تقديم الإبصار على السمع في آية سورة الكهف وآية سورة السجدة

تقديم الإبصار على السمع في آية سورة الكهف وآية سورة السجدة

برنامج لمسات بيانية - د. عبد العزيز القناوي صافي الجيل

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

 سؤال: في عموم القرآن يقدم تعالى السمع على البصر أما في قوله تعالى (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) الكهف) يقدِّم الإبصار على السمع وكذلك في قوله (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا (12) السجدة) يقدِّم الإبصار على السمع فلماذا مع أن السمع غالباً مقدم على البصر؟

د. القناوي: في الغالب القرآن يقدم السمع على البصر أسباب كثيرة منها أن السمع أهم من البصر في التبليغ والتكليف فالذي لا يسمع يصعب عليك أن تبلغه بمراد الله تعالى أما الأعمى فيمكن أن تبلغه وقد يكون حافظاً لكتاب الله وللأحكام وكم من العلماء وهم عميان لكنهم علماء أما بالنسبة للأصم يشق عليك إبلاغه إلا عن طريق الإشارة فيبقى السمع أهم من البصر. وحتى في العقاب يقدّم السمع (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ (7) البقرة) هذا لأهمية السمع.

والأمر الآخر مدى السمع أقل من مدى البصر عندما يخاطبك أحد يكون المدى قصير أما بالنسبة للرؤية فيكون على مدى بصرك فبإمكان البصر أن يمتد أكثر من السمع لكن حدود السمع ومداه أقل.

والأمر الآخر أن السمع ينشأ قبل البصر في الخلق والتكوين وحتى الولد الصغير بعد الولادة يسمع قبل أن يرى وأحياناً لو كان مفتوح العينين يخيل إليه أنه يرى لكن إذا قرّبت إصبعك من عينيه فلا يرمش لأنه يسمع ولا يرى.

لذلك كان يقدِّم القرآن السمع على البصر (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) الملك) فالسمع آلة مهمة جداً لتلقي الوحي (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) مرتبطة بالتكاليف الشرعية. بينما في سورة الكهف وسورة السجدة (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) الكهف) ما قال أسمع به وأبصر، وكذلك في سورة السجدة (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)). في سورة الكهف الكلام عن أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئلا يراهم أحد فالتركيز هنا على الاختفاء ولجأوا إلى الكهف حتى لا يراهم أحد فهم في ظلمة الكهف ويتحرون أن لا يراهم أحد وكذلك طلبوا من صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراه أحد فمسألة البصر هنا أهم من السمع فهم فروا من أهلهم حتى لا يراهم أحد ودخلوا في ظلمة الكهف حتى لا يراهم أحد وأوصوا صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراهم أحد فالتأكيد على البصر هنا ولذلك قال (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) هنا أهمية البصر في هذا السياق

(أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) هذه صيغة تعجب أبصر به بمعنى ما أبصره!، صيغة تعجب يعني أن تتعجب من شيء تراه من شيء فتعجب له فتعبر عن هذا الشعور الداخلي، فهناك في العربية صيغتان للتعبير عن هذه المشاعر وهذا الإعجاب وهذه الدهشة الصيغة الأولى ما أفعله! والصيغة الثانية أفعِل به. هنا أبصر به يعني ما أبصره!، نقول أكرِم به يعني ما أكرمه، أحسِن به يعني ما أحسنه، أجمِل به فلان بمعنى ما أجمل فلاناً. هنا (أَبْصِرْ بِهِ) تعجب يعني إن شئت أن تتعجب فتعجب من هذا البصير الذي يرعاهم ويحفظهم من هذه الأعين فهؤلاء اختفوا في هذا المكان وحاولوا أن يتواروا عن الأنظار والله سبحانه وتعالى مطلع على حالهم يراهم وينظر إليهم ويبصر حالهم ويحفظهم من رؤية الآخرين. إذن معوّل الكلام على البصر والتخفّي عن أعين الناس فقدّم البصر والسياق العام على البصر وعلى الرؤية فقدّم هنا البصر على السمع. وكما يقال البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال ومقتضى الحال هنا التركيز على البصر فتمّ تقديمه. كذلك الكلام في سورة السجدة الكلام كان على المجرمين الذين كانوا يسمعون عن القيامة وأهوالها ولا يبصرونها أما في الآخرة فقد أبصروا بأم أعينهم ما كانوا يسمعون عنه والآخرة هنا ميدان الرؤية وليس الخبر كالمعاينة

يا ابن الكرام ألا تأتي فتبصر ما       قد حدثوك فما راءٍ كمن سمعا

المعاينة أقوى دليل، هنا كانوا يسمعون عن النار وما فيها وعن القيامة وما فيها من أهوال والآن يرونها رأي العين لهذا قال (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا) الآن أدركنا، أنتم كنتم تبلغون بهذا وكنا نحدثكم عن الآخرة أهوالها وعذاباتها ولكنكم ما كنتم تصدقون.

هل نهون على ربنا فيعذبنا؟ ربنا سبحانه وتعالى يستحي من عبده أن يشيب شيبة في الإسلام، يستحي أن يعذبه والله تعالى رحيم بعباده نسأله أن يرحمنا لكن ينبغي للإنسان أن لا يأمن مكر الله وينبغي أن لا يتواكل وأن لا يسوف التوبة وأن لا يرجئ العودة إلى الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى مثلما أنه رؤوف رحيم فهو شديد العقاب والله سبحانه وتعالى شديد العقاب وصحيح أنه يستر علينا ويرحمنا ويتجاوز عن سيئاتنا ولو يؤاخذنا بما صنعنا ما ترك عليها من دابة لكن مع فضله ورحمته وحلمه وفضله وإحسانه لا ينبغي للإنسان أن يأمن (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) الرحمن). العذاب المذكور في القرآن شيء مخيف لا نتحمله قراءة ولا سمعاً ونحن نعلم أن ضرس الكافر يوم القيامة كجبل أُحد حتى جلده هذا كلما نضج هذا الجلد بُدِّل بجلد آخر (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ (56) النساء) إذن العذاب شيء فوق الاحتمال وفوق الطاقة وفوق ما يتصور الإنسان نسأل الله العافية. يكفي أن يرتكب الإنسان أكبر جرم وهو نكرانه لله سبحانه وتعالى هو خلقنا ويُعبد غيره كما في الحديث القدسي "إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي خيري إليهم نازل وشرّهم إليّ صاعد" نسأل الله العفو والعافية.



التعليقات

  1. lahlou Said علق :

    أحسن الله إليك ونعم التفسير البلاغي الذي يزيد من الجمال والتحسينات التيي تؤرقنا كثيرا.شكرا.

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل