برنامج تبيان - الحلقة الثانية- سورة الملك - 2

الحلقة الثانية

:   

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

سورة تبارك - 2

المقدم: كنا قد بلغنا في اللقاء الماضي عند قول الله تبارك وتعالى (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٦﴾)

د. محمد بن سريّع السريّع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.

في هذه الآية (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٦﴾) لو عدنا للآية التي قبلها فهناك ثمة اتصال بين الآيتين إذ يقول ربنا جلّ وعلا في الآية التي قبلها (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴿٥﴾ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٦﴾) فالذين كفروا وستروا إيمانهم بربهم جلّ وعلا لهم عذاب جهنم وقدّم الجار والمجرور (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا) فلم يقل "عذاب جهنم للذين كفروا بربهم" حتى يفيد اختصاص الذين كفروا بعذاب جهنم. ولاحظ دقة التعبير القرآني حيث قال (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) والرب هو المنعِم المتفضّل، ربّ كل شيء هو الذي ربّه ورببه وربّاه ونشّأنه من حال إلى حال وأمدّه بالنعم فهؤلاء الكفار يكفرون بربهم الذي خلقهم وأنعم عليها وتفضّل، هؤلاء جزاؤهم أن لهم عذاب جهنم والعياذ بالله! ثم قال (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي ساء المصير والمصير هو المرجع ساء المصير جهنم التي يصيرون إليها.

(إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ﴿٧﴾ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ﴿٩﴾)

(إِذَا أُلْقُوا فِيهَا) إذا طُرحوا فيها (سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ) ولاحظ هذا التعبير (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا) فيه إلقاء، فيه طرح،وفيه نبذ لهم والعياذ بالله مما يشير إلى ازدرائهم واحتقارهم فهم إذا ألقوا فيها يسمعون لهذه النار (شَهِيقًا) وهو صوت النفس العالي (وَهِيَ تَفُورُ) أي تغلي غليانًا شديدًا وهي (تَكَادُ تَمَيَّزُ) تكاد أي تقارب أن تتميز، تتقطع من شدة العذاب وشدة التغيظ على هؤلاء الكفارحيث قال الله (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) أي من شدة التغيظ على هؤلاء الكفار  يكاد بعضها يمزق بعضًا.

(كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ) أي جماعات من هؤلاء الكفار (سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا) خزنة جهنم سألوا هؤلاء الكفار قائلين لهم (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) ألم يجئ إليكم نذير، ألم يجئ إليكم من الله جلّ وعلا من ينذركم من الأنبياء والرسل عليهم السلام؟ فما كان جواب هؤلاء الكفار إلا أن قالوا (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ) نعم قد جاءنا نذير من الله جلّ وعلا ولكن كانت النتيجة أن كذبنا وأعرضنا وقلنا (وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) وهؤلاء الكفار لم يكتفوا أنهم أنكروا ما أنزل الله حتى وصموا الرسل وأتباع الرسل بأنهم في ضلال كبير فقالوا (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) وهذا أسلوب من أساليب الحصر "النفي والاستثناء" (إِنْ أَنْتُمْ) يعني ما أنتم (إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) أي في انحراف ثم وصفوا الضلال والعياذ بالله بأنه كبير وهذه عادة أعداء الرسل يصمون الرسل وأتباعهم الذين اهتدوا ويدعون إلى الهداية يصمونهم بأنهم على الضلال.

(وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١١﴾)

هنا يتندّم هؤلاء الكفار حين يعاينون العذاب ويقعون في نار جهنم فيندمون ويرجعون إلى أنفسهم في التوبيخ ويقولون لو كنا نسمع الذي ننتفع به ونعقل العقل الذي يميز بين الحق والباطل لم نكن في أصحاب السعير، لم نكن مع أهل النار. ليس المقصود من نفي السمع هنا ونفي العقل مطلق السمع فإنهم لهم آذان يسمعون بها وأيضًا ليس المقصود نفي العقل لأنه لو زال العقل بالكلية لم يكونوا مكلّفين ولكن المقصود السمع الذي ينتفعون به والعقل الذي ينتفعون به والعياذ بالله. فهم أول من نعى على أنفسهم في نار جهنم، وهذا مما يبين أن العقل الحقيقي ليس هو بعظمة المخترعات ولا بغزو الفضاء وإنما العقل الحقيقي بالاهتداء إلى أعظم حقيقة في هذا الكون وهي توحيد الله جلّ وعلا وإفراده بالعبادة فإن الإنسان مهما طار في الفضاء أو غاص في الماء إذا كان يجهل التوحيد فإنه والعياذ بالله ضالٌّ مضلّ ليس له عقل. ولذلك قال الله جلّ وعلا في ختام ذلك معقبًا (فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) أي أن هؤلاء اعترفوا بتكذيبهم وكفرهم لله جلّ وعلا فبعدًا لأصحاب السعير من رحمة الله فهم مبتعدون عنها ومبعدون عنها واعترافهم بذلك لا يعفيهم عن استحقاق الذنب فهم الآن في أصحاب النار.

أصول التفسير – د. فهد بن عبد الرحمن الرومي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: مر بنا في الحلقة السابقة في تعريف أصول التفسير، تعريف الأصول وتعريف التفسير ونريد أن نتعرف إلى معنى التفسير اصطلاحًا في هذا العلم.

د. فهد بن عبد الرحمن الرومي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. بالنسبة للحلقة الماضية تكلمنا عن تعريف الأصول لغة واصطلاحًا ثم عرّفنا التفسير في اللغة وقد أشرت إلى أن تعريف أصول التفسير كغيره من العلوم الأخرى كأصول الفقه حتى علم التفسير من العلوم التي لم تتحدد مصطلحاتها عند العلماء السابقين ولا تزال بحاجة إلى تحقيق مدلولها ومعناها تمامًا. وعلم التفسير لا شك أنه أيضًا بحاجة إلى تحديد مفهومه وما يدخل في علم التفسير وما لا يدخل فيه. فهناك من يضيّق معناه بحيث يصل إلى درجة تفسير المفردات وهناك من يوسّع معناه بحيث يُدخل فيه كل علم يتعلق بالقرآن الكريم. ولا شك أن المقام لا يتسع لذكر هذا الخلاف وإنما نذكر تعريفين، من هذين التعريفين يظهر لنا شيء من البُعد الخلافي بين العلماء في تعريف التفسير. فقيل أن علم التفسير أنه علم يُفهم به كتاب الله تعالى المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحِكَمه. لو لاحظنا أنه علم يُفهم به كتاب الله تعالى المنزّل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهذا الفهم هل يدخل فيه قواعد التفسير وشروط التفسير وآداب المفسر أو لا تدخل فيه مثل هذه المصطلحات؟ لكننا نجد أبا حيان في تفسيره البحر المحيط يعرّف التفسير تعريفًا آخر حيث يقول أن التفسير علمٌ يُبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإرادية والتركيبية ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك. إذن نجد أن أبا حيان رحمه الله تعالى أدخل علومًا أخرى وهو ما يُبحف فيه عن كيفية النُطق حيث يشمل علم التجويد ويشمل علم القرآءات وما يُقرأ به من قرآءات أخرى متعددة، هل هذه داخلة في التفسير باعتبار أن المعنى يبنى على النطق الصحيح للكلمة القرآنية أم أن التفسير فرع عن النطق وليس النُطق من التفسير. هذه وجهات نظر وهذه من الخلافات في تحديد مفهوم التفسير بين العلماء رحمهم الله تعالى. لكن لا شك أن التفسير هو فهم معاني كلام الله سبحانه وتعالى سواء أدخلنا معه علم القرآءات والتجويد أو لم يدخل فيه ذلك، كل ما يؤدي إلى فهم القرآن الكريم أو ما يستنبط به القرآن الكريم هو في علم التفسير.

الفرق بين التفسير والتأويل

وردت إشارات إلى بيان معاني القرآن (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (7) آل عمران) فهل التأويل هنا هو التفسير؟ أو أن التأويل له معنى آخر لا يعلمه إلا الراسخون في العلم؟ والخلاف في ذلك مشهور وهذا الذي أدّى إلى وقوع اختلاف بين العلماء في الفرق بين التفسير والتأويل ولا شك أن هذا القول ينبني عليه أمور عقدية كثيرة لا يتسع المقام هنا لذكرها، لكن نشير إجمالًا إلى بعض أقوال العلماء في معنى التفسير والتأويل أو الفرق بين التفسير والتأويل.

الطائفة الأولى قالوا أن التأويل هو التفسير وأنه لا فرق بين التأويل والتفسير وأنهما مترادفان. يقول أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: التأويل والمعنى والتفسير واحد. ويقول أبو عبيدة معمر بن مثنى: التأويل التفسير والسيوطي ينبسب هذا القول إلى أبي عبيد وطائفة ومنه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة ترجمان القرآن: اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل يعني علمه التفسير فسمى التفسير تأويلًا. وكذلك أيضًا قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٧﴾ آل عمران) قال أنا ممن يعلم تأويله، يعني تفسيره. والإمام مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس رحمه الله تعالى يقول: الراسخون في العلم يعلمون تأويله أي يعلمون تفسيره. فنجد أن هذه المعاني كلها تدل على أن التأويل هو معنى التفسير ولهذا نجد أن إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى يبني تفسيره "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" على أن معنى التأويل هو التفسير ولهذا نجده يكرر في تفسيره قوله "في تأويل قوله تعالى" ويقول أحيانًا "واختلف أهل التأويل في هذه الآية" يقصد في الموضعين "في التفسير". إذن الطائفة الأولى ترى أن التأويل هو التفسير.

الطائفة الثانية رأوا أن بين التفسير والتأويل فرق وتباين. هنا من يرى أن الفرق بينهما هو التباين ومنهم من يرى أن الاختلاف بالعموم والخصوص أن التفسير أعمّ من التأويل أو أن التأويل أعمّ من التفسير فبعضهم يقول أن التفسير أعمّ من التأويل. يقول الراغب الأصفهاني في كتابه "المفردات" التفسير أعمّ من التأويل وأكثر استعماله يقصد التفسير في الألفاظ ومفرداتها وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل. يعني الأشياء المفردة مثل تفسير مفردات النص وتفسير معانيه يسمى تفسيرا أما الشيء الذي يأتي جملة مثل تأويل الرؤى فإنه يسمى تأويلًا ولا يسمى تفسيرًا. وأكثر ما يستعمل يعني التأويل في الكتب الإلهية والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها. نستطيع أن نقول تفسير القرآن وتأويل القرآن لكن كلمة التفسير تستعمل في تفسير القرآن الكريم ولكننا نجد أن تأويل الأحلام ورد في القرآن الكريم تأويل الأحلام وليس تفسير الأحلام، وهذا يخالف ما أفهمه من قوله رحمه الله.

وبعضهم قال إن التأويل أعمّ من التفسير لأن التفسير لجريانه في الكلام وغيره يقال تأويل الكلام كذا وآل الأمر أو تأويل الأمر كذا أي ما يؤولان إليه فتحول الشيء من حال إلى حال يسمى تأويلاً وتفسيره يسمى تأويلًا فلهذا كان التأويل أعمّ من التفسير. على كلٍ هذا خلاف بينهم في أيهما أعمّ هل هو التأويل أو التفسير والفريقان يشتركان في أن التأويل والتفسير بمعنى واحد لكن أحدهما أعمّ من الآخر.

 

لكن طائفة ثالثة ذهبت إلى قول مخالف لهذين الفريقين لذلك فرأت أن التفسير يختلف عن التأويل. ولعل هذا يكون في حلقة قادمة نظرًا لاتساع الأقوال واقتصار الوقت لهذه الحلقة وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل