برنامج تبيان - الحلقة الثالثة- سورة الملك - 3

الحلقة الثالثة

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة تبارك - 3

المقدم: لا يزال حديثنا عن تفسير سورة الملك وكنا قد بلغنا إلى قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١٢﴾)

د. محمد بن سريّع السريّع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله. يقول الله جلّ وعلا في سورة الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١٢﴾) هذا ثناء من الله جلّ وعلا على عباده الأبرار بعد أن ذكر حال الكفار الذين قال عنهم جلّ وعلا (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٦﴾ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ﴿٧﴾) إلى آخر الآيات، أثنى على عباده المؤمنين بقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١٢﴾) ومن أخص خصائص المؤمنين وأجلى وأجمل وأعظم صفاتهم خشية الله جلّ وعلا بالغيب وهذا لا شك أنه دليل على كمال الإيمان وعلى صحة المعتقد في قلب الإنسان وعظيم التقوى وقد أثنى الله جلّ وعلا على المؤمنين بالغيب الذين يخشون ربهم جلّ وعلا بالغيب في غير ما آية من كتاب الله جلّ وعلا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم منهم. ولا شي يعظ الإنسان ويزجره عن المعاصي كالإيمان بالله جلّ وعلا ودوام مراقبته

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب

وفي هذه الآية يقول الله جلّ وعلا (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) ما جزاؤهم؟ (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) والمغفرة من الغفر وهو الستر ومنه قيل للمِغْفَر مِغْفَر لأنه يستر المقاتل كما مر معنا في الحلقة الأولى. وفي هذه الآية يقول بعض المفسرين أنه بدأ بمغفرة الذنوب ثم ثنّى بالثواب الذي ينالهم فقال (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) والأجر الكبير وما أعده الله تعالى لهم في الجنة من النعيم المقيم والملك لكبير واللذات والنعيم المتواصل وهنا بدأ كما يقول بعض المفسرين بدأ بالتخليه قبل التحلية فخلّاهم من الذنوب وطهرهم منها ثم حلاهم بالنعيم والأجر الكبير.

ثم أمرهم بقوله جلّ وعلا (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾) هذه الآيات فيها إخبار عن سعة علم الله جلّ وعلا وأنه مهما أسرّ العباد أقوالهم أو جهروا بها فإنها عند الله سواء لا تحفى عليه خافية ولا يغيب عنه أمر. ثم قال جلّ وعلا (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) عليم بما فيها من النيّات والمقاصد والإرادات ومن باب أولى أن يكون عليمًا بالأقوال والأفعال أيضًا. ثم قال سبحانه (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٤﴾) فهو جلّ وعلا خلقهم وهو أعلم بهم وهذا العلم علم شامل فهو سبحانه وتعالى يعلم الخلق ويعلم ما هم عاملون ويعلم ما يُصلحهم أيضًا فهم خلقه جلّ وعلا وهو أعلم بهم ولذلك حين أنزل هذا الكتاب الهادي والشريعة المحكمة فإنها وفق حكمة ونزلت من لطيف خبير عليم حكيم جلّ وعلا يعلم الخلق ويعلم ما يُصلِحهم وما يصلُح لهم. واللطيف هو الذي لطف علمه جلّ وعلا وهناك معنى آخر أيضًا لهذا الاسم الكريم اللطيف وهو الذي يلطف بعباده ويسوق إليهم البر والإحسان ويدرأ عنهم الشرور كما قال جلّ وعلا (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ (19) الشورى) والخبير هو العليم ببواطن الأمور ودقائقها.

ثم قال جلّ وعلا (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴿١٥﴾) هذا تعداد لنعم الله جلّ وعلا على عباده وهو أنه قد سخر لهم هذه الأرض وذللها وجعلها سهلة يستطيعون أن يمشوا فيها وينقلبوا في أجزائها فقال سبحانه (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) في أطرافها لطلب الرزق وكسب المعاش وكلوا من رزقه جلّ وعلا وكل ما أنزله الله جلّ وعلا في الأرض من الحلال فقد أباحه لعباده ولذلك الأصل في هذه الأمور الإباحة حتى يأتي الدليل الطارئ على التحريم وإلا فإن الأصل فيما أنزله الله جلّ وعلا لعباد أنه مباح لهم. ثم قال سبحانه (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) أنتم تتقلبون في هذه الأرض وتسعون فيها ولكن المرجع إليه سبحانه جلّ وعلا. (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) أي أنكم تنقلبون إلى الله يوم القيامة فتبعثون وتحشرون إليه. وفي تقديم الجار والمجرور (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) فيه إفادة الاختصاص فإليه جلّ وعلا دون غيره النشور والمحشر.

ثم قال جلّ وعلا (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾) الاستفهام له معنى أصلي هو الاستعلام: هل جاء زيد؟ هل ذاكرت درسك؟ وله معانٍ ثانوية قد يأتي للتهديد، قد يأتي للتهكم، قد يأتي للإنكار، وفي هذه الآية ليس المقصود بالاستفهام الاستعلام وإنما الآية المراد منها تهديد هؤلاء ووعيدهم فيما سروا عليه من الطغيان والتجبر والإعراض عن أمر الله جلّ وعلا والغفلة التي أصابت قلوبهم فقال لهم جلّ وعلا (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) وهو الله جلّ وعلا (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) أي تضطرب (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) أي عذابًا يمطركم به من السماء (فَسَتَعْلَمُونَ) هنالك حين ينزل عليكم العذاب وهذا الرجز منه جلّ وعلا ستعلمون (كَيْفَ نَذِيرِ) أي كيف يأتيكم ما أنذرتكم به وفي هذا وعظ للناس أنهم يجب أن لا يغرهم إمهال الله جلّ وعلا لهم وأن يتفكروا دائمًا في العواقب فإن الله جلّ وعلا يُمهل ولا يهمل.

ثم انتقل تبارك وتعالى ببيان عاقبة من سبقهم فقال (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿١٨﴾) يقول الله جلّ وعلا (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد فليس هؤلاء بدعًا فلقد كان قبلهم كفار وأنت أيضًا لست بدعًا من الرسل فقد كذبت رسل من قبلك والله جلّ وعلا هنا يقول (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿١٨﴾) أي انظروا كيف كان إنكار الله عليهم وكيف عاجلهم بالعقوبة الدنيوية ثم عقوبة الآخرة.

أصول التفسير – د. فهد بن عبد الرحمن الرومي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: بما أننا عرفنا معنى التفسير لغة نذكر ما هو معنى التفسير، فما الفرق بينه وبين التأويل؟.

د. فهد بن عبد الرحمن الرومي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. ألمحنا في الحلقة الماضية إلى بعض أقوال العلماء في الفرق بين التفسير والتأويل ولعلنا نميل في هذه الحلقة إلى تأصيل الفرق بين التأويل والتفسير لعل ذلك التأصيل هو الذي يحدد لنا المعنى الصحيح للتأويل والمعاني الحادثة التي ينبغي أن ندرك آثارها وما تؤدي إليه أحيانًا من أخطاء في بعض التفاسير. بالنسبة للتأويل عند السلف كما نص عليه علماؤنا رحمهم الله تعالى له معنيان: نبدأ بكلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تحديد معنى التأويل عند السلف يقول رحمه الله أن للتأويل في اصطلاح السلف معنيان: الأول تفسير الكلام وبيانه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون معنى التأويل والتفسير متقاربًا أو مترادفًا وهذا الذي عناه مجاهد يقصد بقوله "أن العلماء يعلمون تأويله" ومحمد بن جرير الطبري حين يقول: القول في تأويل قوله كذا وكذا، واختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير. يقول ابن تيمية رحمه الله: الثاني هو نفس المراد بالكلام فإن الكلام إذا كان طلبًا كان تأويله نفس الفعل المطلوب وإن كان خبرًا كان تأويله نفس الشيء المخبَر به. من منطلق كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى نستطيع أن نقول أن للتأويل عند السلف معنيان:

أولهما أن التأويل والتفسير بمعنى واحد سواء قلت تأويل أو قلت تفسير كلاهما بمعنى واحد وهذا هو الاستعمال الذي ورد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وأيضًا من أقوال مفسّري السلف. من هذه الأدلة في القرآن قوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ (7) آل عمران) أي وما يعلم تفسيره -إذا كان الوقف على قوله (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) وتكون الواو عاطفة- فقوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) يعني الراسخون يعلمون تأويله أي تفسيره. وكذلك قوله تعالى (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ (6) يوسف) يعني تفسير الأحاديث. وقوله سبحانه وتعالى (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴿٤٤﴾ يوسف) يعني بتفسير هذه الأحلام. كل ذلك وغيره معنى التأويل فيه هو التفسير

وورد أيضًا في السنة من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل يعني التفسير وكذلك ورد في أقوال الصحابة رضي الله عنهم فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول في قول الله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ (7) آل عمران) يقول رضي الله عنه أنا ممن يعلم تأويله يعني تفسيره. وكذا مجاهد رحمه الله وهو من أئمة التابعين في التفسير يقول الراسخون في العلم يعلمون تأويله يعني تفسيره ومن أئمة السلف الإمام الشافعي رحمه الله تعالى نجده في كتابه المعروف "الأم" يقول في عدة مواضع: وذلك والله أعلم بيّنٌ في التنزيل مستغنى به عن التأويل يقصد رحمه الله مستغنى به عن التفسير ويقول ابن الأعرابي التفسير والتأويل والمعنى واحد ويقول أبو عبيدة معمر بن المثنى وهؤلاء هم أعلام اللغة العربية يقول رحمه الله التأويل التفسير. وكذا العباس أحمد بن يحيى ثعلب يقول التأويل والمعنى والتفسير واحد. إذن هذه كما ورد في القرآن وفي السنة وفي أقوال الصحابة وفي أقوال أئمة السلف.

بقي عندنا المفسرون نجد أن إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى يكثر من قوله: القول في تأويل قوله تعالى وكذلك قوله واختلف أهل التأويل في هذه الآية ويعني رحمه الله بهذا كله التأويل التفسير بل إن كتابه "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" يقصد به في تفسير آي القرآن. من هذا وذاك نصل إلى نتيجة أن التأويل هو بمعنى التفسير أو التأويل والتفسير كلها بمعنى واحد. هذا القول الأول من أقوال السلف أن التأويل والتفسير بمعنى واحد.

أما القول الثاني في معنى التأويل عند السلف فهو أن التفسير هو معنى اللفظة والتأويل هو نفس مراد المتكلِّم، نفس المراد بالكلام يعني توقعه وخروجه إلى الواقع المحسوس يعني أن التفسير هو معنى الكلمة وتفسيرها أما التأويل فهو تحقق وقوعها فإن كان خبرًا كما نقلنا عن ابن تيمية آنفًا كان تأويله وقوع المخبَر به وتحققه كما يقول مثلًا جاء محمد فتفسير المجيء هو الوصول يعني وصل محمد أما التأويل هو نفس المجيء والوصول وتحقق، جاء محمد يعني وصل إلينا هذا تفسيره، لكن التأويل هو حقيقة مجيء محمد ومشيه إلى أن يصل إلى مكانه هذا هو التأويل، وهذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة السلف كذلك أيضًا كما قلنا في المعنى الأول وهو التفسير والتأويل.

 

لعلنا نذكر بعض الأمثلة في ذلك: بالنسبة لمثال ورد في قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام في قوله لأبيه يعقوب عليه السلام (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا (100) يوسف) فتحققت رؤياه عليه السلام حين رفع أبويه على العرش وسجد له إخوته سجود تحية وكانت يومئذ التحية بالسجود هذا معنى التأويل، تأويل رؤياي يعني تحقق وقوعها وهذا هو التأويل بمعنى تحقق الوقوع. كذا أيضًا في قوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ (7) آل عمران) على أن الوقف على لفظ الجلالة والمعنى حينئذ: لا يعلم كيفية وقوعه ووقت ما أخبر الله عنه من أخبار القيامة وأشراطها إلا الله سبحانه وتعالى. ولعلنا نستكمل في الحلقة القادمة بإذن الله سبحانه وتعالى.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل