النبأ العظيم - سورة البلد - د. أحمد نوفل

النبأ العظيم – د. أحمد نوفل

سورة البلد

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

نعيش في أجواء سورة البلد ليس لها اسم آخر، سورة مكية قطعيًا. هي السورة رقم 13 في جزء عم و90 في ترتيب المصحف. فاتحتها (لا أقسم) وهي آخر (لا أقسم) في القرآن وبعدها عشرون سورة بعدها ليس فيها (لا أقسم)، هذه آخر مرة في القرآن. (لا أقسم) فاتحة السورة وآخر مرة ترد فيها في القرآن (لا أقسم).

(لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴿١﴾)

ما معنى (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴿٢﴾) وما العلاقة بين المقسم به والمقسم عليه (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴿٤﴾)؟ ما موضوع السورة؟ ما منهجية السورة في عرض موضوعها؟

هناك علاقة بين المقسَم به والمقسِم عليه، قاعدة أن القرآن مبناه التناسق لا التنافر. إذا أقسم بشيء على شيء ينبغي أن يكون بين الشيئين علاقة. العلاقة وثيقة (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) لا أقسم معناه أقسم، وقلنا يقسم بصيغة (لا أقسم) يكون الأمر المقسم عليه من الوضوح لدرجة أنه لا يحتاج أن يُقسم عليه. (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) مكة سبحان من شرفها ومن اختارها لتكون مكان بيته العتيق، صخور سوداء لا تنبت زرعا (بواد غير زرع) كلمة إبراهيم عليه السلام، اختار هذا البلد دزن غابات أوروبا وأنهارها وسهولها، صخور سوداء قاسية جدًا! هذا البلد شاء الله تعالى أن يجعله بيته الحرام أول بيت وضع للناس هذا المكان حتى يكون قاصد الحج إليه قاصد الحج لا ليتفرج على غابات سويسرا أو بحيراتها، مقصدك واحد: تعظيم البيت ورب البيت سبحانه فاختار هذا المكان الأجرد ليكون مكان بيته. إذن جو مكة كبد، بلد ليس فيه زراعة، لم يكن فيه ماء لولا أن الله تعالى فجّر بئر زمزم في قصة إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر، لم يكن فيه أسباب للحياة، فجو مكة كبد (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) البلد كله كبد.

(وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) المفسرون قالوا حلٌّ أي حلال الدم، ورأيي أن حلٌّ يعني حالٌّ مقيم بهذا البلد قبل النبوة يتم وفقر وكبد، بعد النبوة إعراض وكفر وكَبَد. إذن (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) كَبَد، (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) كَبَد، (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴿٣﴾) كَبَد سواء كان الوالد بمعنى الوالدة أو الأب. الولادة موت إلا قليلا لتهب الوالدة الحياة تقارب هي حافة الموت ولهذا الأم مقدَّرة لأن بعضهن تفقد حياتها وبعضهن تقارب فقد الحياة، الولادة كَبَد، جوّ كَبَد.

المقسم عليه (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴿٤﴾) تناسق وتناسب وتناغم وتلاحم وانسجام بين الإطار والصورة أقصد المقسم به والمقسم عليه. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) الإنشقاق) نفس الجو.

لماذا (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴿٤﴾)؟ لأن االمعدن الأصلي لا يخرج إلا بالصهر، النار تصقله وهذا الإنسان الكبد يألقه ويأنقه ويجمّله والتعب والعرق والجهد مَطهرة وتزكية ومفخرة للإنسان وكل ثانية في جدولك في كتابك يوم القيامة، لذلك أجمل شيء في الدنيا أن تتعب، أن تدأب وأن تعمل، إياك أن تطلب الراحة! أبو تمام قال للمعتصم:

بصرتَ بالراحة الكبرى فلم ترها         تنال إلا على جسر من التعب

من أراد أن يستريح فليتعب ومن طلب الراحة تعب كثيرا. (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴿٤﴾) الله سبحانه وتعالى لا يحب المشقة لذاتها –ولله المثل الأعلى – المرأة في البيت عندما تحضر الطعام، تقلق، وهي واقفة على رجليها ساعات ثم يأتي الأولاد يأكلوه في خمس دقائق! الحياة تعب وكبد! ولكن على قلب الأم أحلى من العسل، وكل يوم تتحمل نفس الكبد، تنتهي من الغداء فتحضر العشاء، وهكذا! رجالًا ونساء كلهم في كَبَد! الأصل أن الإنسان يأخذ أجرته بالتعب والكَبَد والنصب والعرق.

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴿٥﴾) هل تظن أيها الإنسان أنه ليس هناك أحد قادر على جمعك من جديد؟ أليس هناك أحد قادر على أن يحاسبك على عملك؟

(يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴿٦﴾) لبدا يعني متراكمًأ متجمعًا مثل لبدة الأسد، شعر فوق شعر فوق شعر. (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴿٦﴾) راكمه وجمّعه عبر السنين. المال قوة والإنسان بهذه القوة يتجذر ويترسخ ويشتري الأتباع والأعوان ولذلك يقول أهلكت مالا لبدا يعني كميات من المال أنفقتها في حملا دعائية أو إعلانية، القرآن يحشد عوامل القوة التي بها يظن الإنسان أنه لن يقدر عليه أحد.

كنا نتحدث عن أوهام الإنسان التي حدثنا عنها القرآن عن نفسه، الإنسان يتوهم أشياء عن نفسه يظن أنه قوي، أيها الإنسان أنت ضعيف (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء) إياك والتوهم، أوهام القوة جزء منها المال (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴿٦﴾) ولذلك (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴿٥﴾ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴿٦﴾) ليس عنده حضارة إلا المال، لا شراء للرجال إلا بالمال، كأن المال أحد أهم أسباب القوة وبعض الناس سيطر على العالم بالمال. (لُبَدًا) متجمعًا سنة بعد سنة وأحيانا جيلا بعد جيل، عائلات تؤسس وأحفادهم يرثون بالمليارات!.

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴿٧﴾) أيظن الإنسان أن لا رقيب عليه؟ الإنسان مليء رأسه بالأوهام!

(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴿٨﴾) الإله الذي خلق لك عينين سبحانه تظن أنه لا يراك؟! أنت تبصر بعينيك، من خلقهما لك؟ خلقهما الإله الذي يراك! الآخرة تحمّل مسؤولية، القرآن يكلمنا عن أسباب تحمل المسؤولية:

العينان واحد من المواهب التي بها نتحمل المسؤولية والكفيف مسؤول لكن مسؤولية البصير أوسع وحمله أثقل والأمانة عليه أشق وأصعب وحسابه غدًا مختلف، فاقد البصر حسابه على قدر ما أوتي من مواهب. أنت عندك سمع وبصر وفؤاد ستحاسب بقدر ما أوتيت. إذن يتكلم عن أسباب تحمل المسؤولية في الآخرة.

(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴿٨﴾ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴿٩﴾) اللسان! هذا معجزة والله! كيف ينطق بهذا البيان؟! كيف يفصح عن مكنونه؟ هذا اللسان الذي يتعلم اللغات عربي وانجليزي وفرنسي واسباني، كيف؟؟ والشعر والخطابة ورفع الصوت وخفض الصوت والتحكم والتموج، كيف؟! والحصان عنده لسان أطول من لسان الإنسان هل يمكن أن تعلمه العربية أو الانجليزية؟ لا يمكن لأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل عنده الاستعداد.

(وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) حتى تُطبق وتسكت وتتعلم الصمت، هذا اللسان إن ترك فالتًا سيوقعك في ورطات ولذلك جعل لك هذا القفل لتقفله، إن كنت بحاجة للبيان تبيّن وينطلق هذا اللسان ببيان الحق.

(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴿١٠﴾) النجدين طريق الخير وطريق الشر، ستقرأ في التفاسير معاني كثيرة لكن ما نعتقد أنه صفوة القول أن النجدين هما طريق الخير وطريق الشر.

(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾) العقبة محور الموضوع، العقبة هي عقبة الآخرة، كيف تقتحم عقبة الآخرة ومشقات وأهوال الآخرة. منطقة العقبة سميت بهذا لأنها محاطة بالجبال الصعبة، ولذلك كل منطقة صعبة نسميها عقبة. (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾) السؤال للتهويل لأن الشيء عظيم في حدّ ذاته لكن الإنسان قد يكون غير مدرك لعظمة هذا الشيء فيسأل القرآن سؤالًا ليلفت نظرك إلى أن هذا الشيء عيم جدا.

ثم شرح كيف تجتاز العقبة وتقتحم (فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾) تحرير العبيد، هذا دين تحرير العبيد، والصورة للأسف الآن في العالم أن الإسلام دين العبودية وحالتهم كرب لأن دينهم هو الذي شرّع الرق! وهذا غير صحيح فالإسلام جاء في زمن شاع الرق في العالم والإسلام هو الذي يسعى في تحريره. (فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾) دون مخالفة، تريد أن تقتحم العقبة، حرر رقبة، هذا دين الحرية لا دين العبودية!!!

أبراهام لنكولن قيل أنه أطلق العبيد وفي اليوم التالي طالب العبيد أن يعودوا عبيدا من جديد لأنهم أطلقوهم والظلم لهم كان ساحقا وشديدا فلما أطلقهم وقهم في ظلم أشد، أطلقوهم في الشارع وقالوا لهم أنتم أحرار! ماذا يفعل بالحرية وهو لا يجد ما يأكله؟! فخرج العبيد في مظاهرات يطالبون بالعبودية. أنت تطلقه لكن بعد أن توفر له أجواء العمل، الحرية مع كسب الرزق وإلا فإنها تتحول إلى لون صارخ جدا من ألوان مزيد من العبودية.

هذا الدين العظيم جفف منابع العبودية، من اعتدى في رمضان يعتق رقبة، من اعتدى في الحج يعتق رقبة من خلق يمينًأ ونكث فيها يعتق رقبة، من ارتكب خطأ يعتق رقبة، لم تفعل ذنبًا وتريد أن تتقرب إلى الرب تعتق رقبة.  هذا الدين جاء يجفف ينابيع العبودية لكن بالتدريج لأنه لو فعلها دفعة واحدة تحدث انتكاسات والشرع عظيم لا ينتكس. يوفر الأجواء ولذلك يفك الأزمة بالتدريج. بعض العلماء الذين عندهم شيء من التشدد يقولون الإسلام لم يلغ الرقّ! لكن قرآننا وسنة نبينا أعظم من كل شرع، أما وأن كل شرع البشر اتفقت على إنهاء الرق لن نكون أقل من الآخرين، نحن فوق الآخرين، وشرعنا أسمح وأكرم وأيسر من الآخرين، تريدون أن نكون أقل من الناس؟لا، الرق انتهى إلى لا عودة، لسنا حريصين على الرق والعبودية.

كيف تقتحم العقبة (فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾) شديد الجوع. نحن في ضيافة الله ستة مليارات إنسان على الأرض والله سبحانه وتعالى ما وضع في الأرض طعامًا يكفي لثلاثة مليارات فقط! إذا كنت أنت في بيتك لو أتاك عشرة أشخاص تحضر طعامًأ يكفي عشرين، يزيد ولا ينقص، لكن المهم أن لا ينقص فإذا كنت أنت العبد فما بالك بالرب الكريم؟ من أين تأتي المسغبة إذن؟ من ظلم الإنسان للإنسان، من نهب ثروات الإنسان للإنسان، 20% من سكان الأرض يملكون 80% من ثروات الأرض و80% من سكان الأرض يملكون 20% من ثروات الأرض! جوع افريقيا بتخمة أوروبا وأميركا! هناك جوعى لوجود متخمين، ناس ترمي القمح في البحر وناس لا تجد الرغيف، ناس ترمي الحليب في المجاري وأطفال رضّع لا يجدون الحليب! من هنا الاختلال! هذا الدين العظيم جاء يسد النقص ويرمم الخلل الموجود.

(تعليق شخصي: ولعل في ذكر المسغبة مناسبة لما ورد في أول السورة من إهلاك المال (أهلكت مالا لبدا) فلو صُرف هذا المال في أوجهه الشرعية لما حصلت المسغبة في بلد من البلدان ولو دفع المسلمون زكاة أموالهم وطبقوا مفهوم التكافل الاجتماعي الذي في الشرع الإسلامي لما وجد فقير في العالم! ولنا في ما حصل في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنهم كانوا يخرجون بأموال الزكاة فلا يجدوا فقيرا أو مسكينًا لأن عمر حقق منهج الله تعالى في حكمه وبين رعيته)

(أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾) وصل بالمسكنة إلى التراب، يجلس على التراب!

 

(ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴿١٨﴾) هذا محور السورة، الآخرة، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴿١٩﴾ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴿٢٠﴾) نسأل الله السلامة ونسأله أن يجعلنا وإياكم من أصحاب الميمنة الذين تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل