تفسير وتدبر سورة النبأ

سورة النبأ

من محاضرة للدكتور أحمد نوفل بتصرف

تفريغ وإعداد صفحة إسلاميات حصرياً

أسماؤها :التسمية الأشهر "سورة النبأ" لقوله تعالى (عن النبأ العظيم). وسميت في بعض المصاحف وفي صحيح البخاري "عم يتساءلون" للآية الأولى فيها، وسميت سورة "عَمَّ" في بعض المصاحف والكتب وسماها العلماء سورة التساؤل أخذاً للمصدر من الفعل في قوله (عم يتساءلون). وتسمى سورة المعصرات لقوله سبحانه وتعالى (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا)

التعريف بالسورة :

سورة مكية بإجماع أهل التفسير

سورة من المفصّل .

عدد آياتها 40 آية وقيل 41 آية.

ترتيبها الثامنة والسبعون في ترتيب المصحف .

نزلت بعد سورة المعارج .

بدأت بأسلوب استفهام (عَمَّ يتساءلون) ولم يذكر فيها لفظ الجلالة.

محور مواضيع السورة :

يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ إِثْبَاتِ عَقِيدَةِ البَعْثِ بعد الموت الَّتِي طَالمَا أَنْكَرَهَا المُشْرِكُونَ.

سبب نزول السورة :

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما بُعث النبي جعلوا يتساءلون بينهم فنزلت (عمَّ يتساءلون (1) عن النبأ العظيم)

مقصدها العام: استنكار تكذيب المشركين بالقيامة والبعث والجزاء، وإثبات ذلك بالأدلة والبراهين، رداً عليهم وتوعداً لهم، وتأنيساً ووعداً للمؤمنين.

والسورة تأكيد وإتمام لسورة المرسلات، فكلاهما في إثبات القيامة والبعث من جهة، لكن المرسلات ركزت غالباً على إثبات الوقوع، وعم ركزت غالباً على إثبات الجزاء 

ولهذا قال في المرسلات {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين} في إثبات القدرة على الجمع، وفي عمّ قال {إن يوم الفصل كان ميقاتا للطاغين مآبا} في إثبات موعد الجزاء. وقال في المرسلات {إنما توعدون لواقع} إثباتاً لوقعه، وقال في عمّ {إنا أنذرناكم عذابا قريباً} إثباتاً للعذاب فيه.

قال البقاعي:" مقصودها الدلالة على أن يوم القيامة الذي كانوا مجمعين على نفيه وصاروا بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في خلاف فيه مع المؤمنين ثابت ثباتا لا يحتمل شكا ولا خلافا بوجه " مصاعد النظر 3/151.

قال الصابوني:" محور السورة يدور حول إثبات عقيدة البعث التي طالما أنكرها المشركون" إيجاز البيان في سور القرآن ص275

قال في بيان النظم في القرآن:" محور السور اختلاف الناس في قوع القيامة مع أن كل الدلائل العقلية والدنيوية تشير إليها، ولا بد من يوم تفصل فيه المظالم والحقوق ويظهر الحق من الباطل"  ص273.

مواضيع السورة:

تساؤل المشركين عن النبأ العظيم (الآيات 1 – 5)

لفت النظر إلى الآيات الكونية – براهين وأدلة البعث بعد الموت (الآيات 6 – 16)

من أحداث يوم القيامة (الآيات 17 –19)

جزاء الكافرين المكذبين (20 - 30)

جزاء المتقين (الآيات 31 – 40)

المناسبة بين افتتاحية السورة وخاتمتها

افتتحت السورة بالاستفهام الإنكاري للمكذبين على إنكارهم واستبعادهم لذلك اليوم العظيم الذي هو يوم الفصل واليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين كانت خاتمة السورة (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا ﴿٣٩﴾ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴿٤٠﴾)

المناسبة بين خاتمة سورة المرسلات وافتتاحية سورة النبأ

سورة المرسلات اشتملت على إثبات القدرة على البعث الذي كذّب به الكفرة

ختمت سورة المرسلات بتساؤل (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)) والحديث فيها عن القرآن وافتتحت سورة النبأ بتهويل التساؤل عنه والاستهزاء به (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾)

تناسب بين السورتين في أسلوب الاستفهام ففي سورة المرسلات (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)) (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20)) (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25)) وفي سورة النبأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6))

ذكر يوم الفصل في السورتين ففي سورة المرسلات قال تعالى (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴿١٢﴾ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿١٣﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿١٤﴾) وفي سورة النبأ (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) فيها يوم الفصل المُجمل ذكره فيما قبلها

تأملات في السورة تفسيراً وتدبراً

لكل سورة من سور القرآن الكريم شخصيتها وقضيتها ومواضعيها ولكل سورة شبكة من العلاقات.

سورة عمّ أو سورة النبأ فاتحتها استفهام (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) إذن هذه من السور التي تفتتح بالاستفهام والاستفهام كَثُر في القرآن المكي وجُلُّ سور هذا الجزء قرآن مكي. موضوع الجزء برمّته تقريباً عقيدة الآخرة أو البعث، هذا الركن العظيم من أركان الاعتقاد الذي أعتبره والإيمان بالله وجهان في قضية واحدة. هذا الإيمان إن غاب عن حياة الإنسان تحول إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف فلا بد من الاعتقاد بالآخرة فجاء هذا الجزء الكريم المبارك يقوي هذه العقيدة أو يؤسس لهذه العقيدة عقيدة البعث. إذن الاستفهام فاتحة هذه السورة أو مجموعة من السور المفتتحة بالاستفهام أول سورة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) الإنسان) (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) النبأ) (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) الغاشية) (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) الشرح) (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) الفيل) (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) الماعون) هذه مجموعة السور المفتتحة بالاستفهام. ثاني سورة مفتتحة بالاستفهام في الجزء بحسب ترتيب السور في المصحف هي سورة عمّ. هذه السورة وكل سورة في القرآن لن نتكلم عن الجرس والإيقاع لأنه ليس لدينا وقت لكن لو كان لدينا وقت تكلمنا عن الجرس والحروف ولماذا بدأت سورة النبأ بـ(النون) ثم تحولت إلى حرف الألف. (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) المقطع الأول انتهى بالنون والميم القوية. المقطع الثاني لأنه يتحدث عن النعم كانت فاصلته الألف الممدودة (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) ما بين الآية 6 و16 مقطع وآيات قصيرة من كلمتين أو ثلاثة ستجد 13 حرف (جيم) في هذه الأسطر القليلة وفي الصفحة كلها 18 حرف (جيم) وحرف الجيم حرف انفجاري قوي (ج) إذن هذا الجرس أو الإيقاع الموسيقي للكلمات.

السورة تدلنا على مقاطعها بدون اجتهاد. إذن المقطع الأول (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) وكثر في هذا الجزء (كلا) وهو ليس حرف نفي وإنما حرف ردع وزجر وقد تكرر حرف (كلا) في بعض السورة القصيرة ثلاث مرات (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿٥﴾ التكاثر).

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾) وهو الآخرة. هل جواب (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) هو (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)؟ أعتقد لا، إنما (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) وترك الجواب ليبتدئ بحديث النعم الدالة من وجه من الأوجه أنها نعم من نعم الله عز وجل والدالة من الوجه الآخر على قدرة الله عز وجل الذي خلق السموات والأرض وخلق الشمس الذي جعل الخلق أزواجاً الذي رزقكم النبات، هذا الخالق العظيم أليس بقادر على بعثكم وإنشائكم من جديد؟!! إذن حديث النعم ليس مفصولاً عن فاتحة السورة، بالعكس إنه جواب عنها لكن جواب غير مباشر، هذا المقطع الثاني حديث للنعم.

يبتدئ المقطع الثالث (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) لم نتكلم عن شبكة العلاقات، لي نظرية هي التوأمة بين السور، كأن كل سورة وسورة يشكلان توأمين، تجد بينهما تشابهاً في الطرح وفي الكلمات وفي الموضوعات بشكل شديد وهائل. على سبيل المثال بين سورة المرسلات وسورة النبأ حوالي عشرين نقطة من التشابه نشير إلى بعضها:

·         موضوع سورة المرسلات "القيامة" وسورة النبأ موضوعها القيامة، اتحاد الموضوع

·         المرسلات تنتهي (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)) استفهام، والنبأ تبدأ بالاستفهام (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ)

·         ذكر يوم الفصل في المرسلات (لِيَوْمِ الْفَصْلِ 13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)) (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38)) ويوم الفصل في النبأ (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)

·         المتقين ذكرت في السورتين (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41)) في المرسلات و(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) في النبأ

·         الكلام عن السماء في المرسلات (وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (9)) والسماء في النبأ (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا)

·         الكلام عن الجبال في المرسلات (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)) (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ (27)) والجبال في النبأ (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)) (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ (20))

·         الحديث عن الأرض (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) في النبأ وفي المرسلات (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25))

·         الاستفهام في سورة المرسلات (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20)) (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25)) والاستفهام في سورة النبأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6))

أما العلاقات مع سورة النازعات فهناك تشابه بين السورتين على سبيل المثال:

·         سورة النبأ بدأت بالاستفهام (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) وسورة النازعات ختمت بالاستفهام (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42)).

·         في سورة النبأ ذكر الجبال (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)) وفي سورة النازعات ذكر الجبال (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32))

·         ذكر الأرض في سورة النبأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6)) وفي النازعات (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30))

·         ذكر في النبأ إنزال الماء وإخراج النبات (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)) وذكر في النازعات إخراج الماء والمرعى (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31))

·         ذكر نعمة خلق الليل والنهار في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)) وذكرهما في سورة النازعات (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29))

·         ذكر رفع السماء في سورة النبأ (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12)) وفي سورة النازعات (أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28))

سورة (عمّ) مقسّمة إلى مقاطع ولكن هذه المقاطع كمفاصل الجسم فيها انفصال لكن فيها أيضاً اتصال كمفصل اليد يربط بين أجزائها.

(عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) سؤالهم ليس سؤال استعلام وإنما سؤال استنكار واستهجان واستغراب وسؤال كِبر واستعلاء. (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾) القرآن ينقل الصورة عن هؤلاء. النبأ هو الخبر المهم وليس هناك خبر أهم من خبر يوم القيامة، لن يسمع البشر بخبر أخطر من خبر بعثهم يوم القيامة ولن يواجهوا في حياتهم كلها شيئاً أصعب عليهم من ذلك اليوم فعلينا أن نستعد له كما ينبغي أن يُستعد له ولذلك سماه القرآن (النَّبَإِ الْعَظِيمِ).

(الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) بعضهم منكر، بعضهم يشكّ، بعضهم جاحد تماماً، البعض آمَن، البعض وصل درجة اليقين، إذن البشر في هذا اليوم مختلفون قسم وصل حد اليقين (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) البقرة) وقسم مُنكِر (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (22) النحل) وجاحدة تماماً وقسم (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) الجاثية) وهناك شرائح متعددة وأصنافاً من البشر متعددة جداً ما بين اليقين وبين الشك والجحود لخّصها القرآن (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) حتى شريحة الكفار ليسوا كلهم على مستوى واحد في الكفر، معنى غزير جداً.

(كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) تهديد، (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ). (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) هذا تهديد، يعلمون عندما يواجهون الحقائق سيعلمون أن القيامة حقّ عندما يرون الصراط والميزان والنار وجهنم والزبانية وصنوف العذاب سيوقنون أن القيامة حقّ وأن الرسل صدَقتهم فيما قالت لهم إن القيامة حقّ، لكن الوقت متأخر جداً! هذه فاتحة السورة.

انتقل الحديث إلى المقطع الثاني (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) الأرض ممهدة لك كمهد الطفل. أنت تركب في طائرة تسير بسرعة هائلة لكن هذه الطائرة ثابتة. الله سبحانه وتعالى مهّد الأرض لك من حيث الجاذبية من حيث الأكسجين، مهيأة لك من حيث المناخ كله والحرارة في تحمل جسمك، البرودة فيما تحمله، كمهد الطفل. لو حصل عطل في الطائرة أو نقص في الأكسجين ستشعر كم كانت هذه الطائرة المنطلقة في الفضاء مكيّفة لك! عبّر القرآن الكريم عن هذا كله بقوله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا). (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) هذه الجبال الغائصة في أعماق الأرض وتصل إلى عمق ومركز الأرض هذه الجبال ما يبدو منها الثُمُن تقريباً والبجال أوتاداً تثبت صفائح الأرض وتثبت الغلاف الغازي بجاذبيتها لهذا الغلاف وعبّر القرآن عن كل هذه المعاني بقوله (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا). (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) عجيب هذا الإنسان! الذكر والأنثى الفرق بينهما (23 كروموزوم من الأب و23 كروموزوم من الأم في كلا الصنفين) فكيف يكون هذا ذكراً وهذه أنثى؟! معجزة في الخلق! لكن البشر يمرون على آيات الله وهم عنها معرضون! آيات عجيبة ومليئة بالمعاني فيها زخم شديد ويستمر حديث النعم على الإنسان تذكيراً له أن هذه الإله الذي أنعم على الإنسان بكل هذه النعم انتبه لها وانتبه لقدرة هذا الإله العظيم ولرحمة هذا الإله العظيم ولتسر حياتك على منهج هذا الإله العظيم. ثم لفت أنظارنا إلى السبع الشداد وهي السموات ثم لفت أنظارنا إلى السراج الوهاج الشمس متقدة أربع ملايين سنة ونصف والعلماء يقدّرون لها ممكن أن تعيش أربع بليون سنة وتصرف في كل ثانية أربع مليون ونصف من الطاقة والوقود، عبر القرآن عن كل هذا بقوله (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) وهناك شموس أكبر من شمسنا بخمسين ألف مرة شمسنا بالنسبة لها كحبة الحمص! كلام كثير يحتاج أن نقف عنده. (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) انتهى المقطع، حديث النعم.

ثم يبدأ مقطع جديد (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴿١٧﴾ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴿١٨﴾ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ) لاستقبال الوفود (فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴿١٩﴾ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾)

ثم يبتدئ مقطع جديد (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) كأن شخصاً يقعد في منطقة رصد كامن ينتظر الفريسة أو الصيد لما صار في مرمى النيران، هذا معنى مرصاداً، يعني جهنم تنتظر زبائنها (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) نسأل الله السلامة ونعمل ونستعد لمثل هذا اليوم لنكون بإذن الله من اصحاب الجنة بصبحة سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم

بعد أن يتكلم عن جهنم (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿٢١﴾ لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ﴿٢٢﴾ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾ جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾) لماذا؟ (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾ وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾) (كِذَّابًا) لم ترد إلا في هذه السورة وسنجد أن كل سورة متميزة بمجموعة من المفردات لم ترد إلا في هذه السورة، كل سورة هكذا حتى سورة الإخلاص على قصرها فيها كلمات لم ترد في القرآن كله إلا في هذه السورة.

ثم يبتدئ مقطع آخر (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿٣٢﴾ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴿٣٤﴾) تكلم عن نعيم أهل الجنة وكل هذا النعيم الذي تكلم عنه (جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا) تعبير عجيب! أجزاء أم عطاء؟ لو أن أحداً رفع لك شيئاً من مكان إلى مكان يتوقع أن تعطيه بضعة قروش لكنك أعطيتك عشرة دنانير! ولله المثل الأعلى، نحن عملنا قليل جداً ولولا هذا العمل القليل ليس هناك جزاء لكن أهو جزاء يساوي عملنا؟ لا والله! إذن جُلّ هذا النعيم في الآخرة عطاء وقليل منه جزاء. هو جزاء وعطاء في ذات الوقت.

ثم عرّفنا بالله سبحانه وتعالى لتتيقن أن هذا العطاء اللامحدود الذي يفوق ما يستحق الإنسان على عمله هو من رب له هذه الصفات وهذه العظمة والقدرة والقوة (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) حتى الملائكة المقربون من الله عز وجل في صمت مطبق فما بالك ببقية الخلائق؟!

تختتم السورة (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) كل ما عمل من خير أو من شر من سوء أو من حسن سيجده حاضراً أمامه (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف). (وَيَقُولُ الْكَافِرُ) متحسراً (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) يتمنى أن يكون تراباً مواتاً عدماً يتمنى الموت فلا يحصّله كما قال المتنبي:

كفى بك داء أن ترى الموت شافياً      وحَسْبُ المنايا أن يكنّ أمانيا

يوم القيامة إما خلود في النعيم أو خلود في الجحيم نسال الله تعالى أن نكون من المخلدين في النعيم نتفرج على الكافرين الذين يتمنى الواحد منهم أن يكون تراباً تدوسه الأقدام مقابل الاستكبار الذي كانوا فيه. 

مفردات سورة النبأ:

كلمة (النبأ) لم ترد في القرآن إلا في سورة النبأ (ولعل هذا سبب تسميتها بهذا الاسم تحديداً)

وصف الأرض بأنها مهاد لم يرد إلا في سورة النبأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6))

وصف الجبال بأنها أوتاد لم يرد إلا في سورة النبأ (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7))

وصف النهار بأنه معاش لم يرد إلا في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11))

وصف السماء أنها سبعاً شداداً لم يرد إلا في سورة النبأ (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12))

لم يرد وصف الشمس أنها سراجاً وهاجاً إلا في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13))

وصف السحب بالمعصرات لم يرد إلا في سورة النبأ (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ (14))

وصف ماء المطر النازل من السحاب بأنه ثجّاجاً لم يرد إلا في سورة النبأ (مَاء ثَجَّاجًا (14))

وصف الجنات أنها ألفافا لم يرد إلا في سورة النبأ (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16))

وصف يوم القيامة يوم الفصل أنه كان ميقاتا لم يرد إلا في سورة النبأ (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) وورد في سورة الدخان (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40))

وصف السماء أنها فتحت فكانت أبوابا لم يرد إلا في سورة النبأ (وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19))

وصف الجبال أنها سيرت فكانت سرابا لم يرد إلا في سورة النبأ (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20))

وصف جهنم أنها كانت مرصادا لم يرد إلا في سورة النبأ (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21))

وصف مدة لبث الكفار في النار أنها أحقابا لم يرد إلا في سورة النبأ (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23))

وصف جزاء أهل النار أنه وفاقا لم يرد إلا في سورة النبأ (جَزَاء وِفَاقًا (26))

انفردت سورة النبأ بذكر كلمة (كذّابا) فيها مرتين ولم ترد في أي موضع آخر في القرآن (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) (لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35))

وصف جزاء المتقين أن لهم مفازا لم يرد إلا في سورة النبأ (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31))

وصف كأساً دهاقا لم ترد إلا في سورة النبأ (وَكَأْسًا دِهَاقًا (34))

وصف عطاء الله للمتقين يوم القيامة أنه حسابا لم يرد إلا في سورة النبأ (جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا (36))

كلمة (خطابا) لم ترد إلا في سورة النبأ (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37))

كلمة (صوابا) لم ترد إلا في سورة النبأ (وَقَالَ صَوَابًا (38))

كلمة (مآبا) لم ترد إلا في سورة النبأ مرتين (لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (22)) (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39))



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل