القرآن..أنوار وهدايات - تدبر سورة الحجرات - 4- هدايات المقطع الثاني والثالث

#تدبر_سورةا_لحجرات

#هدايات_المقطع_الثاني :

#الآيات(6-8) 

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ، أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ، فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»

- وكم من بيوت خربت ، ومن عائلات شتت ، ومن أناس صاروا أعداء بعدما كانوا أحباء أخلاء ، بسبب خبر مزعوم ظني لم يتحر ناقله الدقة وتوخي الدليل، ولم يتحر المتلقي التثبت والتبين قبل تصديق ما نُقل له وإصدار أحكامه ، وقطع الظن باليقين . فليس من الحكمة ولا من الرشد تقبل الأخبار الظنية ، ومن العته والسفه نشر ذلك بين الناس ، ونشر العداوات بذلك وإلحاق الظلم بأناس اتهموا زورا وحكم عليهم بهتانا بسبب عدم تريث وعدم تثبت. إن فعلا مثل هذا لكفيل أن يسجن صاحبه في زنزانة الندم ، كيف لا وقد عرض من حوله إلى فتن و إلى آلام بسبب تسرعه في التلقي وفي إصدار الأحكام .
- التريث والوقوف عند حدود الشرع واستشعار وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بيننا ، وإن لم يكن جسدا فبشريعته السمحاء وبسنته التي لم تغفل شيئا ، فكانت ميزانا نحتكم إليه في كل حين وكلما كبلتنا الحيرة 
- اتباع الرسول لا يكون فقط فيما وافق هوانا وميولنا ، بل الاتباع في كل شيء حتى فيما لم يوافق رغباتنا 
- ليس لأحد من استحقاق للإيمان إنما هو كرامة من الله وعطاء منه سبحانه ، ولعل أعظم نعمة أن يكون العبد مؤمنا محبا للإيمان و أهله ، مزينا في قلبه ، كارها للكفر والفسوق والعصيان .. وما من منة ولا فضل لأحد عليه في ذلك سوى ربه المنان عز وجل .. 
- حب الإيمان والتعلق به مدعاة لكره ما سواه (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)
- تذييل الآية باسمه سبحانه "العليم الحكيم " : من مقتضى الإيمان بهذين الاسمين الكريمين : الاعتراف والإقرار بالعجز والقصور والجهل ، وغاية الرضا والتسليم .

@وصال تقة

----------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الثاني
#الآيات(6-8)
من كتاب: الأساس في التفسير – سعيد حوى (بتصرف يسير)
@صفحةإسلاميات

موضوع المقطع الثاني: في وجوب التثبّت في تلقّي الأخبار وروايتها ، والحذر من قبول رواية الفاسق والعمل بما فيها (الآيات 6-8)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿٦﴾ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴿٧﴾ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٨﴾)

أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين وناداهم بأحب الصفات (يا أيها الذين آمنوا) أمرهم بالتحقق من نبأ الفاسق قبل أخذ أي قرار مبني عليه وهذا أمر ضروري فالفاسق همّه الإيقاع بين المسلمين بعضهم ببعض وبين المسلمين وباقي الأمم وهذا دأبه وهو كما أنه يأتيكم أنتم أيها المؤمنين بنبأ كاذب ملفّق فهو بكل تأكيد سيفعل نفس الفعل مع الطرف الآخر فيوغر الصدور بعضها على بعض ويجيّش العواطف فتتسرع في رد الفعل الذي لن يعود عليها إلا بالندامة حين لا ينفع الندم! 
ارتباط قول الله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) بالآية التي حذّرت المؤمنين من تصديق نبأ الفاسق هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبني على خبر الفاسق بينما يوجد ناس يبنون عليه فلو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطاعهم في مثل ذلك لترتب على ذلك وجود أنواع من الحرج والعنت وذلك فيه توجيه للمسلمين في عدم البناء على خبر الفاسق. 
ووجه آخر لارتباط الآيتين وهو أنه ليس كل اقتراح يتقدم به فرد يكون فيه مصلحة للأمة بل إن كثيرا من الأمور لو أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم فيها الأفراد لترتب على ذلك حرج وفي ذلك توجيه للأفراد أن يعرفوا حدود اقتراحاتهم وهذا شيء تعاني منه الجماعات الإسلامية في كل عصر فالحماس يدفع الجميع لتقديم اقتراحاتهم ويقفون عندها ولو أخذت الجماعة بكل تلك الاقتراحات لحصل العنت والحرج ولتبعثرت أيضًا الجهود التي يجب أن تكون منصبّة على أمور محددة تكون في غاية الأهمية للأمة ولا تنشغل بأمور جانبية تشتت عزيمتها وجهودها وتصرفها عن مشاريعها الرئيسة.
وفي قول الله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) تأديب للمسلمين على الخضوع لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفض اقتراحًا.
(وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴿٧﴾) تشير الآية إلى أن الراشدين من أبناء الأمة الإسلامية يخضعون لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقراره ولو خالف ذلك اقتراحاتهم ورغباتهم لأن الخضوع هو الذي يتفق مع الإيمان ولأن غيره كفر وفسوق وعصيان. ومع تقرير هذا المعنى فقد قرر هذا الجزء من الآية حقيقة أن الله عز وجل فضلاً منه ونعمة يحبب الإيمان ويزينه في قلوب المؤمنين ويكرّه الكفر والفسوق والعصيان (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٨﴾).

-------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الثاني
الآيات(6-8):
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) 
1- (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) .. 
رغم وضوح البيان في هذه الآية الكريمة والتي تحذر من التسرع في نقل الأخبار ونشرها دون تثبت أو روية وبيان أثر ذلك السلبي على مستوى الفرد والجماعة .. إلا أن أكثر الناس ينساق وراء الإشاعات والأراجيف ويسارع إلى تصديق كل ما تلقيه وسائل الإعلام المرئية والمسموعة دون أن يميز بين الغث والسمين , بين الحسن والقبيح .. وهذا ملاحظ جدا على صفحات الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي (فيس بوك – تويتر) ..
ألا فليتق الله هؤلاء الذين ينشرون الأخبار الكاذبة دون فرز وتمحيص وليتذكروا أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب التي استودعهم الله عزوجل إياها ..أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة , وكلما روى الإنسان رواية , وكلما أصدر حكما على شخص أو أمر أو حادثة(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(الإسراء36) 
2- (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) .. 
يا لها من نعمة كبرى ومنة عظمى .. نعمة بعثة النبي عليه الصلاة والسلام(لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)(آل عمران 164) .. نعمة تحتاج إلى شكر باللسان والجنان والجوارح .. شكر يفضي إلى التسليم التام والرضا الكامل لما يقضى به الرسول (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً )(النساء 65) .. 
فهل وعينا قدر هذه النعمة وهل أدينا شكرها كما ينبغي ؟ 
3- (وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ) .. 
عندما يتخلى المرء عن زينة الإيمان يعيش في صراع دائم وهم لازم .. يصبح كالريشة في مهب الريح .. اضطراب , حيرة وشك, بؤس وشقاء, غرور وطول أمل , حرص وطمع و.. , يالها من نعمة(نعمة الإيمان) لوعرفها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف بل وبالمدافع والصواريخ .. سبحانك ربي ما أعظم رحمتك بعبادك .. حببت إليهم الإيمان وزينته في قلوبهم وبغضت إليهم القبائح والمنكرات .. 
اللهم لك الحمد على نعمة الإيمان وكفى بها نعمة .
دكتور هاني درغام

----------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الثالث
#الآيات(9)
إعداد: صفحة إسلاميات

موضوع المقطع الثالث: في مسئوليّة الأمّة عند وقوع الفتن، ووجوب الإصلاح بين المتخاصمين من المؤمنين على كتاب الله تعالى، وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام (الآية 9)

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾)

وهذه الآية والله أعلم مناسبة ومرتبطة بما قبلها من التحذير من نبأ الفاسق وعدم التثبت منه وهنا مشكلة اللسان الذي قد يؤدي إلى الاقتتال فإن مثل هذه الأخبار الكاذبة والإشاعات المغرضة والملفّقة إن صادفت هوى في نفوس البعض قد تؤدي إلى بغي واعتداء على فئات أخرى من المؤمنين. فتأتي هذه الآية تعلّم المؤمنين أدب الإصلاح في حال وقوع خلاف وتطور هذا الخلاف حتى صار بغيًا من فئة على فئة والملاحظ أن الله سبحانه وتعالى وصف الطائفتين بوصف الإيمان ولم يُخرج إحداهما من الإيمان ولو بغَت على الفئة الأخرى لكن المطلوب من المؤمنين في مواجهة هذه الفئة أن يواجهوها بالقتال حتى تفيء فإن فاءت فالإصلاح واجب عندها بين الفئات المؤمنة ولكن هذا الإصلاح لا يكون إلا بالعدل لأن العدل أساس الملك وهو الذي قامت به السموات والأرض والعدل هو من أهم الأركان التي يقوم عليها المجتمع الصالح وكل مجتمع لا يقوم على العدل فهو مجتمع فاسد صائر إلى الانحلال ثم الزوال، هذا العدل مطلوب حتى مع الفئة الباغية وإن ذهب العدل ساد الظلم والجور والبغي وضاعت الحقوق وزادت الشحناء والبغضاء في نفوس المسلمين بعضهم على بعض وهذا يؤثر في وحدتهم وقوتهم فيتفرقوا وهذا قد يغري بهم عدوّهم فالذئب لا تأكل إلا من الغنم القاصية! 
والعدل الذي أشارت إليه الآية لا يقتصر على العدل مع الفئة الباغية وإنما إن أردنا أن نبني حقًا ذلك المجتمع الإيماني التي تعلمنا منا آيات سورة الحجرات فينبغي أن نبدأ بالعدل مع النفس أولًا والعدل مع الآخرين والعدل مع القادة والعدل مع كل المخلوقات وهذا يضمن استمراية المجتمع الإسلامي لأن الظلم مهلكة الأمم!!
من هدايات هذه الآية أن المؤمن يجب أن يقف مع صاحب الحق دائمًا وهذه مسؤولية فلا يمكن أن يبقى الإنسان المؤمن متفرجًا سواء كان هذا الإنسان حاكمًا أو محكومًا والمؤمن إنما هو فرد في الأمة فلا يجوز له أن يكون سلبيًا في قضايا الأمة فيعتزل الأحداث وإنما التوجيه الرباني واضح لا شبهة فيه: لا يجوز لأحد أن يدعم الظالم وإنما عليه أن يسعى إلى الصلح فإن رأى أن فئة لا تريد الصلح ولا تريد حكم الله عز وجل فعليه أن يقف وقوفًا تامًا كاملًا مع صاحب الحق لأن الله عز وجل حدد لنا المهمة فقال تعالى (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) فإن لم تستطع مقاتلة الفئة الباغية لسبب قاهر فعلى الأقل قف وساند الفئة المظلومة فهذه مسؤولية وتوجيه من الله عز وجل.
هذه آية واحدة لخّصت لنا واقعًا مريرًا نعيشه منذ عصور في أمتنا الإسلامية وكأني بالمسلمين قد نسوا هذه الآية كليًا أو أسقطوها من قرآنهم!! أين نحن من هذه التوجيهات؟! وأين نحن من هذا السعي في الإصلاح بين الفئات المؤمنة؟! وأين نحن من عدم اتهام فئة ما قد تحيد لسبب ما أو تطغى أو تظلم غيرها أين نحن من عدم قذفها بكل التهم التي قد تخطر ببال!!! حتى أن اتهاماتنا تفوق في أحيان كثيرة اتهامات أعدائنا الحقيقيين!! من نحن حتى ننصب أنفسنا قضاة على الناس نصنّف هذه الفئة وتلك بما يروق لنا ويوافق هوانا؟! أين نحن من أنه لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى وأنه لا تفاضل بين الناس وبين المؤمنين إلا بمقدار صلاحهم وتقواهم؟! أظننا بحاجة ماسة وملحّة إلى أن نضع هذه الآية في قلوبنا وعقولنا قبل أن تكون شعارًا على باب كل مسؤول في الأمة وباب كل فرد يراها أمام عينيه ويقرؤها يوميًا كما يقرأ أذكار الصباح والمساء علّنا نعي حقيقة التوجيه الإلهي فيها فلا نظلم ولا نبغي ولا نكون عونًا للشيطان على إخواننا المؤمنين لعلنا نكون من الصالحين المصلحين المقسطين.

لفتة بيانية
لو تأملنا النسق القرآني في استخدام (إن) في الآيتين (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) و (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) نجد أن (إن) في اللغة تفيد قلة حدوث الأمر أو احتمالية حدوثه بعكس (إذا) التي تفيد تأكيد وقوع الأمر فالأصل إذن أن نبأ الفاسق قليل وخروج فئة مؤمنة عن جادة الحق قليل والقتال بين المؤمنين قليل فلا داعي للإحباط ولا لسوء الظن بالجميع ولا للتعميم. وكذلك استخدام كلمة (طائفة) يدل على القلّة لأن الطائفة في اللغة أقل من الفرقة.
وهذا البيان القرآني يؤكد أن الأصل في المجتمع الذي يريد الإسلام بناءه هو أن يعيش أفراده بسلام ولكن قد يقل قتال بين المؤمنين وهو ما لا يرضاه فلذلك جاءت الدعوة للمسلمين جميعًا أن يطفئوا هذه النار قبل أن تتسع ويصعب إخمادها.
هذا والله تعالى أعلم.

------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقطع_الثالث:

الآيتان (8) و(9)

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

ما أحوجنا إلى إعادة تفعيل هدايات القرآ ن بإعادة قراءة آياته قراءة واعية وإنزال ما جاء به على أرض الواقع .. وما أحوجنا للتطبيق دائما وبشكل خاص عند النوازل .. وما تمزق أمتنا وتشتت كلمتها وضياع عزها وتمكينها إلا من الغفلة عن معاني كتاب ربها، فلا الظالم يرعوي ويراقب الله ويدرك أن الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما ،آخذه ولا بد بظلمه ومنتقم منه ، ولا المظلوم بقادر على أخذ حقه بما أراه الله و على منهج الله ،وما هو بمتيقن حق اليقين بنصر الله له وعدا منه سبحانه ، فيعطل بقلة يقينه النصر، و من تبقى إما خائن لأمته ودينه ، واقف مع الظلم مظهر لنيته ولهدفه ، مساند له بمده وكلمته و بتلوين المبادئ و تغيير المفاهيم وبالتنظير لأحقية الظالم في ظلمه وجمعه الناس حول فلسفته العمياء، أو واقف موقف المتفرج الذي لا يريد أن يكون له حول وقوة يستمدها مما أمره الله به ، ويا ليته رأى ذلك الظلم شرا فأغلق على لسانه صدغيه ، وعلى نفسه أبواب بيته واعتزله .. أو آوى إلى كهف كي ينشر له ربه من رحمته ويهيء له من أمره رشدا .. أو عض على جذع شجرة وانتظر الفوت ،أو الموت ..ولم يصنع شرا جديدا بدعوة الناس إليه ، أو بتأليبهم و إلهاب حماسهم ضد مناهضة الظلم.. أو تلبيسا عليهم بشأن الظالم.. وقلة قليلة ، بل أين هي، تلك الفئة من الولاة الساعية إلى الإصلاح باذلة في ذلك النفس والنفيس ، باحثة عن الحلول و العلاجات.. العارفة بحرمة دم المسلم وعرضه ، فلا تبرأ لها ذمة أمام الله حتى ترى الطرفين في صلح ووئام ،و لا يهدأ لها بال حتى ترجع الأمور إلى مواضعها ،فإن تعذر عليها الإصلاح بسبب تعنث أحد الطرفين واختياره القتال ، قابلت تعنثه بالمقاتلة حتى يرعوي ويرجع إلى أمر ربه ويرضى بحكمه، فإن رجع وامتثل للسلم والسلام، تدخلت مرة أخرى حتى تتيقن من إصلاح ذات بينهما ،إصلاحا جديدا ليس ذاك المبتدأ به قبل أن ترفض الفئة الظالمة وضع السلاح، إصلاحا بالعدل والقسط يراعون فيه حال الفئتين بعد ما صاروا الى ما صاروا اليه ،حتى لا تشتعل بينهما فتائل الحرب مرة أخرى: الفئة المجارة والتي بسببها تدخل الوالي ليرجع لها حقها ، فلا يترك لها المجال للتفاخر على الفئة المرغمة على حط أوزار الحرب وإلقاء السلاح راغمة ،ويحاول جبر الأضرار التي لحقت بها، ومراعاة شعور الفئة المرغمة على الفيء بالانكسار وبالإخفاق بسبب اضطرارها لترك الحرب، فلا يرتاح للمصلحين بال حتى يتأكدوا من زوال الإحن بينهما وبعودتهما إلى سالف أخوة .تلك الأخوة التي لم يمحها بغي كما لم يمح عنهم مسمى الإيمان ببغيهم، وإن كان الإصلاح بينهما واجبا فلأن المتقاتلين مؤمنان وأخوان. وهذا هو التقوى المطلوب من المتدخل من أجل الصلح وهو الذي يرجو به رحمة الله ، وهو نفس التقوى المطالب به كل من الفئات كل حسب موقفه : فمن ممتنع عن إيذاء أخيه ابتداء، ومن وقاف أواب يفيء إلى أمر الله إذا ما ذكّر ، ويعصم دماء إخوته ، ومن مصلح بالعدل مراع الحقوق حريص على استتباب الأمن ورجوع السلام .
وإنما الإصلاح رحمة ، ورحمة الله قد جعلها لعباده الراحمين سواء على مستوى الجماعات أو على مستوى الافراد بينهم ، وسواء في علاقات قمة الهرم مع القاعدة والحاكم بالمحكوم ،أو فيما بين افراد الأمة فيما بينهم ، و لمن اتقى منهم وعلم ما عليه فعله في كل حين ، وكان فطنا لما سيتعبد به ربه عند كل لحظة من لحظات الامتحان الذي لا ينتهي الا بخروج الروح. 

-ومضات:
- الخصام يعمي فيجعل الطرفين مقتنعين بأن كل واحد منهما هو الحق وهو الصواب ، فإن أردت التدخل للإصلاح ، فاعمل أولا على فهم منطلقات كل واحد من الطرفين ، كي تستطيع رفع اللبس عن بعضهما البعض 
- الأخوة في الله مسئولية ، ولا يعفى أحد من مسئولية الإصلاح إن كان يريد أن يلقى الله مبرأ الذمة ، فالذي بيده مقاليد الأمور الإصلاح واجب عيني عليه ، ومن تبقى من افراد الأمة ممن ليس لهم حيلة لا تبرأ ذمتهم إلا بشجب الظلم ونصر الحق ولو بقلوبهم ، فذلك أقل ما يفعل ، وإن كان قد سلمت يداه من الفتنة، فليسلّم إخوانه من لسانه 
- إن كنت لا تستطيع أن تصلح و أن تنصر المظلوم فعلى الاقل لا تنصر الظالم 
- مسمى الإيمان ومسمى الأخوة لا يُخرج منه التلبس بالخطأ والبغي
- يبقى الأخ في الدين اخا و إن تلبس بالخطيئة والذنب ، نكره خطأه لا نكرهه هو 
- ليس المشكل في وقوع الخطأ في حد ذاته ،إنما المشكل في عدم إصلاحه وعدم الرجوع إلى أمر الله
- الجزاء من جنس العمل : رحمة الناس وتقوى الله جزاؤها رحمته سبحانه 

@وصال تقة

-----------------------------------




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل