القرآن..أنوار وهدايات - سورة ق - المقطع الثالث والرابع

سورة ق - هدايات المقطع الثالث والرابع

#تدبر_سورة_ق
#هدايات_المقطع_الثالث:(الآيات 16-18)
@صفحة_إسلاميات.
سورة ق سورة القوة والقدرة ومن دلائل هذه القوة والقدرة خلق الإنسان فذكر تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ) وذكر الخلق باستخدام ضمير العظمة (نا) للدلالة على عظيم قدرته سبحانه وتعالى. ثم جاء الحديث عن العلم في قوله (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) فكل هذه مرتبطة بقضية سعة علم الله سبحانه وتعالى وقدرته على إعادة الأجساد. وهذه الآية (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) تكفي لنعرف قدرة الله سبحانه وتعالى وواسع علمه وإحاطته فلا نعصيه في سر ولا نظلم أحداً. لو عرضنا أنفسنا على هذه الآية: ربنا أقرب إلينا من حبل الوريد وأقرب إلينا من كل الناس، أقرب إلينا بعلمه واطلاعه وإحاطته بخلقه وقدرته على الناس! أليس هذا رادعاً كافياً لكل إنسان فيرتدع إن كان عاصياً مذنباً؟! الله سبحانه وتعالى يعلم سرّك أيها الإنسان حتى قبل أن تفكّر فيه فأين تحاول أن تختبئ بذنوبك وسيئات أعمالك وأقوالك؟! ألم يئن لك أن تتوقف مع نفسك وتراقب الله تعالى في سرّك وعلانيتك وتوقن أنه أقرب إليك من حبل الوريد وبيده حياتك وموتك فإن لم تتب الآن اِخشَ على نفسك أن يقبض روحك وأنت على معصية! 

وتستمر الآيات واعظة منذرة لكل من لم يتفكر ولكل من لا يؤمن بالبعث ولا بقدرة الله تعالى (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾) الحديث عن اللسان لعل الواحد منا يراجع كلامه من ساعة ما يستيقظ إلى ساعة ينام: هل كل ما قاله مباحٌ؟ هل كله حلال؟ كم سُجّل علينا من كلام؟! فلنعرض أنفسنا على هذه الآية العظيمة ونستحضر عظمة الحساب على ما ذكرناه بألسنتنا ليس في يوم واحد وإنما طيلة أعمارنا من ساعة ما جرى علينا القلم! لننظر إلى عظيم سجلاتنا عند ربنا سبحانه وتعالى وما أحصاه علينا ونسيناه! كم اغتبنا؟! كم بهتنا؟! كم كذبنا؟! كم شهدنا زورا؟! كم قلنا فجورا؟! تخيّل نفسك في موقف الحساب وأنت بين يدي ربك وتؤتى كتابك وتتيقن أنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها عليك مكتوبة موثّقة لا مجال لانكارها، يوم تؤتى بالصحف فتُنشَر وفيها كل ما قلتَ بلسانك أحصيت عليك بالكلمة والحرف! حاسِب نفسك من الآن وضع نصب عينيك هذه الآية (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) قبل أن تتلفظ بكلمة اِعرضها على الآية واسأل نفسك هل ستُكتب لي أم عليّ؟ واختر لنفسك ما تريد أن يكون مدوّناً في صحيفتك يوم القيامة! وتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخذ بلسان معاذ فسأله معاذ: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا مُعاذٍ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم. (كنتُ معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سفر فأصبحت يومَا قريبا منه ونحن نسير فقُلْت يا رسولَ اللهِ أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه : تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجلُ من جوف الليل، قال: ثم تلا {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم – حتى بلغ – يعملون } ثم قال: ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ قُلْت: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله، قُلْت: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: فأخذ بلسانه، قال: كفّ عليك هذا. فقُلْت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا مُعاذٍ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم. الراوي: معاذ بن جبل المحدث: الترمذي - المصدر: سنن الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2616 - خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح)
 

------------------------

#تدبر_سورة_ق

#هدايات_المقطع_الثالث:(الآيات 16-18)

) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)

- قد خلق الإنسان من عدم وعدله في الصورة التي شاء سبحانه ، أفلا يكون عليما ببواطنه وسرائره وخائنة عينه وما تخفي الصدور؟ بلى وهو الخلاق العليم..
- قد نحسّن الظواهر ونحاول تلميع صورنا وارتداء الأقنعة و استعمال المساحيق ، فإن نجحنا في ذلك أمام الخلق ، فهل كنا لننجح أمام خالق النفس مسويها العليم بالسرائر وما تخفي الصدور؟

- لو أننا كنا نستشعر قرب ربنا منا ورقابته لنا واطلاعه على خافيتنا ، و اشتغال الملكين بتدوين صحائفنا لا يفوتهم مما تنبس به الشفتان حرف ، لما تجرأنا على معصيته، ولما تلبسنا بالذنب ولا غرقنا في لجج الهوان .. لكنه الضعف والغفلة والنسيان..

@وصال تقة

----------------------------

#تدبر_سورة_ق:

#هدايات_المقطع_الرابع :(الآيات 19-29) :

(وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (29)

1- (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) .. 
الموت .. لفظ مخيف ، وعنوان مزعج ، ونبأ مفزع ، وخبر مذهل .. لا يخلص منه مهرب ، ولا ينجى منه الفرار.. حقيقة يقينية كبرى لا يستطيع أحد إنكارها لأنها تقع أمام أعين الناس في كل وقت وحين.. إلا أن أكثر الناس يحاولون نسيانها أو التغافل عنها لأنها تذكرهم بالمسئولية والجزاء .. تذكرهم بأن الحياة الدنيا سراب زائل ووهم باطل .. 
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله : (ويلفت النظر في التعبير ذكر كلمة الحق: (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ).. وهي توحي بأن النفس البشرية ترى الحق كاملا وهي في سكرات الموت , تراه بلا حجاب , وتدرك منه ما كانت تجهل وما كانت تجحد , ولكن بعد فوات الأوان , حين لا تنفع رؤية , ولا يجدي إدراك , ولا تقبل توبة , ولا يحسب إيمان) .. 
فهل ندرك ذلك قبل فوات الأوان ؟!

2- (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ) 
كم حذرنا ربنا عزوجل من هذا اليوم العصيب وعرض لنا المشاهد والأحداث والصور التي تعبر عن شدائده وأهواله !! .. فمتى يستيقظ النائمين ؟ , متى يرعوي الظالمين والمجرمين ؟ , متي تعود النفوس إلى رب العالمين ؟!

3- (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) 
الآن زالت الغشاوة عن بصرك القلبي .. الآن عاينت الحقائق القرآنية التي طالما غفلت عنها واستهزأت بها .. أين حجب الشهوات والملذات ؟ .. واحسرتاه .. لقد منعت هذه الحجب والأغطية النفس من رؤية مشاهد القيامة وهي مازالت في حياتها الدنيا .. ولكن ما زالت الفرصة سانحة , وفي العمر بقية لاستدراك ما فات قبل الفوات .

4- (وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ) .. 
ويبقى العناد من أهم أسباب الضلال في الدنيا والخسران في الآخرة .. فهو يفضى إلى الكفر ويجعل المرء يتعامى عن رؤية حقائق واضحة بديهية , كما يدفعه إلى الظلم والإعتداء على حقوق الآخرين .. 

5- (قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) .. 
وتتوالى الشدائد والخطوب في هذا المشهد العظيم .. وتتعالى صيحات الندم والحسرات .. يتبرأ قرناء السوء- وعلى رأسهم إبليس اللعين- بعضهم من بعض ، ويقع بينهم الترامي بالتهم .. يا ليتهم تدبروا قول الله عزوجل :(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)(الزخرف 67) .. ياليتهم سمعوا قوله: (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ)(إبراهيم 22) .. يا ليتهم .. ويا ليتهم .. ولكن هيهات هيهات . 

6- (قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) .. 
وهل تنفع الحجج والأعذار في هذا اليوم الرهيب ؟ .. كلا .. (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ)(القيامة 14-15).. ويقف الجميع أمام الملك العادل .. يقف الجميع وقد انتظر المظلومون هذه اللحظة الفارقة ليقتص الملك لهم من الظالمين .. فويل للظالمين .. ثم ويل لهم .

دكتور هاني درغام

--------------------------




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل