لمسات بيانية - حروف المعاني - حرف الباء

لمسات بيانية مع الدكتور أحمد حسن فرحات أستاذ التفسير وعلوم القرآن

الحلقة 1 - حروف المعاني – حرف الباء

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

المقدم: اللغة كما يقول إبن جنّي في كتابه الخصائص مجموعة من الأصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم، هذا الوصف ينطبق على اللغة العربية وإذا قرأنا أقوال المستشرقين والذين عملوا بالدرس اللغوي سواء في العربية أو اللغات الأجنبية الأخرى نلحظ عندهم أن اللغة ظاهرة اعتباطية أو ظاهرة عشوائية هل اللغة توقيفية أو اصطلاحية؟ وهل هناك دالّ ومدلول؟ مباني ومعاني؟ معاً نرحب بضيفنا الكريم معالي الدكتور أحمد حسن فرحات أستاذ التفسير وعلوم القرآن. باعتبارك أستاذاً للتفسير وعلوم القرآن هل مقولة إبن جنّي صحيحة؟

د. فرحات: طبعاً هي بشكل عام نستطيع أن نقول إنها صحيحة، لكن لما نأتي إلى اللغة العربية الذي يترجح عندنا وعند كثير من العلماء أن اللغة العربية يمكن أن تكون هي أصل اللغات جميعاً هي قضية خلافية لكن نحن نرجح هذا لأننا نرى فيها نفحة إلهية ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى لرسالته القرآن الكريم أن تكون بهذه اللغة العربية والتي نكتشف في كل يوم سراً من أسرارها يدل على بلاغتها وإعجازها ومن ثم اختارها الله لتكون لغة كتابه

المقدم: إذن هذا الاختيار له ملابساته وله معطياته أيضاً

د. فرحات:(اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (124) الأنعام)

المقدم: إذن لنا أن نفتخر بهذا

د. فرحات: لا شك في هذا

المقدم: ولا أي لغة على وجه الأرض تستطيع أن تحمل رسالة القرآن؟

د. فرحات:لا تستطيع ولهذا لا يمكن ترجمة القرآن الكريم ترجمة نصية حقيقية إلى أي لغة من اللغات وإنما تترجم بعض المعاني

المقدم:لِمَ هذا إن كانت اللغة عبارة عن مجموعة مباني ومجموعة معاني إذن اللغة مبنى ومعنى وكل اللغات مباني ومعاني؟

د. فرحات:اللغة العربية لها خصائص تميزها عن جميع اللغات من هذه الخصائص مثلاً أن الكلمة في القرآن الكريم ليست محدودة المعنى وإنما كلما قرأ القرآن النص القرآني كلما اكتشف فيه معنى جديداً ولهذا لا نستطيع أن نترجم القرآن ترجمة حرفية كاملة لأنه في كل قراءة معنى جديد والقرآن ما زال يفسر خلال أربعة عشر قرناً وفي كل جيل تظهر هناك معاني جديدة وأسرار جديدة وهذا يدل على أن القرآن غير ممكن ترجمته ترجمة كاملة

المقدم:في الكلمات التي لها هذه المعاني تتغير المعاني بتغير المباني أو كما يقال تغير المبنى يؤدي إلى تغير المعنى بأي نسية تصدق هذه المقولة في اللغة العربية؟

د. فرحات:تصدق مائة في المائة إذا تغيرت الكلمة تغير المعنى بل كلما تغير الحرف يتغير المعنى بل إذا تغيرت الحركة يتغير المعنى. لو أخذنا كلمة البِر- البَر- البُر هذه حروف واحدة ولكن الحركات اختلفت فالبِر هو التوسع في فعل الخير الإحسان، البُر هو القمح الذي يتوسع الناس في استعماله والبَر هو الفضاء الواسع لكن يبقى هناك جذر مشترك في المعنى وهو السعة فالسعة هي الجذر المشترك لهذه المعاني ولذلك نقول البِر التوسع في فعل الخير

المقدم: يأتي هذا التوسع سواء كانت توسعاً مادياً أو معنوياً

د. فرحات:لما نقول الله بَرّ أي واسع العطاء ونقول الإنسان بَر بربه يعني واسع الطاعة له، بر الوالدين التوسع في طاعتهما. إذن تبقى كلمة السعة هي الجذر المشترك الذي يجمع بين هذه المعاني التي تغيرت بتغير الحركة فقط.

المقدم: وفي القرآن جَنة وجِنة وجُنة كله يتغير بتغير الحركة وكلها فيها معنى الاستتار

د. فرحات:عندنا جَنة وجِنة والجنون والجنين والجِنّ كلها فيها معنى الغيبوبة والاستتار (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ (76) الأنعام) ستره الليل، الجنون لأنه يستر العقل والجنين لأنه مستور في بطن أمه، الجِن لأنه مستور لا يرى والجِنان القلب لأنه لا يُرى

المقدم:إذن تغير الحركة يؤدي إلى تغير المعنى. في العربية كما تعلمنا هنالك اسم وفعل وحرف إذا تغيرت بعض الحروف يؤدي إلى تغير الدلالة؟ مثل ماذا؟

د. فرحات:لا شك في ذلك. أساليب القرآن أساليب كثيرة جداً ومتعددة من هذه الأساليب ما نسميه حروف المعاني وحروف المعاني هي حروف الجر (من، إلى، على، مع، رب، إلخ.) وسميت حروف المعاني تمييزاً لها عن حروف المباني التي منها تُبنى الكلمة والتي هي الألف باء (أبجد هوز) هذه نسميها حروف المباني أما الحروف التي تصل بين الكلمات نسميها حروف الجر أو حروف المعاني لأن الجملة معناها مرتبط بهذه المعاني فإذا أخطأنا في معنى الحرف قد نخطئ في معنى الجملة وقد نخطئ في معنى الآية وقد يترتب على ذلك أخطاء كثيرة.

المقدم:بعض الفقهاء ونحن نقرأ في كتب التفسير نقرأ أن هذا الحرف مكان هذا أو هذا الحرف جاء نيابة عن هذا أو الفعل فيه معنى التضمين، هل يمكن أن تستعرض لنا آراء النحويين من كوفيين وبصريين في حروف المعنى؟ وأريد أمثلة من القرآن الكريم

د. فرحات:البصريون يقولون الأصل في حروف المعاني أن تبقى على ما هي عليه ولا ينبغي أن يأتي حرف بمعنى حرف آخر. والكوفيون يقولون ممكن للحرف أن ينوب عن حرف آخر في المعنى.

المقدم: تضمين مثلاً؟

د. فرحات:لا، التضمين يقول به البصريون، ماذا تصنعون أيها البصريون؟ قالوا نقول بالتضمين؟ ما هو التضمين؟ قالوا نضمن الفعل معنى فعل آخر ثم نعدّيه تعديته

المقدم: في قوله تبارك وتعالى (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ (77) الأنبياء) هم قالوا بمعنى نجّيناه هل صحيح هذا القول؟

د. فرحات:هذا كلام قاله البصريون قالوا نضمِّن فعل نصر معنى فعل نجّى والقول بالتضمين عند البصريين أو القول بالنيابة عند الكوفيين هذا أمر مقبول في اللغة العربية وسار عليه علماء العربية خلال العصور لكن لما نأتي إلى القرآن القرآن له خصوصية صحيح أنه نزل بلسان عربي مبين ولكن هذا القرآن هو كتاب رب العالمين وكتاب رب العالمين له خصوصية ومن ثمّ فالقرآن يقعّد به ولا يقعّد عليه

المقدم:الآية (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) الأنبياء)

د. فرحات:هم قالوا نجيناه من القوم. التنجية متى تكون؟ لما يكون القوم في حالة انتصار ويمكن أن يشكل هذا خطراً عليه نقول نجيناه لكن هنا أنفسهم أغرقوا والكلام على سيدنا نوح فكيف هو ينجى منهم وهم في حالة غرق؟ هم في حالة هلاك وعدم انتصار. لكن الكوفيون يقولون نصرناه من القوم بمعنى على القوم لكنه لم يخض معركة مع الكافرين حتى ينتصر عليهم لأن (على) فيها معنى العلو الاستعلاء والغلبة وهنا لم يحصل معركة أصلاً بل إن سيدنا نوح قال (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) القمر) أنا مغلوب فانتصر أنت

المقدم: إذن أنت لا تقر هؤلاء ولا هؤلاء

د. فرحات:أنا اقرهم في اللغة العربية بشكل عام لكن في آي القرآن أعتقد أن هناك معاني خفية لكن لو تدبرنا هذا النص لأنه جاء على خلاف الظاهر لأنه لو كان المعنى كما قال الكوفيون ونصرناه على القوم فلماذا جاءت نصرناه من ولم تأت نصرناه على؟

المقدم: ولم يقل نجيناه بدل نصرناه

د. فرحات:إذن هناك خصوصية هناك أسرار خفية علينا أن نتدبرها

المقدم: هذا التركيب مقصود لذاته (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)؟

د. فرحات:طبعاً. ننظر في الآيات (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) بعضها معدى بـ (من) وبعضها معدّى بـ (على) لماذا؟ لما نجد أن الذي عدي بـ (من) هو عبارة عن نصر من الله بدون تدخل المؤمنين يعني لا يحصل معركة بين المؤمنين والمشركين حتى يتغلب بعضهم على بعض.

المقدم: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ (14) التوبة) كيف نفهم الباء هنا؟

د. فرحات:العذاب من الله لكن عن طريق المؤمنين إذن هنا حصلت معركة قال (وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) جاء هنا بـ (على) التي تفيد الاستعلاء والغلبة إذن لما يكون هناك معركة بين المسلمين والمشركين وينتصر فيها المسلمون يقال (على) لأن هناك غلبة وهناك علو من جانب المسلمين على المشركين لكن إذا كان النصر من الله دون تدخل المؤمنين يقول (من) (فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا (29) غافر) البأس يأتي من الله هنا ولا يأتي من قبل الناس.

المقدم: (وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ (30) هود) (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ (63) هود)

د. فرحات:لما يقول (من) يعني النصر من الله مباشرة دون تدخل المؤمنين

المقدم:والآية (وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران)

د. فرحات:هنا حرب معركة ثبت أقدامنا في المعركة وانصرنا على القوم الكافرين (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). ولذلك في آية أخرى قال (وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ (4) محمد) بنفسه مباشرة (وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) سيكون هناك قتال، لو أراد الله أن يعذبهم من قبله مباشرة لفعل ولكن أراد أن يكون عذابهم عن طريق المؤمنين وعن طريق الحرب.

المقدم:في سورة العنكبوت قال (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30))

د. فرحات:هذا دعاء ينصره عليهم

المقدم:إذا جاء الحرف (من) مع النصر يكون من الله بدون تدخل من المؤمنين وإذ جاءت (على) يكون عن طريق المؤمنين ويكون هناك تدخل من الله تعالى (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى (7) الأنفال). في قوله تعالى (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) القمر)

د. فرحات:دعا سيدنا نوح ربه (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) قال فانتصر أنت فكيف انتصر؟

المقدم:ما الذي حدث؟ وما اللمسة البيانية في الآية؟

د. فرحات:النص القرآني (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)) ما قال عيون الأرض وإنما الأرض كلها صارت عيوناً (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) ماء السماء وماء الأرض التقى على أمر قد قدر وهو إلهلاك قوم نوح.

المقدم: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13))

د. فرحات:ما معنى ذات ألواح ودسر؟ يعني ذات ألواح خشبية ومرة ذات مسامير. مرة قال سفينة ومرة قال فلك وهنا قال ذات ألواح ودسر هذه فيها إشارة إلى معجزة سيدنا نوح، هل صنع السفينة؟ لا، بدليل أن هذه سفينة بدائية لذا يهون من شأنها أن فيها بضعة مسامير وخشب ليس أكثر! لكن العظمة أن هذه السفينة التي هوّن الله من شأنها تثبت في هذا الطوفان الهائل الذي فيه الموج كالجبال (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (42) هود) في مثل هذا الجو العاصف مثل تسونامي الآن وأقوى، كيف تصمد هذه السفينة؟! (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء) هنا المعجزة ليست المعجزة في صنع السفينة وإنما المعجزة في صمود هذه السفينة البدائية أمام هذه الأمواج المتلاطمة وأمام هذا الطوفان العاتي الذي لا يقف في وجهه أحد. (جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ) جزاء لنوح الذي كفره قومه ولم يؤمنوا بما جاء به. كيف انتهى هذا المشهد؟ هذا السؤال الذي يرد بعد ذلك

المقدم: السفينة كانت مغلقة أم مكشوفة؟

د. فرحات:ما أدري، ما سكت عنه القرآن نسكت عنه، يكفي قوله تبارك وتعالى (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا). هذا المشهد الهائل كيف انتهى؟ الإعجاز هنا في الإيجاز متمثلاً في قوله تعالى فيما بعد (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) هود) انظر كيف انتهى هذا المشهد بكلمات وكيف بدأ أيضاً بكلمات! هذا لو أردنا أن نعبر عنه بطريقتنا العادية لاحتجنا لصفحات وصفحات لكن انظر إلى الإعجاز في الإيجاز هنا وفي هذه القوة في التعبير والعرض.

المقدم: إذن تغير حروف المعاني يؤدي إلى تغير الدلالات لكن مع سيدنا نوح ما جاء بحرف من حروف المعاني (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) القمر)

د. فرحات:هي في الأصل (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا (77) الأنبياء) هذا حرف المعاني (من)، لكن هنا نصرناه من القوم بمعنى أن النصر كان من الله مباشرة ولذلك لا نحتاج أن نقول أن (من) بمعنى (على)

المقدم:كل التفاسير تقول هذا هنا تضمين وهنا (من) بمعنى كذا، هل يتعاور حروف المعاني بعضها مع بعض؟

د. فرحات:هذا مذهب الكوفيين. هذا الكلام مقبول في اللغة العربية أما بالنسبة للقرآن أعتقد أن هنالك خصوصيات في المعاني القرآنية ولذلك يجب أن نقرأ ونتأمل سنتدبر وسنكتشف أشياء جديدة لم تذكر فيما سبق

المقدم:حروف المعاني في القرآن الكريم هل هي قوالب ثابتة نصت عليها من خلال قواعد اللغة العربية أم هي اجتهاد؟

د. فرحات:هي الأصل معظمها كما ذكر علماء العربية لكن لما يأتي معنى على خلاف الظاهر على خلاف المتبادر هنا تكون الوقفة لِماذا جاء هذا الحرف بمعنى حرف آخر كما يقول الكوفيون؟ ولماذا نقول فيه بالتضمين؟ لما نتأمل في هذه الأمور سنكتشف هناك أسرار جديدة لم تذكر في الكتب

المقدم: هل يتعاور بعض حروف المعاني مكان بعضه البعض في آي القرآن الكريم وفي اللغة عموماً؟

د. فرحات:هذا ما يقوله العلماء الكوفيون

المقدم:هل حرف المعنى يكون له أكثر من دلالة؟

د. فرحات:الحرف في الأصل قد يأتي بمعاني متعددة مثل حرف الباء قد يأتي بمعاني متعددة

المقدم:باعتبارك فتحت حرف الباء هناك آية كثيراً ما نُسأل فيها في قوله تبارك وتعالى يأمر المؤمنين إذا قاموا إلى الصلاة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ (6) المائدة) ما دلالة الباء هنا؟ هل هي للتبعيض أم لماذا؟

د. فرحات:اختلف فيها الفقهاء الشافعية قالوا للتبعيض والمعنى امسحوا برؤوسكم أي بعض رؤوسكم فلو مسح ثلاث شعرات فأكثر يكون قد حقق المطلوب، المالكية قالوا الباء زائدة تفيد التوكيد،

المقدم: هل يجوز أن نقول في القرآن شيء زائد؟

د. فرحات:زائد هنا بمعنى تفيد التوكيد وليس زائدة ليس لها لزوم وإنما كمصطلح نحوي والمقصود عندهم وامسحوا رؤوسكم كلها فقالوا يجب مسح كل الرأس. الأحناف قالوا الباء على أصل معناها وهو الإلصاق المقصود ألصقوا أيديكم برؤوسكم فإذا ألصقنا اليد بالرأس تأخذ ربع الرأس فقالوا يجب مسح ربع الرأس. لكن ابن تيمية له رأي آخر يقول الباء هنا دخلت لتفيد أن هناك شيئاً يُمسح به، لو قال امسحوا رؤوسكم لو وضع الإنسان يده على رأسه يكون مسح رأسه بدون ماء لكن لما قال (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) معناها امسحوا الماء برؤوسكم ولذلك في التيمم قال (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ (6) المائدة) (منه) يقصد من الصعيد فهو يقيس هذه الآية على تلك فيقول لو لم تأت الباء لكان مجرد وضع اليد على الرأس يفيد المسح.

المقدم:مع أنه لم يذكر الماء أصلاً (فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ)

د. فرحات:قال (فاغْسِلُواْ) تفيد أن الغسل بالماء.

المقدم:لكن امسحوا برؤوسكم لا تفيد هذا المعنى. حضرتك تميل إلى أي من هذه الآراء؟

د. فرحات:أرى أن رأي ابن تيمية فيه الصواب.

===========فاصل=========

المقدم: في قوله تبارك وتعالى (سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ (24) الرعد) ما معنى الباء هنا؟

د. فرحات:هنا قد تفيد معنيين المعنى الأول السببية والمعنى سلام عليكم بسبب صبركم والمعنى الآخر معنى البدلية يعني سلام عليكم بدل صبركم كأن السلام عوض عنه.

المقدم: لماذا لم يقل سلام عليكم بسبب صبركم؟ أو جزاء صبركم؟

د. فرحات:لو قال بسبب صبركم يصير هناك تطويل في الكلام واللغة العربية مبنية على الإيجاز والقرآن هو إيجاز الإيجاز وإيجاز الإيجاز هو الإعجاز. لماذا الإيجاز في اللغة العربية؟ لأن العرب كانوا قوماً أذكياء يفهمون بالإشارة، رحم الله من كان يفهم بالإشارة!.

المقدم: الكلام الكثير ليس علامة بلاغة وفصاحة في اللغة؟

د. فرحات:لا، لما يكثر الكلام إما أنه أحمق لا يحسن الكلام وإما أنه يحمق السامع ويعتقد أن السامع لا يفهم ولذلك العرب كانوا يكرهون الإطالة فالإيجاز هو البلاغة والقرآن هو إيجاز الإيجاز حتى يترك مكاناً للعقل حتى يفكر ويتدبر ويضع جسراً بين المعاني والكلمات يصل هذا بهذا وبدون هذا لا يكون للخيال معنى ولذلك أسلوب الحذف في القرآن من الأساليب العريية البلاغية. وأكثر من ذلك القرآن كثير الحذف لأنه في الكلام المذكور دلالة على الكلام المحذوف فإذا كان في الكلام المذكور دلالة على المحذوف فيكون التكرار وذكر هذا الكلام لا معنى له وتطويل ليس له فائدة..

المقدم: لا ينفع أن نحذف كلمة كما يقول بعضهم وهذه أسئلة يرددها أعداء الإسلام وأعداء الأمة يقولون نحذف هذه وهذه كررت

د. فرحات:كل كلمة في القرآن جاءت لدلالة.

المقدم: لماذا نلحظ في الآية الواحدة وما ألفه العقل من دلالات لغوية مثل قوله تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) الإنسان) لم قال من وبها ولم يقل منها؟

د. فرحات:قال (يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ) لأن الشرب يكون عن طريق الكأس بواسطة الكأس. ثم قال (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) الكوفيون قالوا على أصل مذهبهم الباء بمعنى (من) يشرب بها يعني يشرب منها. البصريون على مذهبهم قالوا يضمن معنى فعل يرتوي وفعل يرتوي يتعدى بالباء أما الفعل يشرب فلا يتعدى بالباء فحتى يتعدى بالباء يجب أن يكون بمعنى يرتوي ولذلك قالوا نضمن فعل يشرب معنى فعل يرتوي فيصير المعنى يرتوي بها عباد الله. لكن هذا الكلام نحن نقبله في العربية بشكل عام كلغة لكن القرآن له خصوصية لو لاحظنا سياق الكلام يساعدنا على اكتشاف هذه الخصوصية هنا. سياق الكلام (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) إذن تمزج بالكافور، هل يشترى من الجنة؟ لا، إذن الكافور عيناً، عيناً بدل من الكافور هكذا إعرابها. الكافور هو عين. (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) كيف يشرب بها؟ يعني يشربون الكأس ممزوجة بها ملاصقة فالباء تفيد المزج كما تقول شربت الشاي بالحليب يعني ممزوجاً به. فإذن الكأس من الخمر في الجنة تمزج بالكافور ولكن من الذي يمزج؟ ومن الذي يفجر العين؟ الأبرار (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) ما فائدة هذه المعاني؟ إذا كانوا هم الذين يفجرون وهم يقومون بعملية المزج فهذه متعة التفجير والمزج تضاف إلى متعة الشرب فصار هناك ثلاث متع متداخلة في الآية. أنت لما تذهب البستان تحب أن تقطف بيدك مباشرة ولذلك الجنة قطوفها دانية قريبة التناول ليست مقطوفة حتى تستمتع بالقطاف أيضاً. إذن هناك متعة القطاف وهناك متعة الأكل ومتعة النظر ولذلك قال تعالى في آية (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ (99) الأنعام) وفي آية أخرى (كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر (141) الأنعام) إذن هناك متعة النظر ومتعة الأكل ومتعة القطاف فهناك أنواع من المتع تضيع لو قلنا بالتضمين.

المقدم: تلفت نظرنا إلى نقطة في غاية الأهمية ليست هنالك حاجة بنا بأن نضمن ما جاء بالقرآن ما جاء مصرحاً به من ألفاظ وحروف معاني

د. فرحات:إذا تأملنا في الحروف التي تبدو أنها على خلاف الظاهر سنجد هذه الدقائق التي أشرنا إليها لكن في بعض الأحيان لا يكون هناك على خلاف الظاهر تأتي الحروف على ما هي عليه بنفس المعاني التي وردت عليها ففي هذه الحالة لا نحتاج إلى البحث عن هذه الأسرار

المقدم: آية أخرى (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ (45) الكهف) (به) هنا بمعنى ماذا؟

د. فرحات:هنا قد يتبادر للقارئ مباشرة أن الماء اختلط بالنبات أو النبات اختلط بالماء. النبات فاعل (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) لكن كيف يختلط الماء بالنبات وهو لم يخرج بعد؟. الباء هنا تفيد السببية (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) فاختلط بسبب نزول المطر اختلط نبات الأرض بعضه ببعض بعد أن طالت فروعه وتشابكت أغضانه

المقدم: المفهوم أو المتبادر للذهن أن الماء نازل من السماء فاختلط نبات الأرض بهذا الماء النازل من السماء.

د. فرحات:الباء هنا تفيد السببية بمعنى (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) يعني اختلط بسبب نزوله نبات الأرض بعضه ببعض بعد أن طالت فروعه وتشابكت أغصانه. الباء هنا تفيد السببية

المقدم: أينع فالتقى ببعضه البعض وليس اختلاط النبات بماء السماء.

د. فرحات:(فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) إذن هنا قد يأتي تساؤل ما معنى هذا التشبيه؟ وجه الشبه سرعة الزوال ولذلك هنا نلاحظ أن مرحلة الإزهار ومرحلة الإثمار طويت في النص وجاء مباشرة (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) طويت كل هذه الأشياء لبيان قِصَر الحياة الدنيا وأنها قصيرة وسريعة الزوال.

المقدم: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَوَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ (54) البقرة)

د. فرحات:الباء هنا تفيد السببية أيضاً يعني بسبب اتخاذكم العجل هذه ليس فيها إشكال.

المقدم: (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32) النحل)

د. فرحات:سببية أي ادخلوا الجنة بسبب ما كنتم تعملون. بعض العلماء قالوا الباء هنا بمعنى القيمة كأن الأعمال هي قيمة للجنة لكن في الحديث الآخر "لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" كيف نستطيع أن نوفق بين الآية والحديث؟ الآية تقول (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) والرسول يقول "لن يدخل أحد الجنة بعمله" الباء في الآية تفيد السببية إذن العمل الصالح سبب لدخول الجنة لكن ثواب الجنة أكبر من العمل الصالح فلو كان الثواب على قدر العمل لما دخلنا الجنة لأن ثواب الجنة أكبر من العمل الصالح فإذن الباء هنا في الحديث الشريف تفيد القيمة وليست السببية يعني لو أراد الله أن يحاسبنا على أعمالنا وأن يثيبنا عليها لا تستحق هذه الأعمال أن ندخل الجنة لأن ثواب الجنة لا يساويها فهو لا يساويها وهي لا تساويه

المقدم: وفي العذاب أيضا<

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل