سلسلة مبادئ فهم القرآن - د. عصام العويد - 6

سلسلة مبادئ فهم القرآن (6):

تكملة المرحلة الثانية: الأصل في خطاب القرآن: أنه موجه إلى القلب

الأمر الثالث مما بين أن القلب هو المخاطب بالقرآن: أن أعظم أثر للقرآن إنما هو في القلب:

فأعظم ما يحدثه الإقبال على القرآن هو حياة القلب وصلاحه، وأعظم داء يصاب به المعرض عن القرآن هو موت القلب وقسوته!

ولذا قُصرت الذكرى على من كان له قلب أو اجتهد في إحضار قلبه مع القرآن، كما قال تعالى:

{إِنَّ فيِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:37].

وقد نبّه سبحانه وتعالى على عظم أثر الإعراض عن القرآن وأن ذلك يَحرم القلبَ من أنوار الوحي،

فقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]

وقال الإمام عبد الأعلى التميمي في قوله تعالى:

{قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذاَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَان سُجَّداً} [الإسراء:107].

قال: إن من أوتي من العلم ما لا يبكيه لَخليقٌ أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه لأن الله نعت أهل العلم فقال: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً}.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إن هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره".

واشتهر عن السلف قولهم: "إنما العلم الخشية".

وقال الحسن في قوله تعالى:{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فيِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ} [العنكبوت:49].

قال: "{بل هو آيات بينات} هو القرآن، {في صدور الذين أوتوا العلم} يعني المؤمنين".

قال ابن كثير رحمه الله :"لأنه محفوظ في الصدور ميسّر على الألسنة مهيمن على القلوب معجز لفظاً ومعنىً" [تفسير ابن كثير: 3/418].

وفي مرسل الحسن رضي الله عنه قال:

"العلم علمان: (1) علم في القلب فذاك العلم النافعـ (2) وعلم على اللسان فتلك حجة الله على خلقه".

فليس العلم ولا الإيمان عندهم بكثرة القراءة، بل بخشوع القلب وخشيته.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التقوى ها هنا" وأشار إلى صدره ثلاث مرات".

والنصوص في الباب كثيرة، لكني أذكر بعض البيان العملي للرسول صلى الله عليه وسلم ثم بعض أتباعه –رضي الله عنهم-.

ففي السنن عن عبد الله بن الشخِّير رضي الله عنه قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا وفي صدره أزيز كأزيز المِرْجَلِ من البكاء" [صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: إسناده قوي].

وثبت عند أحمد والنسائي والحاكم وصححاه وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه ابن القيم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه رضي الله عنه قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله تعالى:{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118].

وفي الدرّ المنثور عند تفسير قوله تعالى: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ} الآية [الأعراف:50] أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه شرب ماءً بارداً فبكى فاشتد بكاؤه فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "ذكرت آية في كتاب الله {وحِيلَ بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ:54] فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد وقد قال الله عزّ وجلّ: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} الآية. [تفسير الدر المنثور 2/239].

وفي صفة الصفوة عن سعد بن زنبور رحمه الله تعالى قال: كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنّا عليه فلم يؤذن لنا، فقيل لنا: إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن، قال: وكان معنا رجا مؤذن –وكان صيّتاً- فقلنا له: اقرأ {ألهاكم التكاثر} ورفع بها صوته، فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بَلَّ لحيته بالدموع، وأنشأ يقول:

بلغتُ الثمانـين أو جزتُها *** فماذا أؤمل أو أنتظر ؟!

أتى لِي ثَمانون من مولدي *** وبعد الثمانين ما ينتَظر

علتني السنون فأبلينـنـي *** ....................

قال : ثم خنقته العَبرة، وكان معنا علي بن خشرَم فأتمه لنا فقال:

عَلتني السنون فأبلينني *** فرقّت عظامي وكَلَّ البصر

[راجع كتاب صفة الصفوة؛ 2/239]

الأمر الرابع: المقصود الأعظم من القرآن هو تدبر القلب له ؛

قال الإمام السيوطي في "الإتقان": "وتُسَنّ القراءة بالتدبّر والتفهم، فهو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب.

وقد أبان الله سبحانه وتعالى عن الحكمة من تنزيل هذا الكتاب فقال:

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ} [ص:29]

واللام في قوله {ليدبروا} هي لام العلة فهو لن يكون مباركاً مباركة تامة إلا بالتدبر. وقال تعالى:{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]

فإما التدبر أو الأقفال – وليس قفلاً واحداً- على القلب!

هما طريقان ما للمرء غيرهما *** فانظر لنفسك ماذا أنت تختار

ولذا ذم النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ بعض الآيات ولو يتفكر بقلبه، فثبت عند ابن حبان في صحيحه وغيره عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أنزلت علي الليلة آيات؛ ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها:

{إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} الآيات من آخر سورة آل عمران.

ولعلنا لا نحصي كم سمعنا وقرأنا هذه الآيات، لكن لو تأملنا مليّاً قوله صلى الله عليه وسلم: "ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها" لتغيّر الحال، والله المستعان.

وهذا ريحانة القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنُ مسعود رضي الله عنه يقول عن القرآن: "قفوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب! ولا يكن هم أحدكم آخر السورة".

وأختم بمحكم من القول للإمام محمد بن الحسين الآجري رحمه الله يقول فيه:"والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحب إلي من كثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، فظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة وأقوال أئمة المسلمين.

ولذا في مثل هذه المواطن استوقف النفس وحاسبها، وانظر في حال السلف مع القرآن، ثم في حالها هي مع القرآن، قِسْ هذا إلى ذاك وقارِنْ بين الحالين، ثم اختر لنفسك، وفّقك الله لصلاح قلبك.

فيا أخا القرآن؛ إذا أردت أن تفتح صفحات هذا القرآن المجيد؛ فقبل هذا تفقّدْ قلبَك هل فتحت صفحاته أيضاً؟ أم على قلوب أقفالها؟

 

وفقّك الله لهداه !



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل