا منها فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم خلقه فعدّله جلّ وعلا ومكنه من السمع والأبصار والأفئدة التي يهتدي فيها إلى منافعه في المعاش والمعاد. قال الله جلّ وعلا (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي أنكم أيها العباد مع ما وهبكم الله تعالى وأعطاكم وأمدكم من هذه النعم فإنه كما قال في آية أخرى (وقليل من عبادي الشكور)

(قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٤﴾)

هذا قول آخر في الآية الثانية وفي كل مرة يأتي القول على سبيل التكرار لا على سبيل العطف لم يقل "قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار قليلاً ما تشكرون وهو الذي " وإنما قال (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي بثّكم في هذه الأرض وإليه تحشرون أي تبعثون يوم القيامة وتحشرون إليه جلّ وعلا للبعث والنشور فريق في الجنة وفريق في السعير. وتقديم الجار والمجرور (إليه) (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) للاهتمام والتعظيم وهو من جهة أخرى يفيد الحصر فالحشر إلى الله إلى الله لا إله غيره جلّ وعلا.

(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٥﴾ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٢٦﴾)

هذا من قول الكفار الذي ينكرون البعث فإن الله تبارك وتعالى لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أنكم تُبعثون يوم القيامة إلى الله جلّ وعل  قالوا على سبيل الإنكار متى هذا الوعد الذي تزعمونه؟ متى يكون إن كنتم صادقين فيما زعمتم؟ فجاء الرد بعد ذلك (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٢٦﴾) العلم عند الله جلّ وعلا هو الذي يقدّر المقادير وهو الذي إذا شاء قامت القيامة وإذا شاء أمات الإنسان فقامت قيامته (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) وهذا أسلوب من أساليب الحصر (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أبيّن لكم الإنذار وأبيّن ما أُمرت به وما عدا ذلك فلست عليكم بحفيظ.

صفحة أصول التفسير – د. فهد بن عبد الرحمن الرومي

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: في الحلقة السابقة ذكرتم معنى التأويل عند الأصوليين وما نشأ عنها من أقوال أخرى على أن نستكمل في هذه الحلقة بقية الأقوال.

د. فهد بن عبد الرحمن الرومي: بسم الله الرحمن الرحيم. ذكرنا في الحلقة السابقة معنى التأويل عند السلف وأن له معنيين الأول بمعنى التفسير والثاني أن التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. ثم ذكرنا أن الأصوليين وضعوا تعريفًا ثالثًا مُحدَثًا للتأويل وهو أنهم قالوا صرف المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح بدليل يقترن به وقد تولد عن هذا القول أقوال أخرى كثيرة، ذكرنا منها في الحلقة السابقة القول الرابع وهو أن الاختلاف بينهما في العموم والخصوص وقد اعترك في هذا القول عالمان هما الراغب الأصفهاني الذي رأى أن التفسير أعمّ من التأويل والطوفي الذي قال أن التأويل أعمّ وكلاهما يشتركان في أن بينهما عموم وخصوص فهما بمثابة قول واحد أن التأويل والتفسير بمعنى واحد متقارب إلا أن أحدهما أعمّ من الآخر.

·         كذلك من الأقوال التي نشأت ونستطيع أن نعتبره قولاً خامساً وهو أن التفسير يراد به القطع أن مراد الله كذا أما التأويل فهو ترجيح أحد المحتملات بدون قطع وهذا القول ذهب إليه الماتردي وغيره من العلماء وهو من الأقوال الحادثة.

·         أما القول السادس فهو نظر إلى الرواية والتأويل فما يتعلق بالرواية هو التفسير وما يتعلق بالدراية هو التأويل. إذن المجتهد أو المفسّر إما أن ينقل التفسير نقلًا فهذا يسمى تفسير وإما أن يجتهد فيه ويبدي رأيه فهذا يسمى تأويل. يقول الحسين بن الفضل البَجلي: التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية ويقول أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القُشيري: ويُعتبر التفسير الاتّباع والسماع وإنما الاستنباط فيما يتعلق بالتأويل. وهذا أيضًا ما ذهب إليه الخازن حيث قال في تفسيره: الفرق بين التفسير والتأويل أن التفسير يتوقف على النقل المسموع والتأويل يتوقف على الفهم الصحيح. ويضربون لذلك أمثلة منها تفسير قوله تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (9) الحجرات) هما الأوس والخزرج وكذا قوله تعالى (سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (16) الفتح) هم فارس واليمن وقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (204) البقرة) وقيل هو الأخنس بن شريق وقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ (207) البقرة) هو صهيب رضي الله عنه فهذه الأقوال في الآية هي من التفسير لأنه لا يمكن معرفتها عن طريق الاجتهاد وإنما عن طريق النقل فلا يُعرف أن المراد بهذا فلان وفلان إلا عن طريق النقل، أما ما يُعرف عن طريق الاجتهاد وإعمال الرأي فهو الذي يسمى التأويل كقولهم في تفسير قوله تعالى (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا (41) التوبة) قال بعضهم أي شبانًا وشيوخًا وقال آخرون أي فقراء وأغنياء وقال قوم أي عزبانًا ومتأهلين وقال جماعة أي أصحاء ومرضى وقالت طائفة نُشاطًا وغير نُشّاط فهذا كله مما يُختلف فيه ويقال فيه بالرأي وكله جائز مقبول ولا بأس بالقول به بما يوافق الأصول ولا يخالف العقول فهذا هو التأويل ليس من التفسير. إذن القول السادس أن التفسير هو ما يصلنا عن طريق الرواية وأما التأويل فهو ما يكون عن طريق الاجتهاد.

·         وهناك قول سابع في معنى التأويل أن علم التفسير للخلق وعلم التأويل للحقّ يقول تعالى (وما يعلم تأويله  الله) وهو فيما يرجع إلى الغيب الذي أبهمه الله تعالى كالساعة متى موقوعها وأشراطها ومتى ظهورها فما لا يعلم تأويله إلا الله يسمونه التأويل وما يعلمه الخلق وما هو تحت مداركهم وقدراتهم ومفاهيمهم وأذهانهم فهو تفسير.

·         وقول ثامن لأبي طالب الثعلبي أن التفسير بيان وضع اللفظ يعني معناه المباشر إما حقيقة أو مجازًا كتفسير الصراط بالطريق والصيّب بالمطر أما التأويل فتفسير باطن اللفظ. إذن للفظة معنيان: معنى ظاهر يسمى التفسير ومعنى باطن هو الذي نسميه التأويل ويوقولون هو مأخوظ من الأول أي الرجوع إلى عاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد والتفسير إخبار عن دليل المراد لأن اللفظ يكشف عن المراد والكاشف دليل. في قوله تعالى (إن ربك لبالمرصاد) تفسيرها من الرصد رصدتُ أي راقبتُ والمرصاد مِفعال منه أي إن ربكم رقيب عليكم لكن التأويل هو التحذير من التهاون بأمر الله والغفلة عن الأُهبة والاستعداد للعرض عليه فهذا المعنى هو المراد بالتأويل أما التفسير فهو المعنى الظاهر له.

 

هذا ما يتعلق بهذه الأقوال للتأويل وبهذا نكون قد ذكرنا أقوال السلف ومعنى التأويل عند السلف ثم ذكرنا أقواله عند الخلف وما آلت إليه أقوالهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل