سورة النبأ - تفسير القرآن - الشيخ خالد اسماعيل

سورة النبأ – الشيخ خالد اسماعيل – برنامج تفسير القرآن

تفريغ موقع إسلاميات حصريًأ

من أعظم الموضوعات التي ركّز عليها جزء عمّ التذكير باليوم الآخر، وهذا من التناسب اللطيف في القرآن نهاية القرآن تذكرك بالنهاية أيها الإنسان والجزء الأخير من القرآن يذكرك باليوم الآخر. والإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله هو أساس العمل الصالح ولذلك كثيراً ما يقرن القرآن بين الإيمان بالله واليوم الآخر والأحكام الشرعية والمواعظ الربانية مثلاً يقول الله تبارك وتعالى لما يذكر شيئاً من الأحكام يقول (ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِمَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (2) الطلاق) وقال تعالى في الرجال الذين يقبلون على طاعة الله في بيوت الله (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) النور) لم تلههم التجارة والبيع عن ذكر الله لأنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو فليصمت، فلا يؤذي جاره، فليكرم ضيفه. إذا تذكر الإنسان أنه إن فعل شيئاً سيحاسب عليه وهناك محاكم وعقوبات فيرتدع ولا يفعل ما يشتهي ويشاء أما إذا كان المجتمع ليس فيه عقوبات ولا محاكم كأنه غابة يعيش الناس في نهب وقتل وسرقة فيما بينهم. فإذا تذكر الإنسان أنه في يوم من الأيام سيقوم من قبره وسيرى أهوالاً شديدة وسيجازيه الله تعالى على كل صغيرة وكبيرة فإما يكون في الجنة أو يكون في النار وهذا يحثّ الإنسان على المسارعة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى ولذلك سور هذا الجزء ركزّت على هذا المقصد العظيم والركن العظيم من أركان الإيمان.

وسورة النبأ مقصودها زجر المكذّبين بيوم الدين وإقامة البراهين على البعث والآخرة وتكشف شيئاً من أهوال هذا اليوم وكذلك باقي سور هذا الجزء وحتى في قصار السور (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر نهر في الجنة، فسور هذا الجزء تهتم بتقرير الإيمان باليوم الآخر فهذا الجزء يوقظنا من غفلتنا حتى نستعد لربنا جل وعلا ونلقى الله بأعمال صالحة وتوبة.

نتأمل آيات السورة:

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى توحيد الله وإلى لا إله إلا الله وحذّرهم من الشرك والفجور ومخالفة أمر الله تعالى أول ما أنذرهم أنذرهم باليوم الآخر. لما صعد إلى الصفا وقال أيها الناس إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقيل له تباً لك ألهذا جمعتنا وأخذوا يستهزئون به ويتساءلون في مجالسهم. أصبح حديث البعث واليوم الآخر حديث المجالس، إذا لقي أحدهم صاحبه ساله: هل بلغك أمر محمد؟ هل بلغك أمر البعث؟ أننا إذا متنا وكنا تراباً نُبعث وبدأوا يسخرون ويستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقولون إن كنت صادقاً أخبرنا متى الساعة؟ وأخذوا يتساءلون بينهم تساؤل إنكار وتساؤل تعجب فالله سبحانه وتعالى في هذه السورة سورة النبا أنكر عليهم استهزاءهم وإنكارهم لليوم الآخر. تأمل في افتتاحية السورة تبدأ بالإنكار والزجر الشديد على المنكرين بيوم الديم كما أنكروا واستهزأوا بيوم الدين فكذلك الله تعالى ينكر عليهم بالسؤال يقول تعالى (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) استفهام انكاري للتوبيخ، عن أي شيء يتساءلون؟ قال الله تعالى يأتي الجواب مجملاً حتى يتشوق السامع وأيضاً هذا فيه تعظيم لهذا اليوم العظيم ولهذا النبأ الهائل العظيم فقال (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) يتساءلون عن النبا العظيم عن هذا اليوم العظيم يوم البعث يوم القيامة؟ لكن ذكره الله تعالى مجملاً وعظّمه وفخّمه. والنبأ كلمة تدل على العِظَم يقال: سيل نابئ أي انتقل من مكان إلى مكان لعظمه وتدفقه وسيلانه وكذلك الخبر المهم العظيم الذي يتناقله الناس من مكان إلى مكان يسمى نبأ. قال الله تعالى النبأ ووصفه بالعظم وهذا توبيخ من الله تعالى. هذا ليس محلاً للتساؤل أبداً، البعث أمر واضح مغروس في الفِطَر والعقول الصحيحة. هل يليق بالله تعالى الحكيم أن يترك الناس هكذا يعتدي بعضهم على بعض ويتركهم هملاً لا يحاسبهم ولا يجازيهم؟ هذا لا يليق بحكمة الله (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) المؤمنون)؟! الإيمان باليوم الآخر أمر مقرر في الفِطَر السليمة فالذي ينكر هذا الشيء لا يكون إلا معانداً مستكبراً.

قال تعالى (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾) ليس محل تساؤل بل هو واضح. ثم شنّع عليهم (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) هم أنفسهم مختلفون في البعث منهم من يجزم بإنكاره كما قال تعالى عنهم (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) الأنعام) وبعضهم يشك (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) الجاثية) وكذلك هم مختلفون في أمر النبي الذي جاءهم بالتوحيد فمنهم من يقول عنه ساحر ومنهم من يقول كاهن ومنهم من يقول شاعر ومنهم من يقول مجنون والشيء الباطل الذي لا يقوم على دليل تجده مختلفاً متناقضاً فالله تعالى شنّع عليهم فقال (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ). ثم جاء التوبيخ والزجر (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) إذا سمعت (كلا) في القرآن فاعلم أنها تأي لمعنيين: الزجر والإبطال. فالله تعالى يزجرهم ارتدعوا عن هذا وآمنوا بالبعث واستعدوا للقاء الله. (كلا) فيها أيضاً إبطال لما يزعمون، ليس الأمر كما تظنون أنه لا بعث. (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) سيعلمون ماذا؟ كأن الله تعالى الجواب ما ترون لا ما ستسمعون، الجواب ما ترى لا ما تسمع! هذا في غاية التهديد والإنذار. سيعلمون ما الله فاعل بهم من العذاب الشديد، عند الموت إذا رأوا ملائكة العذاب، وفي القبر، وعند الحشر، وفي نار جهنم والعياذ بالله! وسيعلمون أن البعث حق وأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق إذا رأوا انتصار النبي صلى الله عليه وسلم عليهم  كما قتل رؤساءهم في غزوة بدر وغيرها من الغزوات فسيعلمون أن الإسلام حق وسيعلمون أن البعث حق إذا تأملوا وتفكروا في براهينه.

ولذلك ذكر الله تعالى بعد ذلك براهين البعث وأدلة البعث. نقف عند لطيفة في السورة في قوله تعالى (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾)  في سورة التكاثر قال (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿١﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿٢﴾ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ التكاثر) فما الفرق بين السورتين؟ في سورة التكاثر السورة للتحذير من التكاثر في الدنيا ويظل الإنسان غافلاً حتى يُدفن (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) يعني دُفنتم في القبور فهنا إذا دُفن الإنسان في قبره سيعلم أن الدنيا لا تساوي شيئاً فقال (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) لأن هذا العلم معلّق إذا دُفن في قبره، في الحياة البرزخية سيتحسّر ويعلم أن الدنيا والتكاثر لا ينفعه عند الله. وفي التكاثر ذكر الأمر بصيغة المستقبل البعيد لأن الأمر سيكون بعد الموت. أما في سورة النبأ المقام مقام تهديد وزجر في الحال وهم يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم فالله تعالى ينذرهم إنذاراً قريباً قال (سيعلمون) السين تدل على المستقبل القريب وسوف تدل على المستقبل البعيد. فهنا في سورة النبأ المقام مقام إنذار أكيد وحالي الآن، هم يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويأتي الإنذار من الله تعالى لهم في الحال (سيعلمون) أن البعث حق في الدنيا وهُزِموا وراوا انتصار النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وسيعلمون أن البعث حق إذا رأوا ملائكة العذاب وفي القبر ويوم القيامة وفي الدنيا إذا تفكروا في البراهين التي سيذكرها الله تعالى.

البراهين: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) هذه البراهين في سورة النبأ جمعت كل أدلة البعث في القرآن، أدلة البعث في القرآن أربعة سنجدها مذكورة في هذه السورة. (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) فراشاً ممهداً نمشي عليها ونبني عليها ونسكن عليها ونزرع فيها نعمة من الله تعالى. ما جعلها وعرة كلها جبال لا نستطيع أن نمشي أو نسكن أو نبني قال (مهادا) ثم ثبت لنا الأرض فقال (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) تثبت القشرة الأرضية فلا تميد بنا. واكتشف العلماء ما سبق إليه القرآن فوصف الجبال بأنها أوتاد واليوم العلماء اكتشفوا أن الجبل الشامخ في السماء يوجد في باطن الأرض منه أضعاف طوله على ظهر الأرض، طوله في باطن الأرض أضعاف طوله على ظهر الأرض تصل إلى خمسة أضعاف أو عشرة أضعاف. وهذا هو وصف الوتد الذي يثبت الخيمة تماماً يكون الجزء فوق التراب أقصر من الجزء الذي تحت التراب. هذا أول دليل على البعث (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ (57) غافر) الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة لا يقدر أن يبعث هذه الأجسام الصغيرة؟!

ثم دليل ثانٍ وهو أنتم أيها الناس الذين تمشون على الأرض (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) ذكراً وأنثى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) الروم) وهذا دليل على البعث قال تعالى (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴿٣٧﴾ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ﴿٣٨﴾ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴿٣٩﴾ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴿٤٠﴾ القيامة) هذه نطفة الله تعالى يخلق منها ذكراً وأنثى فكما خلقك أول مرة قادر على أن يعيدك مرة أخرى (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) هذا الدليل الثاني في القرآن.

ثم ربط الله تعالى بين النوم والزواج، الزواج سبب لبقاء نوعك ايها الإنسان تستمر الحياة بالزواج والتناسل والنوم سبب لحفظ وقتك ونشاطك فقال (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) وهذا الدليل الثالث على البعث. سباتاً يعني قاطعاً لأعمالكم فتستريحون وتنامون ويتجدد النشاط وتتجدد القوة للإنسان. والنوم دليل على البعث لأنه مثل البعث. ترى إنساناً يموت في الدنيا بالموت والنوم موت ثم يحييه الله تعالى فيستيقظ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام علمنا أن نقول بسمك اللهم أموت وأحيا وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. تذكر البعث بنومه إذا قام من نومه قال (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) ثم تأملوا إلى نعمة الله تعالى كيف سخّر الكون ليرتاح الإنسان قال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) يغطي الناس والكائنات بظلامه كما يغطي اللباس صاحبه. (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) لطلب المعاش والرزق.

(الأصل أن النوم راحة للإنسان يستجمع فيها قوته التي استنفذها خلال نهاره ساعياً في رزقه والوقت المناسب لهذه الراحة هو الليل ولهذا جاءت آية الليل مباشرة وراء آية (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) ففي الليل يهدأ كل شيء ويذهب ضوء النهار فيهجع الإنسان وتتجدد خلاياه ويتجدد نشاطه وهو نائم في هدأة الليل ثم عندما يستيقظ في اليوم التالي ذكر الله تعالى ما يناسب النهار وهو السعي وراء العيش فقال (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) ليسعى وراء تحصيل قوته ورزقه. أما ما يحدث في أيامنا هذه من قلب الليل نهاراً وقلب النهار ليلاً فهو يناقض الفطرة السليمة ويناقض برنامج أجسادنا التي خلقها الله تعالى ولأننا غيّرنا الفطرة حدث خلل في أجسادنا وقواتنا وقدراتنا ونشاطنا فترى الناس في الصباح يستيقظون كسالى لا طاقة لهم ولا قوة على السعي في الرزق لأنه غيّر الطبيعة الفطرية التي بني جسده عليها والتي تضمن له استمراره نشيطاً ساعياً في رزقه نهاراً ساكناً مرتاحاً ليلاً).

وقد اكتشف العلماء أن النوم في الليل هو المفيد للجسم فإذا نام الإنسان وقت الليل يتكيف مع الليل فيفرز هرمونات تساعد على الراحة وتقوي المناعة إذا نام في وقت الليل خاصة أما إذا ما نام في الليل ونام في النهار لا تفرز هذه الهرمونات فتنقص مناعة الإنسان وقوة الإنسان. هذا من رحمة الله تعالى بنا (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الحديث بعد العشاء إلا في طلب العلم أو في الجلوس مع ضيف أو في مصلحة.

(وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) انتقل إلى السموات السبع، سبع سموات قوية محكمة وهذا يرجع إلى الدليل الأول فالذي خلق هذه المخلوقات العظيمة قادر على أن يحيي الموتى. ثم ذكر أعظم آية في السماء (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) هذه الشمس نعمة من الله تعالى علينا (سراجا) إشارة بالنعمة علينا بالطاقة الضوئية لأن سراجاً تعني مصباحاً مضيئاً فنستفيد من الشمس ضوؤها حتى يستطيع الناس أن يخرجوا إلى أعمالهم ويعيشوا ويزرعوا ويتاجروا. وأشار إلى المنفعة الحرارية فيها في قوله (وهاجا) متوهجاً بحرارة شديدة وهذه الحرارة بها تصلح الحياةـ، تنضج الثمار بحرارة الشمس وتُدفع المضار من جسم الإنسان بهذه الحرارة وتبخر البحار وتتكون السحب ولذلك قال بعدها (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا) فتبخر الشمس بخار الماء من البحار فتتكون السحب (من المعصرات) السحب شبهها بالثوب المبلل الذي تعصره لتخرج منه الماء كما قال تعالى (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ (43) النور) هكذا ينزل المطر. قال (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا) ماء متتابعاً

(لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) وهذا الدليل الرابع على البعث كما قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) فصلت) يُنزل الله تعالى الماء على البذرة اليابسة في الأرض اليابسة فتُخرج هذا النبات الأخضر اللين الحيّ كذلك يبعث الله الناس من قبورهم بعد الموت. (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا) وهذا أصل القوت فقدّمه الله تعالى لأن أصل القوت الحبوب الحبّ والشعير والأرز فقال (حبا) يأكل منه الحيوان ويأكل منه الإنسان. (ونباتا) يأكل منه الحيوان والإنسان وإتماماً للنعمة قال (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) لعظمها تكون متشابكة الأغضان ملتفة وعظيمة وضخمة فهذه أدلة على البعث وهذه السورة جاءت لتقرير اليوم الآخر فجاءت بكل أدلة البعث في القرآن وهي أربعة أدلة:

خلق الإنسان (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) فالذي خلقك أول مرة قادر على أن يبعثك مرة أخرى،

خلق المخلوقات الكبيرة مثل الأرض والجبال والسماء والشمس

النوم هو دليل واقعي فالنائم ميت يحييه الله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا (42) الزمر) وقد ذكر تعالى في قصة (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣﴾) فذاك ميت أحياه الله تعالى وكذلك قول ابراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٦٠﴾) شيء ميت في الحياة يحييه الله تعالى وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها وقصة أصحاب الكهف. فكلها قصص واقعية في واقع الحياة

إحياء النبات الأخضر من البذرة اليابسة

هذه الأدلة الأربعة اجتمعت في هذه السورة. قد يقول قائل أنا مسلم والحمد لله ما أحتاج إلى أن أتأمل فيها، أنا مصدق بالبعث، نقول المسلم يستفيد من هذه الآيات ومن هذه الأدلة فكم من الناس يغفلون عن اليوم الآخر ولا يستعدون! تمر في واقع حياته وكأنه لا يؤمن باليوم الآخر، تجده يترك صلاة الجماعة، تجد المرأة تتبرج، تجد هذا يدخن وهذا يسمع الأغاني وهذا في الزنا وهذا في الربا! ألا تؤمن بيوم البعث؟! ألا تؤمن وتتيقن بأن هناك جنة ونار وأن الله سيحاسبك على كل عمل؟ إذن أنت بحاجة لتجديد هذه البراهين في قلبك. للأسف هذه الآيات أصبحت الآن أموراً مألوفة في حياتنا ننام ونستيقظ من النوم، نرى الأرض، نرى الجبال، نرى السماء، نرى النبات الأخضر، ولا كأننا نتذكر بشيء! المسلم إذا استيقظ من النوم يتذكر البعث، هكذا يفتتح حياته بتذكر اليوم الآخر إذا رأى هذه المخلوقات العظيمة يتذكر اليوم الآخر ويستشعر فيها نعم الله تعالى عليه، هذه كلها نعم من الله، لما تمشي على الأرض الممهدة ولما تصيبك أشعة الشمس تستفيد منها بالضوء والحرارة، النبات الأخضر، تنام، هذه كلها أدلة ونعم من الله تعالى أيضاً تستشعر هذه النعم وتشكر الله تعالى فهذا أمر عظيم ينبغي أن يستشعرها الإنسان في حياته أنها نعم من الله تعالى وأنه يجب أن يستقيم ويسير إلى الله تعالى بكل اجتهاد وعمل صالح وتوبة إلى الله تعالى.

ثم بعد أن ذكر الله تعالى البراهين قال (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) كشف عن هذا اليوم، له وقت محدد إذا جاء لايؤخر (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104) هود) وهذا يتناسب مع تساؤلهم (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (25) الملك) فالله يقول لهم (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) يفصل الله تعالى فيه بين المؤمن والكافر فريق في الجنة وفريق في السعير (وهذا ناسب أن تأتي الآيات التي بعده فتفصل في عاقبة الكافرين وجزاء المتقين) يبدأ ذلك اليوم (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) الصور الذي ينفخ فيه إسرافيل، تأتون جماعات جماعات كل أمة مع نبيها ونسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والزمر كثيرة والأفواج كثيرة، فوج الكفار، فوج الزناة، فوج آكلي الربا، فوج المطربين، فوج الممثلين، فوج اللاعبين، كل فوج يحشر مع قرينه فاختر لنفسك مع أي فوج تريد أن تحشر يا عبد الله؟! والمرء مع من أحبّ.

ثم يذكر أهوال يوم القيامة (وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا) ترى أهوالاً عظيمة كما قال تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ (25) الفرقان) ينزلون من هذه الأبواب وتسير الجبال فكانت سرابا (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا (6) الواقعة) أهوال عظيمة في هذا اليوم وشدائد تدل على عظمة الله تعالى وتدل على عظم الأمر الذي ينتظرنا غداً يوم القيامة.

ثم على عادة القرآن ينذر ويبشر، مثاني، ذكر الله تعالى الجزاء (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) وقال (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا).

ملاحظة: هذا تفريغ الحلقة الأولى من سورة النبأ ولم أجد الحلقة الثانية لاستكمال التفريغ. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل