القرآن..أنوار وهدايات - تدبر سورة الحجرات - 5- هدايات المقطع الرابع والخامس

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الرابع

#الآيات (10-12)

) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)

خواطر وتأملات :

- مضغة تعمل عمل ألف قنبلة ومليون مدفع .. قد حبسها الله بين الصدغين وجعل لأمر حركتها موازين و قواعد ولجاما كي لا تتفلت ، وتأبى إلا أن تتفلت و أن تُسقط في شرك الشيطان وحبائله .. ترفع صاحبها درجات ،أو تهوي به في جهنم..تجمع روحين وقلبين وتبني أعشاش السعادة ،أو تفسخ عقدا و تشتت شملا، وتجعل الأخلاء من بعد الوفاء أعداءً ..
مضغة ترفع أقواما ، أو تسقطهم و تذلهم 
..
نفثة منها ،منبعثة من روح طيبة ، تجعلك تحلق في سماوات النقاء والصفاء،
وأخت لها خبيثة من روح خبيثة تعكر صفوك دهرا ،وتجعل قلبك ينفطر لسم تنفثه في عروقك.. 
تتحرك يمنة ويسرة ، فإن لم يلجمها خطام التقوى ، سخرت واحتقرت واستصغرت من حولها وغمطتهم وبطرت الحق .. صاحبها لا يرى في الكون غير نفسه ،وكل من حوله ذرات متناثرة لا وزن لها ولا قيمة ، يطعن ويلمز ويتجسس ، و يمضي وقته في تصنيف الناس وتلقيبهم .. يرتع في حمى إخوانه ويأكل لحومهم كما يأكل الكلب الجيف،ويَلِغُ في محارم الله ، و يعلن الحرب الشعواء على أرواحهم فيظلم نفسه ويظلمهم ويعطل النصر بأخلاقه المشينة.. وبين حرب بالسلاح المادي على مستوى الجماعات ، وبين حرب لسانية ظاهرة معلنة على مستوى الأفراد، وأخرى متسترة بدثر الاستغفال والتخفي ودس السم في العسل، تضيع الأخوة الإيمانية والعلاقات الإنسانية ، ويقع المؤمن في شرك الشيطان .. ويتعطل النصر والاستخلاف والتمكين وسيادة الأمن الذي وعد الله من آمن وعمل الصالحات من عباده المؤمنين..

- و أنت تتخطفك المجريات من حولك ..
قف ، تريث ، تفقد قلبك ..والجم حرفك ولسانك
فأما الدين فقد تكفل الله بحمايته و إظهاره ونصره.. 
و أما قلبك الموكل بك ، ولسانك الذي سيوردك المهالك ويكبك على وجهك في النار ، فليس لك من دونك - بعد الله - من يتولاه 
وأنت في أوج حماستك ..احذر أن يلتبس عليك انتصارك لدينك بانتصارك لنفسك ..و إنه لخيط رفيع بينهما ....
واحذر –بسبب ضعفك وهوانك وانسياقك مع هوى لسانك – أن تكون السبب في تعطيل النصر وتأخير التمكين..

-لا تترك حميتك للدين تحول بينك وبين التقوى والائتمار بما أمر الله والانتهاء عما نهى .. نحن لم نؤمر أن نتعبد الله بالقذف والسب والشتم والغيبة والنميمة واللمز والطعن والتنابز بألقاب لم يسلم منها العلماء والخاصة فضلا عن عامة الناس.. حطم صنم هواك واكسر أوثان الجاهلية في نفسك ، و لا تجعلك الحمية و فورة الشباب تتطاول على إخوانك.. و إن كان منهم من خطأ أو تقصير فليكن التنبيه على ذلك في أدب و احترام .. 
قالوا : " نصيحة وليس فضيحة" وهم يتحدثون عمن اختار أن ينصح أخاه علانية بما لا تستقيم معه مقتضيات النصيحة و الغاية منها ..فماذا عن هذه الفضيحة وهي تستقي كنهها من الهمز واللمز والاستهزاء والتنكيت ؟؟ 
سيعجبون حتما بكلامك المغرق في "خفة الدم" .. وحتما ستضحكهم .. ستسليهم وستنتشي لتصفيقهم لك ..
فقط لا تنس أن القدوم على من يعلم السر و أخفى ، الديان الذي يحكم بين عباده فيما هم فيه مختلفون ..
ولا تنس أن خصمك يومها دونهم محمد صلى الله عليه وسلم ، و أنما وفاء الحقوق يومها ليس بالدينار والدرهم وإنما بالحسنات والسيئات..

- القدرة على التمييز بين الحق والباطل ما هي سوى مرحلة أولية و شارة البداية على طريق النصر .. ما زلنا أمة الغثاء ما دمنا في مبعد عن الأخلاق ، ومادامت الأحداث المتسارعة حولنا لا تفعل سوى إخراج مزيد من الأضغان والأحقاد والفرقة العمياء بين أبناء الصف الواحد .. ولعل مانراه في هذا المجتمع المصغر الأزرق الممتد على مشارق الأرض ومغاربها ، من سب وشتائم وبذاءة وقذف و لعن المعين والدعاء حتى على المشايخ واستباحة حرمتهم دليلا على غثائيتنا و غوغائيتنا.. جيل النصر جيل علم وعمل ، وإخلاص ومتابعة و أخلاق تبهر العدو قبل الصديق .. نحن كمن استيقظ من غيبوبة طويلة ، قد عاد إلى الحياة ، لكنه مازال في فترة نقاهة ..

- بعض الحاجات إذا صادفت قلبا فارغا تمكنت ،فتلازمه حتى تصبح عنده طبيعة تختلط عليه مع الجبلة و الفطرة السليمة ،حتى إذا أصبحت عادة وسقاها قلة الفهم والبصيرة ، استحكمت فصارت طبعا فصعب حينها الإقلاع عنها ومفارقتها. ومثال على ذلك ،الحاجة إلى الدفاع عن النفس ،هي فطرة في الإنسان ،لكن قد يعتاد على هذا الدفاع حتى وإن كان على خطأ وغيره هو الصائب ،فتلازمه هذه الخصلة حتى تصير عادة مستحكمة ، و ينميها قلة العلم والفهم فتصير طبعا ،أو لنقل ردة فعل ميكانيكية ،فماإن تحاول نصحه أو نقاشه حتى يحس بالخطر المحدق بحماه ، فيندفع من غير تفكير في الدفاع وربما يستعمل لذلك منطقا أهوج ، وكلمات نابية و يسَخّرِ لذلك سخرية وغيبة ولمزا و طعنا ، وربما لوى نصوص الشريعة كي ينتصر .. فيتحول الدفاع عن النفس إلى انتصار لها ،فيغمط الحق ويتجرأ على العدل ..ويصير ذلك دأبه وديدنه الذي لا يستطيع التخلي عنه..


حدد سبب شتيمتك ولمزك وسخريتك و انشغالك بأمر المغيبين المستغفلين المضحوك عليهم ، فإن كان طمعا في زيادة عدد ناصريك وانضمامهم لتعظيم سوادك، فأعد حساباتك فإن العدد لم يكن يوما سببا في النصر .. و إن كان شماتة فيهم و استهزاء بهم واستعلاء عليهم وزهوا بما أنت عليه ، فلا تنس أن الذي هداك و نور بصيرتك وجعلك تميز بين الحق والباطل ، فهو الله الرحيم الكريم ؛ منةً منه سبحانه من غير استحقاق منك، فليكن منك الشكر على الهداية وعلى البصيرة وعلى الاصطفاء من بين المغيبين .. و إن كان حرقة عليهم أن يصيبهم من الله عذاب ونقمة وسخط ، فلتكن هدايتك لهم بالرحمة والرأفة لا بالفظاظة والغلظة والاستهزاء والشتم والسب والغيبة والتنابز ، واحرص على أن يسمعوا منك لا أن ينفروا منك ، وعلى أن تكون سببا في هدايتهم لا أن تكون عونا للشيطان عليهم ..

@وصال تقة

---------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الرابع
الآيات(10-12):
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)
يسعى الإسلام إلى بناء مجتمع نظيف عفيف يتراحم أفراده ويتعاونون على البر والتقوى .. لذا فقد حرم الإسلام كل ما من شأنه أن يقتلع آواصر المحبة ومشاعر الأخوة بين الأفراد ويزرع بذور الشقاق .. ومن أهم هذه الأمور : السخرية والإستهزاء – التجسس - سوء الظن – الغيبة, وسوف تناولها بإيجاز شديد بما يقتضيه المقام :
1- السخرية والإستهزاء : 
لعل أهم دافع للسخرية من الآخرين واحتقارهم هو الإحساس بالكبر والإستعلاء والغرور .. والإعتزاز بالقيم المادية من كثرة الأموال والأولاد أو الجاه والسلطان, ناسيا أو متناسيا أن ميزان الكرامة عند الله عزوجل هو التقوى(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) .. 
والسخرية والإستهزاء هما سلاح أهل الباطل في مواجهة أهل الحق على مر العصور من أجل صد الناس عن دعوة الحق .. فلا يليق بمؤمن أن يشابه أهل الباطل في سلوكهم فيسخر من أخيه أو يعيبه أو يستهزأ به ..
يقول د. عبد المجيد البيانوني : (من حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به ، ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا ، لأنه لا يحبّ لأخيه إلا ما يحبّ لنفسه .وقد كان من هدي النبيّ عليه الصلاة والسلام تغيير الأسماء والألقاب التي كانت من مخلفات الجاهلية ، وهي تزري بأصحابها وتنتقصهم ، وتضحك الناس منهم ، أو تصفهم بوصف ذميم لا تليق بالكرامة الإنسانيّة التي أحلّهم الله تعالى بها ,وكان من هديه أيضا أن ينادى الإنسان بأحبّ الأسماء إليه ، لزيادة الألفة بين القلوب ، ولبيان سموّ مكانة المؤمن في نظر الإسلام ، وحفظ حرماته ، والحرص على مشاعره)
2- سوء الظن : 
الظنّ : ما يقع فى نفس الإنسان من تصورات للأمر ، من واردات خيالاته ، وأوهامه ، دون أن يكون بين يديه دليل ظاهر ، أو حجة قاطعة .. والظنون التي ترد على الناس كثيرة لا تحصى ، إنها خواطر تتردد فى صدور الناس ، ويكون لها دور كبير فى تصرفاتهم .. وإذا استسلم المرء لهذه الظنون والأوهام فإن هذا يدفعه إلى الظلم والبغي والعدوان على الآخرين مما يؤدى إلي التقاطع والتدابر والشحناء والبغضاء .. وهذا كله يقوض بنيان المجتمع المسلم ويعرضه للفوضى والإنحلال .
3- التجسس : 
وهو خلق ذميم يدفع صاحبه إلى التلصص على عورات الآخرين والتنصت على أسرارهم وهتك أستارهم مما يؤدي إلى شيوع الفاحشة وانعدام الثقة بين أفراد المجتمع . 
4- الغيبة : داء وبيل يسري في مجتمعاتنا كسريان النار في الهشيم لا ينجو منه إلا من رحم الله .. آفته أن كثير من الناس وقعوا فيه دون استشعار قبحه وإثمه(وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم)(النور15) , حتى أصبح فاكهة مجالسهم . 
يقول د. محمد عبد الله دراز رحمه الله وهو يصور بشاعة جريمة الغيبة عبر شرحه للصورة القرآنية الفريدة : 
(من لم يعرف كنه جريمة الغيبة ، ولا حقيقة مرتكبيها ، فلينظر إليها و إليهم فى مرآة القرآن ، هنالك يرى ، وياهول ما يرى : خوانا ممدودا قد ألقيت عليه فريسة من البشر ؟ ويرى حول الخوان شرذمة جلودها جلود البشر ، وقلوبها قلوب النمر ، وقد جعلوا ينالون من هذه الفريسة ، لا رميا بالسهام و بالنبال ، ولا طعنا بالخناجر و النصال ، ولكن قضما بالأسنان ، ولكن لعقا باللسان فعل الضوارى بالرمم ... أمن البشر تراهم إذا أم من فصيلة أخرى تأكل لحوم البشر؟ فلو أنهم لقوا فريستهم وجها لوجه ، ونبذوا إليها على سواء : لقلنا إن فيهم بقية شهامة ، ولكنهم لقوها مجردة من كل سلاح ، عاجزة عن كل دفاع ، فأتوها من قبل ظهرها ، فى ساعة غفلتها ، بل فى وقت موتها ، فأقبلوا عليها نهشا ونهبا ومصا وعرقا ، هل رأيت أفجر و أغدر ؟ أم هل رأيت أرذل و أنذل ؟ وما ظنك بعد هذا كله لو كان المأكول أخا للآكلين ، أخا فى أسرة النسب ، أو أخا فى أسرة الدين؟) 
بقى أن أذكّر أن استفتاح الآيات السابقة ب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فيه إشارة إلى الفسق والإيمان نقيضان لا يجتمعان .. فالإيمان يدفع صاحبه إلى التحرج من الوقوع في هذه الآفات القبيحة التي تخصم من رصيده الإيماني .. وإذا وقع فيها بفعل همزات الشيطان أو وساوس نفسه الأمارة فإن إيمانه سرعان ما يدعوه الى التوبة والإنابة(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) 
دكتور هاني درغام

--------------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الرابع
#الآيات(10-12)
@صفحة_إسلاميات
موضوع المقطع الرابع: في الأخوّة الإسلاميّة بين المؤمنين، وما تقتضيه من الحقوق والواجبات والالتزام بالأخلاق الاجتماعيّة، التي تحفظ الحقوق وتصون الحرمات (الآيات 10-12)
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٠﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿١١﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴿١٢﴾)
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) قاعدة قرآنية ثابتة يجب على المؤمنين العمل بها فالإصلاح بين الفئات المؤمنة المختلفة وقتال الفئة الباغية إن لم ترتدع هو من مستلزمات الأخوّة الإيمانية التي تحقق العدل في الفرد وفي المجتمع وفي الأمة. ومن مستلزمات الأخوة الإيمانية ما سيأتي في الآيات التالية. والإسلام حريص على سلامة المجتمع الإسلامي ظاهرًا وباطنًا من كل ما يخدش أخلاقه وإيمانه فبدأ بالنهي عن تصديق نبأ الفاسق الكذّاب حفاظًا على وحدة المجتمع وعدم انجراره لبراثن الشائعات التي قد تؤدي إلى اقتتال بين فئات المجتمع والحث على الصلح والإصلاح ثم ينتقل إلى ظاهرة متفشية في المجتمعات فيعالجها بشكل راقٍ ليس بعده علاج، فالنهي عن السخرية من الغير يعود بالنفع على المنهي عنه لأنه هو الذي سيتضرر الضرر الحقيقي عمّ النهي الجميع النساء والرجال على حد سواء فعلام السخرية من الآخر؟ قد ترى جانبًا من شخصية الآخر أو خُلُقًا أو تصرفًا لا يعجبك أنت بمعاييرك الشخصية وهذا لا يعطيك الحق أن تسخر منه فلكل إنسان معييره الخاصة ولا شك أنه ما من إنسان يُحبّ أن يسخر منه أحد لأي سبب كان فكيف نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا؟! فهذه الأخلاق السيئة التي جاء النهي عنها في الآية إنما هي تطاول على خلق الله سبحانه وتعالى فعندما تسخر أيها الإنسان بغيرك لشكله الخارجي أو لشيء فيه فإنما تسخر من الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله فهذا خلقه سبحانه والله تعالى إذ خلق البشاعة فإنما ليظهر الجمال وإذ خلق القصر ليظهر الطول فعلام تسخر؟ ومم تسخر؟! وكما يقولون: والحُسن يُظهِر ضدّه الحسنَ. فالسخرية والتنابز بالألقاب ولا الهمز ولا اللمز ليست من مستلزمات الأخوة الإيمانية والأخوة الإنسانية أيضًا وسيأتي في الآية 13 إشارة لهذا فالأصل في اختلاف الخلقة وأن الناس ليسوا كلهم على شكل واحد ومظهر واحد إنما هو من دلائل قدرة الله تعالى في خلقه ومن مقتضيات الحكمة الإلهية في تعارف الناس المختلفين فيكمل بعضهم بعضًا في مجتمع إيماني أخلاقي راق. 
وكعادة القرآن الكريم عندما يضع القواعد وينهى عن أمر ما فإنه يفتح معه باب التوبة فالله سبحانه وتعالى لا يريد لعباده أن ييأسوا من رحمته وواسع مغفرته فهو خلقهم بشر ضعفاء قد يقعون في هذه الأمور بقصد أو بغير قصد فيفتح لهم أبواب غفرانه ويرريهم طريق التوبة ويحذرهم في الوقت نفسه من عدم التوبة ويصفهم بأشنع الأوصاف (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الظالمون لأنفسهم قبل أن يظلموا الآخرين فالعاقل لا يتصرف تصرفًا يضرّه أبدًا فمن أضرّ نفسه في أمر من أمور الدنيا فإنه يوصف بالسَفَه فما بالنا بمن يضرّ ويظلم نفسه في أمور الآخرة؟!
وبعد أن جاء النهي عن الأمور الظاهرة من سخرية وشحناء وقتال جاء النهي عن الأمور الباطنة أيضًا من سيئات الأخلاق فلا يكفي في الإسلام أن يكون ظاهرك حسنًا وإنما الأصل أن يكون الباطن على خلق فينعكس على الظاهر ولهذا جاءت الآية 12 تنهى عن سوء الظنّ وما أجرأ الناس إلا من رحم ربي على سوء الظن! وسوء الظن هو أساس كل المنهيات التي وردت في الآيات السابقة فلولا سوء الظنّ بالغير لما تجرأ على السخرية منه أو غيبته أو لمزه أو همزه وسوء الظن هو سبب لما تحذر منه الآية فيما بعد وهو التجسس والغيبة فسوء الظن بالغير يدفع إلى التجسس عليهم وتحري أخبارهم بقصد كشف عوراتهم وسيئاتهم أو السخرية منها فكلها حلقة متكاملة ولهذا كان النهي عن سوء الظن ضروريًا في هذه السورة التي تعلّمنا الأخلاق العظيمة فإذا حسنت أخلاقك الباطنة وحسنت نيّتك انصلح سائر عملك ولذا كانت النية مفتاح قبول الأعمال "إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى" والابتعاد عن سوء الظن لا يشمل الآخرين فقط وإنما الأولى والأجدر أن يبتعد عنه المسلم في حق ربه ولذا أمرنا الإسلام وأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بحسن الظن بالله وقال تعالى في الحديث القدسي: أنا عند حسن ظن عبدي بي، فما تظنه بربّك العظيم سيعود عليك إن خيرا فخير وإن سئيًا فسيّء. 
وقد صورت الآية الكريمة الآية 12 في هذه السورة الأخلاقية العظيمة صورة مهيبة تكفي لتضع حدًا لكل مغتاب إن كان له قلب أو سمع أو عقل قال الله تعالى (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) أيّ عاقل يرضى لنفسه أن يأكل لحم أخيه وهو حيّ؟!!! إن كانت النفس تأنف هذا الأمر الرهيب فلماذا لم ترتدع عن الإتيان به؟!! أليس هذا ظلم للنفس؟!! يكفي هذا الوصف وتكفي هذه الصورة التي تنطبع في الذاكرة وفي العقل فلا تمحى منه أبدًا تكفي ليتوقف الإنسان ويمسك لسانه بل حتى فكره الباطن عن الغيبة من أساسها وجذورها!! فيا ليتنا نستحضر هذه الصورة دائمًا ونجعلها ماثلة أمام أعيننا في كل مرة يتجرأ فيها اللسان على التفوه بكلمة تصب في مستنقع الغيبة فنعصم ألسنتنا وعقولنا وقلوبنا وأنفسنا من عاقبتها الوخيمة التي تُحبط الأعمال يوم القيامة!
ولأننا بشر ولأننا ضعفاء وقد لا يملك الإنسان نفسه ولسانه عن الوقوع في مثل هذه الموبقات الأخلاقية هذا باب التوبة يفتح من جديد يا من تسعون لتقوى الله تعالى، توبوا إلى الله سبحانه وتعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴿١٢﴾) فإنه سبحانه تواب رحيم.
هذا والله تعالى أعلم.

----------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الخامس:

الآيات(13- 17)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)

- قد تساوى عباد الله في الخلقة والحقوق ، وما بينهما في الفضل كما بين الثرى والثريا إذا ما وزنوا بميزان التقوى .. فكن ذا جاه وكن ذا اسم وكن ذا وجاهة ومال وفير، أو كن دون ذلك فإنما الميزان الحق ما وقر في قلبك وما به قد كانت منك التقوى لمن برأك و أعطاك أو منعك..

- وكم من أولئك الذين يتشدقون بالإيمان ، فإذا جد الجد ظهرت حقيقتهم وبانت طويتهم وكشفت سريرتهم، فتخلفوا عنه وكانوا منه براء..
الإيمان ليس ادعاء ، وليس قولا باللسان وتباهيا وتشبعا : قالت ...آمنا : حركت بها لسانها تماما كما يفعل الكثير منا : إذا ما حدثته نفسه بالجريمة وبالذنب العظيم أغمض عينيه على شرف انتمائه و أقدم ، و إذا ما نُبه أو زالت عنه دواعي الشهوة ادعى الإيمان و جعل نفسه من زمرة المؤمنين .. وكم من أولئك الذين جعلوا الإيمان مطية ولباسا يخصفون عليهم به ليواروا عورات نفوسهم المتجذرة في الخسة والسفالة والنذالة .. فإن كانوا وسط الجمهور وأمام المصفقين ،تدثروا بكل دثر الإيمان حتى إنك لتتخيل مقاعدهم من الجنة ودرجاتهم مع الأنبياء والصديقين،ولمنيت نفسك أن تكون مثلهم أو على الأقل أن تحشر معهم بمحبتهم ، و إذا ما تواروا عن حاملي مباخرهم وغاب عنهم التصفيق والتقديس والتبجيل وخلوا بمحارم الله، نافسوا إبليس في أفاعيل الشياطين .. إنما مثل من يتشدق بالإيمان ويمضي حياته في الاتكال على شرف تسميته وعفو العفو وحسن الظن به سبحانه، كمثل من اقتنى تاجا زين به هامته ثم طفق يدعي التسيد والملك ، أتراه كان سيُمنح العرش والخزائن فقط لأن فوق رأسه تاجا؟؟

- قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا: ضع نفسك دائما في مقامها ، ولا تقترض لها ما ليس لها ، ولا تلبسها لباسا فضفاضا فيتعبك ويتعبها .. والإدراك أول خطوة على طريق التدارك : اعترف بإسلامك وارتق ، تصل بحول الله إلى الإيمان .. ولا تكن من أولئك الوصوليين المتسلقين الذين لم يحسن بعد إسلامهم فإذا بهم قد تصدروا الحديث عن خبايا الإيمان ومراتب الإحسان ليوهموك أنهم يرتقون سلاليمه وأنهم حماته والدعاة إليه..

- (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)
أحسن استقباله وهيء له المداخل وكن شفيفا صادقا قريبا من قلبك ، يكن الايمان لك نعم الضيف ونعم الرفيق ..

- (إِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 
- - لكل داء دواء ودواء مرض القلوب اعتصام بالطاعة ولزوم للامتثال
-إن غفر ورحم سبحانه ،شكر و تقبل العوير والكسير من أعمالنا ولم ينقصنا من ثوابها -على عوجها - شيئا.

- (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )
إذا وقر الإيمان في الوعاء النقي وسكنه من غير شك ولا ارتياب، واطمأن به وسكن ، نضح بما فيه وغمر ما حوله بفيوضاته ،و أكرم بعطائه جوارحَه، فحقق الصدق مع ربه بالجود بالنفس والمال في سبيل الله ، وانحاز إلى فصيل الحق و ركن إلى إعلاء كلمة الله ، فيؤاخي بذلك مسمى الإيمان مع العمل بمقتضى التسمية، ويعرضه على ميزان الصدق مع الله ،فلا يبقى تصنيف نفسه في زمرة المؤمنين ادعاءً ومجرد تزيٍّ ،فليس الإيمان بالتمني ولا بالادعاء والتحلي ، وليس اتكالا على حسن الظن بالله ، ولكن الإيمان شيء قد وقر في القلب وصدقه العمل، و من يحسن الظن بالله يحسن العمل ..حتى إذا ما ابتلي وامتحن ،لم يتزلزل ووجد في خزائن قلبه ما به الطمأنينة و ووقود السكينة و الثبات ، ولم يجد حاجزا وقطيعة بين ما يتمثله في ذهنه من معاني الإيمان من صبر واحتساب ورضا وحسن عمل ومعرفة متى الإقدام ومتى الإحجام ،وبين تفعيل ما علم في أرض الواقع، ولم يجد به ما يصده عن العمل ..
تلك العلامة والإمارة والدليل الواضح المبين ، لا دليل غيره على صحة الإيمان ووقوره في القلب .. وبه إن قال المؤمن إنه مؤمن ، كان صادقا ..

(قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)
- إذا كان الامتنان والاعتداد بمسمى الإيمان منهي عنه فمابالك بمن جعل تفاخره على أساس الجاه والمال والسطوة والوجاهة الاجتماعية؟
- وهل أكبر من الإسلام فضلا ومنة من المنان سبحانه؟ وهل كان لأحد منا على الله عهد أن يهديه أو كان له منه وعد على أن يقذف في قلبه أنواره الربانية ؟؟ فما بالنا نريد أن نخادعه و أن نجعل من دعاوى اللسان ما نخبر به ربنا العلام المطلع على سرائرنا وما تخفي الصدور ؟أليس هو المنان سبحانه الذي منّ علينا بالإيمان ابتداء، وهو العليم بما أودع في صدورنا منه ، المطلع على سرنا و أخفى ؟ ولو شاء لتركنا هملا رعاعا أتباع كل نعيق ، نرى كل بارقة نورا ولو كانت لمعة سكين ، ولحجب عنا مصابيح الهدى ومنارات السبيل المستقيم ..ما بالنا نظن أن مغارف اللسان ستخفي ما غار في لجج الصدور ؟ فإن استطعنا تغيير حقائقنا والتصنع والتزين بما ليس فينا أمام بني جلدتنا ، أفكنا قادرين على فعل ذلك مع خالقنا والنجاح فيه ؟
فأية جرأة و أي عته و أية سفاهة وسوء ظن أن نحسب أن الحيلة ستنطلي على ربنا و أن ننسى أو نتناسى أنه السميع البصير العليم الخبير المحيط ، الذي وسع علمه ما علمنا وما لم نعلم وما غار في البحار وفي شعب الصدور؟؟

@وصال تقة

------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الخامس
#الآيات(13-17) :
(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17)

1- (ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) 
(اختلاف الألسنة والألوان , واختلاف الطباع والأخلاق , واختلاف المواهب والاستعدادات , اختلاف تنوع لا يقتضي النزاع والشقاق , بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات .. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم , ويعرف به فضل الناس(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) (في ظلال القرآن – سيد قطب رحمه الله)

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) .. 
يتفاخر الناس بالمال والأولاد .. الجاه والسلطان , الأنساب ولأحساب.. وتبقى التقوي هي القيمة الحقيقية في ميزان الله عزوجل .. القيمة التي توزن بها الأعمال في اليوم الآخر .. وتبقى معرفة الله عزوجل والخشية منه هما الأساس الذي يؤسس عليه بنيان التقوى .. فليغترف المؤمن من معين التقوى ما استطاع حتى يضمن الكرامة الحقيقية والسعادة الآخروية 

2- (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .. 
ما أسهل دعاوي الإيمان , وما أصعب تطبيق هذا الإيمان في ميدان الحياة ..الإيمان الذي ينشأ في القلب ليكون قناعةً في الفكر، وشهادةً باللسان، وحركةً في العمل .. إيمان يصحبه طمأنينة وسكينة , اذعان وانقياد, خضوع واستسلام , ايمان ينسف الشكوك والشبهات , وينتصر على الرياء والنفاق .. فما أروع هذا الإيمان !!

3- (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) .. 
شتان شتان بين إيمان سكن في قلب صاحبه حتى بلغ منزلة اليقين ، 
لا يزحزحه عنه أي عارض من عوارض الحياة ، ولا يغيّر وجهه فى قلوبه ما يلقاه على طريق الحياة من بأساء وضرّاء ، ثقة منه باللّه ، وركونا إليه ، ورضاء بقضائه ، وصبرا لحكمه .. وبين إيمان يهتزّ كيانه فى قلب الإنسان لأى عارض ، ويتضاءل شخصه عند أي بلاء ، فهو إيمان مشوب بآفات كثيرة من الشك ، وسوء الفهم ، فإذا وضع على محك التجربة والامتحان ، ظهر ما فيه من ضعف ، فلم يحتمل صدمة التجربة ، ولم يصمد أمام تيار الامتحان .. ويبقى الجهاد بالمال والنفس ، هو الميدان الذي يمتحن به إيمان المؤمنين ، والذي به تظهر حقيقة ما فى قلوبهم من إيمان)(مستفاد من التفسير القرآني – د. عبد الكريم الخطيب) .

4- (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17) .. 
إن الله عزوجل هو صاحب المنّة علي عباده أن هداهم للإيمان .. تلك النعمة التي تتضاءل أمامها جميع النعم ..فلا يليق بالمؤمن أن يمن على الله بهذه النعمة ويزكى نفسه ويحسب أنه قد بلغ مكانة عالية لم يبلغها أحدا مثله , بل ينبغي أن يكون الإفتقار والتذلل لله عزوجل هو ديدن المؤمن الذي يستشعر دوما رحمة الله عزوجل ولطفه لأنه ينظر إلى الذين حرموا نعمة الإيمان وهم يتقلبون بين الحيرة والشك والقلق والضياع في مقابل ما ينعم به من السكون النفسي والإطمئنان القلبي .. 
فمن هو صاحب الفضل والكرم في ذلك؟! , إنه الملك سبحانه .

دكتور هاني درغام

------------------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الخامس
#الآيات(13-17)
@صفحة_إسلاميات 
(من موسوعة التفسير الموضوعي بتصرف)

موضوع المقطع الخامس: في وحدة البشريّة، وحقيقة الإيمان والإسلام، وما يقتضيه الإيمان من طاعة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، والجهاد بالمال والنفس في سبيله.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٤﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿١٥﴾ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٦﴾ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٧﴾)

بعد النداء الخاص للمؤمنين والذي ورد في السورة خمس مرات يأتي أول نداء في السورة عامًا بـ (يا أيها الناس) يرسّخ قاعدة قرآنية وتُظهر عالمية الإسلام فهو نداء للإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها ليردّها إلى أصل واحد وإلى ميزان واحد هو الذي تقوم عليه تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق الوضيء من الآداب النفسية والاجتماعية. فالآية تؤسس مبدأ العالمية ليحتضن الإسلام كل الأجناس والأعراق والألوان واللغات. فالمؤمن الذي اطمأن قلبه بالإيمان ورسّخ من خلال توجيهات هذه السورة انعكس إيمانه أخلاقًا في نفسه وفي تعامله مع الآخرين من المسلمين ولم يقتصر على ذلك بل إن إيمانه قد انعكس على تعاملاته مع غير المسلمين أيضًا فكل الخلق إنما جعلهم الله سبحانه وتعالى شعوبًا مختلفة وقبائل ليتعارفوا فيما بينهم، هذا المؤمن الذي تربى على أخلاقيات سورة الحجرات انفتح على الآخرين يدعوهم للإيمان بأخلاقه قبل لسانه، يدعوهم لهذا الدين الحق، الدين العالمي الذي ضمن حقوق الناس جميعًا وضمن تساويهم أمام خالقهم وأنه لا تفاضل بينهم بالأمور المادية الدنيوية التي شرعتها قوانين البشر وإنما تفاضلهم يكون بمدى تقواهم لخالقهم وهذا من نعمة الله وفضله على عباده أن جعل التفاضل بين البشر بيده وحده لا بيد أحد من البشر لأنه وحده سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى والذي يطلع على قلوب البشر التي هي موضع التقوى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى قلبه "التقوى هاهنا".

ثم تأتي الآيات لتؤسس لمعنى الإيمان الحقيقي، الإيمان الذي دعت إليه آيات السورة من خلال النداءات الخمس التي وردت فيها (يا أيها الذين آمنوا)، هذا الإيمان الذي هو الأساس في بناء المجتمعات الراقية ويأتي تعريف الإيمان الحقيقي بعد ادّعاء البعض بأنهم مؤمنون ليوضح لهم معنى الإيمان الذي يقود للتقوى التي هي أساس التفاضل عند الله تعالى لكن هذا لا يمنعهم حقّهم من أن يجازيهم الله عز وجل على إسلامهم وعلى أعمالهم الحسنة إن هم أطاعوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ويأتي بيان صفات المستحقين لإطلاق اسم الإيمان عليهم وهي تشمل:
• الإيمان إيمانًا صحيحًا خالصًا عن مواطأة القلب واللسان
• عدم الريبة والشك بل التصديق المحض
• الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله ابتغاء رضوانه
• الصادقون الذين صدّقت أفعالهم أقوالهم لتمكّن الإيمان الحق في قلوبهم لا ما يدّعيه من آمن بلسانه فقط ولم يُر أثره في أفعاله وتعاملاته.

ثم تبين الآية 16 إحاطة علم الله تعالى بما في السموات والأرض ويدخل فيها إحاطته بما تخفي النفوس وما تضمره القلوب وإطلاعه على السر والعلانية فهو سبحانه لا تخفى عليه خافية فهو يعلم حقيقة إيمانكم من عدمه.

ثم إن ما تمنّون به من الإيمان إنما هو في الحقيقة منّة من الله تعالى في أصله فهو سبحانه الذي منّ عليكم بالخلق أولًا ثم بالهداية أما منّتكم إنما هي بالقول فقط! فإن كان إسلامكم موافقًا للإيمان حقّاً فإنما إيمانكم هذا هو في حد ذاته نعمة أنعم الله تعالى بها عليكم ولا فضل لكم فيها فلا تفخروا ولا تُعجبوا بما أنتم عليه من الطاعات وإنما الأولى لكم أن تشكروا المنعِم عليها وأن تدعوه ليتقبلها منكم!
هذا والله تعالى أعلم.

----------------------------------------



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل