الفرائد القرآنية - بلاغة لفظة (تبيد) في آية قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف

بلاغة لفظة (تبيد) في آية قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف

من كتاب بلاغة الفرائد في القرآن الكريم، المضارع نموذجًا – د. كمال عبد العزيز إبراهيم

 

ورد في قوله تعالى (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾) والسياق هو قصة الرجلين والجنتين الواردة في سورة الكهف يضربها الله تعالى مثلًا لنموذجين متقابلين من البشر تراهما دائمًا في دنيا الواقع ماثلين أمامنا كما صورهما القرآن:

·         الأول غنيٌ متبطر فرٍحٌ بجاهه، مغترٌ بماله، منطرٌ للبعث، ظالمٌ لنفسه إذ حرمها الإيمان

·         والثاني فقير متواضع مؤمن بربه معتمد عليه موقن بأن الأرزاق مقدّرة وأن الشكر على النعم سبيل دوامها وبقائها

وتحدث بينهما محاورة تكشف عن شخصية كل منهما (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿٣٤﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴿٣٩﴾ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠﴾ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴿٤١﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿٤٣﴾ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴿٤٤﴾)

وبالتأمل في الفعل (تبيد) نجد أنه واقع في أسلوب النفي (قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) والنفي واقع على مجرد الظن وهذا يدل على غرورٍ متناهٍ واطمئنان زائد إلى ديمومة نعيم الدنيا ويؤمد ذلك بلفظ (أبدا) الذي يوحي بطول الأبد. ولا يتوقف هذا الغرور عند حد الدنيا بل يتضخم ويتضخم إلى حد التشكيك في البعث (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) والتبجح على الله عز وجل بأنه حتى لو بُعث فسوف يجد في الآخرة جنة خيرًا من جنته في الدنيا (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) وذلك لتوهمه بأنه ما دام في الدنيا صاحب منزلة فإنه في الآخرة كذلك أو أفضل.

 

ولفظة (تبيد) في سياقه متفرد بأداء كل هذه المعاني السابقة إذ لا يغني غناءه فعلٌ آخر من مثل ما أظن أن (تفنى)، (تنتهي)، (تذبل أشجارها) لأن نفي الإبادة أعمّ واشمل مما سواه حيث إنها اقتلاع من الجذور ومحو تام من الوجود ولسبب ما سميت الصحراء المهلكة بالبيداء لأن من يجتازها يعرض نفسه لخطر الإبادة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل