معنى العبادة في الآية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ الذاريات)

معنى العبادة في الآية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ الذاريات)

من كتاب مجالس القرآن – د. فريد الأنصاري

معنى العبادة: الخضوع والانقياد الطوعي لله بالدخول تحت رٍبقة الإيمان قولًا وعملًا واعتقادًا وسلوكًا، وهي مراتب:

1.      أولاهنّ: توحيد الله وإخلاص الدين له.

2.      الثانية: الدخول تحت تكاليف الشريعة من العبادات المحضة، وسائر أحكام الحلال والحرام. ويعتبر التخلق بأمهات الفضائل من أركان الإسلام الخمسة، والتخلي عن أمهات الرذائل من المحرمات الكبرى، وكبائر الذنوب، هو مدا العبادات العملية في الإسلام.

3.      وأما المرتبة الثالثة للعبادة فهي السعي إلى عمران الأرض، وإصلاح المعاش، وتطوير الزراعات والصناعات والتجارات، وتسخير الطاقات المبثوثة في الأرض ومحيطها الكوني بما يحقق ضمان المرتبتين الأولى والثانية.

كل ذلك مشمول بمعنى العبادة، إذا ضبط بهذا الترتيب المقاصدي فتكون الدنيا خادمة للآخرة، وتكون حركة الإنسان بهذا الميزان كلها عبادة لله رب العالمين، لا يشذّ منها شيء البتّة، حتى نومه واسترواحه، وبذلك يفهم الحصر الجامع المانع من قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾)

 

ويتأكد هذا المعنى بما جاء بعده من بيان إلهي، يرسخ حصر غاية خلق الجن والإنس في قصد العبادة دون سواه، قال تعالى (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾). وما من سيد في الأرض يستخدم العبيد أو يستعمل الخدم والعمال، لا يفعل ذلك في جميع الأحوال، إلا لجلب منافعه الخاصة، وخدمة مصالحه الشخصية. لكن رب العباد جلّ وعلا هو الغني بذاته عن خلقه. فهو إذ خلقهم لعبادته، فإنما ليستفيدوا هم نَفْعَها في حياتهم الدنيا والآخرة. فهو لا يستجلب رزقًا كما يفعله أرباب الأرض، سبحانه، ولا يرجو منهم إطعامًا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. بل هو الرزّاق، هكذا بصيغة المبالغة (الفعّال)، وبهذا الاستغراق الشامل المفيد للحصر، بمعنى أنه لا رازق لأحد سواه. إنه وحده الرزاق لغيره، من جميع المخلوقات في البر والبحر، المتكفّل بإطعامهم ما قدّر لهم من أقوات كل يوم. وهو سبحانه قوي على ذلك، قدير عليه، متمكن منه بسلطانه العظيم، فهو (ذو القوة) أي مالك القوة وصاحبها المهيمن عليها. ثم هو (المتين) أي الشديد، الذي لا يغلبه شيء ولا يقهره أحد، بل هو القاهر فوق عباده، يعطي ويمنع، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. وكل الخلق خاضعون طوعًا أو كرهًا لإرادته وسلطانه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل