آية الذِكر وكيفيته في القرآن - د. محمد الخضيري

آية الذِكر وكيفيته في القرآن 

من محاضرات دورة الإلمام بآيات الأحكام
د. محمد بن عبد العزيز الخضيري
تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ الأعراف)

هذه الآية هي آية الذكر في القرآن، أجمع آية في الذكر هي هذه الآية -فيما رأيت- لأن الله قد استوعب فيها ما ينبغي للإنسان حين الذكر فقال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) وهذا أمر يدل على وجوب الذكر، فالذكر في الجُملة واجب بغض النظر عن المواطن والتفاصيل. قال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) يعني خالصًا وخفيًا وكلما كان الذكر خفيًا كان أقرب إلى الله عز وجل، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر قال: اِربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّا ولا غائبا إنما تدعون سميعًا قريبًا هو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. فالأولى بالذاكر أن يُسرّ بالذكر أو يجعل الذكر خالصًا خفيًا.

قال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) قوله (في نفسك) تدل على معنى آخر وهو أن يكون الذكر نابعًا من النفس ومن الداخل وليس بمجرد اللسان لأن قوله (اذكر) دالة على اللسان و(في نفسك) دالة على انطلاق هذا الذكر من الداخل.

قال (تَضَرُّعًا وَخِيفَةً) هذه كيفية الذكر على وجه التضرع أي على وجه الإلحاح، مأخوذ من مسّ الضَرْع، الإنسان الذي يستخرج الحليب من الضَرْع يضغط ثم يضغط مرارًا وتكرارًا وكذلك الذاكر والداعي يكرر الذكر والدعاء مرارًا وتكرارًا حتى يُفتح له. على وجه التضرع أي على وجه الإلحاح والصدق والإقبال التام على ما يدعو إليه. 

(وَخِيفَةً) أي على وجهٍ يكون الإنسان فيه خائفًا، يقف بين يدي الله عز وجل بالتذلل، فكلما تذللت لله عز وجل وأنت تدعوه أو تذكره كان ذلك أدعى لإجابتك.

قال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) هذا في صفة النُطق، وأنت تنطق بالذكر يكون ذلك دون الجهر من القول يعني ليس بصوت مرفوع (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿١١٠﴾ الإسراء) لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل هل نفعل هذا أو نفعل هذا؟ نجهر أو نٌسرّ؟ فأنزل الله تعالى (َولَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)

قال (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ) ذكر أوقات الذكر الفاضِلة وهي الغدوّ وهو أول النهار والآصال وهو آخر النهار وصرّح بها في مواطن أخرى قال (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) ق) فهما أفضل أوقات الذكر. ولذلك إذا قلت أذكار الصباح والمساء متى نقولها؟ أو ما أفضل أوقاتها؟ قلنا: قبل طلوع الشمس وقبل الغروب أو بالغدو والآصال. 
قال (وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) هذا نهيٌ يؤكد الأمر لأنه قال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) ثم قال (وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) للدلالة على أن من لم يذكر صار من الغافلين، فهو نهيٌ عن ضدّ ما أمر به ليؤكد ذلك المأمور به وأن من ترك الذكر فهو من الغافلين، نعوذ بالله من أحوال أولئك الغافلين!.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل