زاد الداعية في سورة المزمل

زاد الداعية في سورة المزمل

من برنامج تبيان - د. محمد السريّع - @m_alsuraie

تفريغ وتصميم الصورة صفحة إسلاميات حصريًا

يمكن في الحقيقة أن نعطي هذه السورة عنواناً رئيسياً - إن صحت العبارة - وهو يتعلق بزاد الداعية أو ما يحتاج إليه الداعية إلى الله جل وعلا في دعوته، وأعظم الدعاة هو محمد صلى الله عليه وسلم. قد كانت هذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن كما هو معروف فكان صلى الله عليه وسلم محتاجاً أن يُبيّن له الأمور التي يجب أن يعضّ عليها ويلزمها حتى يستعين بها على هذه الدعوة وعلى هذه المهمة الشاقة البالغة.
من الأمور التي أرشد الله جل وعلا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأخذ بها في هذه السورة:

1. أولها قيام الليل حيث قال الله (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) ولا شك أن قيام الليل زاد عظيم هائل يحتاجه كل مسلم ولكن الداعية إلى الله جل وعلا وعلى رأسهم الرسل هم أحوج الناس إلى قيام الليل. ولذا جاء عن كثير من أهل العلم أن قيام الله كان في حقّه صلى الله عليه وسلم واجباً، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن قيام الليل كان واجباً على الأمة أول الأمر ثم نُسِخ بعد ذلك في آخر هذه السورة حين قال الله (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ (20)) إلى آخر الآية.

2. من الزاد الإيماني الذي جاءت به هذه السورة قراءة القرآن بالتدبر والتأمل والترتيل كما قال الله جل وعلا (وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4)) وأعظم ما يكون قراءة القرآن حين يكون في هدأة الليل ولذلك قال الله جل وعلا (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)).

3. من الزاد الذي جاءت به هذه السورة الكريمة إدامة ذكر الله جل وعلا كما قال سبحانه (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)) ولا شك أن الذكر - وأعظمه وأجلّه قراءة القرآن - زاد هائل يربط على القلب ويوثق صلته بالله جل وعلا.

4. من الزاد الذي جاءت به السورة أيضاً التوكل على الله جل وعلا كما قال سبحانه (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)) ولاحظ في هذه الآية الكريمة أولاً: قال (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ثم قال (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ثم قال (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) فكأن ما جاء في وصفه جل وعلا أنه رب المشرق والمغرب ثم كلمة التوحيد (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) كل هذا كالتعليل لوجوب إفراده بالتوكل. فإفراده بالتوكل مبنيٌ على هذه فمن كان رباً للمشرق والمغرب جل وعلا وهو الذي لا إله غيره ولا رب سواه يجب أن يُفرد بالتوكل. والمؤمن والداعية على وجه الخصوص محتاج إلى أن يمحض القلب لله جل وعلا فلا يتوكل على سواه ولا يرجو إلا إياه ولا يتجه بقلبه قبل بدنه وسمعه وبصره إلا له جل وعلا وكلما كان القلب متفرغاً من كل أحد إلا من الله جل وعلا كلما كان أقوى بإذن الله جل وعلا.

5. وأيضاً من الزاد الذي جاءت به السورة الأمر بالصبر كما قال الله جل وعلا (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ (10)) فإذا كان كل أحد في هذه الدنيا محتاج إلى الصبر فالمؤمن نصيبه منه أوفى وأتم، والدعاة إلى الله جل وعلا وعلى رأسهم الأنبياء والرسل عليهم السلام أحوج ما يكونون إلى هذا التوجيه الرباني العظيم (الصبر)، وما استقامت حياة الناس كلها إلا بالصبر ولكن المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له. ومن هنا ندرك عظمة هذا القرآن حين تكرر الأمر بالصبر والثناء على أهله في القرآن في عشرات المواضع وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أهميته ولذلك قال أهل العلم: الدين نصف صبر ونصف شكر.

6. من الزاد الذي يحتاجه الدعاة والذي جاءت به هذه السورة الكريمة الموقف من المشركين ومعرفة حقيقة الشرك وأهله كما قال سبحانه (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)) وقال سبحانه وتعالى (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11)) فيجب ألا يغترّ المؤمن والدعاة إلى الله بما عليه أهل الباطل وأهل الشرك سواء من متاع الحياة الدنيا وزينتها أو من الإستقواء بالباطل وأهله وجنوده فإن هذا لا شيء أمام قوة الله جل وعلا وقدرته.

هذه إشارات تدل -والله أعلم- على أن الموضوع الرئيس لهذه السورة الكريمة هو الزاد الذي يحتاجه الدعاة إلى الله جل وعلا ومما يؤكد هذا المعنى وهو ما قلته أن هذه السورة كانت من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم.

alt



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    جزاكم الله خيرا أخي الفاضل محمود على المتابعة والسؤال.
    لعل ورود الآية في سورتي البقرة والمزمل تحديدا ترجع لموافقات بين السورتين، فسورة المزمل هي سورة تحديد مهمات الداعية إلى الله تعالى وسورة البقرة هي المنهج الذي يدعو به الداعية والله تعالى أعلى وأعلم. ولعلي أبحث في أقوال العلماء إن تلمس أحد منهم سبب هذا الورود في السورتين.

  2. mahmoud elsheikh علق :

    تم ذكر الايه اكريمه وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله في سوره البقره والمزمل فما هي اللمسه ابيانيه وجزاكم الله خيرا

  3. mahmoud elsheikh علق :

    تم ذكر الايه اكريمه وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله في سوره البقره والمزمل فما هي اللمسه ابيانيه وجزاكم الله خيرا

  4. islamiyyat علق :

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    جزاك الله خيرًا على المتابعة المستمرة والتواصل. والحمد لله على نعمة الإسلام ونعمة العلم. اللهم زدنا علما وانفعنا

  5. salwa علق :

    السلام عليكم
    اعجبنى جدا نظام الجدول هذا
    فهو يلخص الفكرة و يحددها
    جزكم الله خيرا

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل