القرآن..أنوار وهدايات - تدبر سورة الحجرات - 1

سورة الحجرات

محور السورة

يختلف العلماء على محور السور وهذا الاختلاف هو اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ لأن كل منهم يتناول السورة من زاوية مختلفة ونستعرض معكم ثلاثة من المحاور التي استنبطها أهل العلم الأفاضل:

*- أسس بناء المجتمع (من موسوعة التفسير الموضوعي)

*- الأخلاق وربطها بالإيمان (من برنامج التفسير المباشر - قناة دليل الفضائية)

*- الرقي بالمجتمع المسلم لكمالات الإيمان والأخلاق من خلال ترسيخ الإيمان وتكميل أخلاق المؤمنين بعد كثرة الداخلين في الإسلام عام الوفود واختلاف طبائعهم وأخلاقهم. (د. محمد الربيعة)

-----------------------------

مقاطع سورة الحجرات :

ـ المقدّمة : وهي الآية الأولى ، وتتحدّث عن وجوب التلقّي عن الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهو الأصل العظيم الذي ينتظم السورة بما فيها من معان وحقائق والأمر بتقوى الله سبحانه ، وربط المؤمن بأسماء الله تعالى وصفاته .
1- المقطع الأول : في وجوب الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ، والنهي عن رفع الصوت في حضرته ، أو الإساءة في مخاطبته (الآيات 2-5) 
2- المقطع الثاني : في وجوب التثبّت في تلقّي الأخبار وروايتها ، والحذر من قبول رواية الفاسق والعمل بما فيها .(الآيات6- 8)
3- المقطع الثالث : في مسئوليّة الأمّة عند وقوع الفتن ، ووجوب الإصلاح بين المتخاصمين من المؤمنين على كتاب الله تعالى ، وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام (الآية 9)
4- المقطع الرابع : في الأخوّة الإسلاميّة بين المؤمنين ، وما تقتضيه من الحقوق والواجبات والالتزام بالأخلاق الاجتماعيّة ، التي تحفظ الحقوق وتصون الحرمات (الآيات 10-12)
5- المقطع الخامس : في وحدة البشريّة ، وحقيقة الإيمان والإسلام ، وما يقتضيه الإيمان من طاعة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ، والجهاد بالمال والنفس في سبيله (الآيات 13-17)
ـ الخاتمة : في التأكيد على شمول علم الله تعالى لكلّ ما في هذا الوجود وأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ، ولا في السماء ، مما يحتّم على المؤمن أن يستشعر رقابة الله تعالى في كلّ شيء ، وعند كلّ حركة أو سكون ، وأن يلتزم بطاعة الله تعالى ، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام ، ولا يقدّم عليها أي طاعة أو رأي أو حكم (الآية 18)
المصدر : (البيّنات في تفسير سورة الحجرات - د. عبد المجيد البيانوني)

-------------------------------------

التعريف بسورة الحجرات 

*- سبب التسمية :

سميت سورة الحجرات لأن الله تعالى ذكر فيها بيوت النبي وهي الحجرات التي كان يسكنها أمهات المؤمنين الطاهرات رضوان الله عليهن .

*- التعريف بالسورة :

1) سورة مدنية .
2) من المثاني .
3) آياتها 18 .
4) ترتيبها التاسعة والأربعون .
5) نزلت بعد المجادلة .
6) بدأت السورة باسلوب النداء " يا أيها الذين آمنوا " نهت السورة المسلمين عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي .
7) الجزء "26" الحزب "52" الربع "6،7" .

*- محور مواضيع السورة :

تتضمن السورة حقائق التربية الخالدة وأسس المدنية الفاضلة حتى سماها بعض المفسرين " سورة الأخلاق " .

*- سبب نزول السورة :

1) قال ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله فقال أبو بكر :أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر : أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي ،وقال عمر : ما أردت خلافك ؛ فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك قوله تعالى : ( يَا أيُّها الذينَ آمنوا لا تُقَدِّموا بينَ يدي اللهِ ورسولهِ ـ إلى قوله ـ وَلو أنَّهم صَبَروا حتَّى تخرجَ إليهم ) (رواه البخاري) .
2) نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوري الصوت وكان إذا كلم إنسانا جهر بصوته فربما كان يكلم رسول الله فيتأذّى بصوته فأنزل الله تعالى هذه الآية .
3) عن أنس : لما نزلت هذه الآية لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي قال ثابت بن قيس :أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي وأنا من أهل النار فَذُكِرَ ذلك لرسول الله فقال : هو من أهل الجنة( رواه مسلم ) .
4) عن أبي بكر قال لما نزلت على النبي ( أن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) قال أبو بكر : فآليت على نفسي أن لا أكلم رسول الله إلا كاخي السرار . 

(المصحف الإلكتروني)

------------------------------------

مقاصد سورة الحجرات :

هذه السورة مدنيّة , وهي سورة جليلة القدر ، تتضمّن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة ، ومن الحقائق الإنسانيّة ، التي تفتح للقلب وللعقل آفاقاً عالية ، وآماداً بعيدة ، وتثير في النفس خواطر عميقة ، ومعاني كبيرة ، وتشمل من مناهج التشريع والتوجيه ، وقواعد التربية والتهذيب ، ما يجعل دراستها وتدبّرها حقّاً على كلّ مؤمن ، ويجعل منها منهجاً لكلّ أسرة ، ودستوراً لكلّ جماعة أو مجتمع .
وهي تُبرز أمام النظر أمرين عظيمين للتدبّر والتفكير :
ـ فأولهما : أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة ، لعالمَ رفيع كريم نظيف سليم , فهي تتضمن القواعد والأصول ، التي يقوم عليها هذا العالم , والتي تكفل قيامه أولاً ، ورعايته ثانياً ، وصيانته أخيراً .. 
إنه عالم يصدر عن الله ، ويتجه إلى الله ، ويليق أن ينتسب إلى الله .. عالم نقي القلب ، نظيف المشاعر ، طاهر السريرة ، عفّ اللسان .. 
عالم له أدب مع الله سبحانه ، وأدب مع رسوله عليه الصلاة والسلام ، وأدب مع نفسه وأدب مع غيره . 
عالم له أدب في السرّ والعلانية ، في هواجس الضمير ، وفي حركات الجوارح . 
عالم له شرائعه المنظّمة لأوضاعه ، وله نظمه التي تكفل صيانته , وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب وتنبثق منه ، فتتلاقى شرائع هذا العالم ومشاعره ، وتتوازن دوافعه وزواجره , وتتناسق أحاسيسه وخطاه ، وهو يتجه ويتحرك إلى الله .. 
الأمر الثاني : الذي يبرز للنظر في هذه السورة ، ومن مراجعة الوقائع التي كانت سبب نزول بعض آياتها ، فهو هذا الجهد الضخم الثابت المطّرد ، الذي تمثّله توجيهات القرآن الكريم ، والتربية النبويّة الحكيمة لإنشاء الجماعة المسلمة وتربيتها ، التي تمثّل ذلك العالم الرفيع الكريم ، الذي تحقّق على الأرض ، ولم يكن فكرة مثاليّة ، ولا خيالاً أدبيّاً .. وهذه الجماعة المثاليّة ، التي كانت حقيقة واقعة في فترة من فترات التاريخ الإنسانيّ ، لم تنبت فجأة ، ولم توجد مصادفة ، ولم تخلق بين يوم وليلة ، وإنما نمت نموّاً طبيعياً ، كما تنمو الشجرة الباسقة العميقة الجذور ، وأخذت الزمن اللازم لنموّها ، كما أخذت الجهد الموصول ، واحتاجت إلى العناية الساهرة ، والصبر الطويل ، والجهد البصير في التربية والتهذيب ، والتقوية والتثبيت ، واحتاجت إلى معاناة التجارب الواقعيّة المريرة ، والابتلاءات الشاقّة المضنية وكانت الرعاية الإلهيّة تحفّ في ذلك كلّه هذه الجماعة المختارة لحمل الأمانة الكبرى ، والقيام بها ، فأشرقت تلك الومضة العجيبة في تاريخ البشريّة ، ولم تكن حلماً يرفرف في الشعور ، أو رؤيا مجنّحة في الخيال ، وإنما تجلّت في ذلك الجيل الذي أقام دولة ، وبنى حضارة ، وكان رائد الأمم والشعوب ، فكان بحقّ خير القرون ، وخير أمّة أخرجت للناس .
المصدر : (البيّنات في تفسير سورة الحجرات - د. عبد المجيد البيانوني(بتصرف)

--------------------------------------

سوة الحجرات .. من أسرار التسمية :

(في تسمية سورة الحجرات بهذا الإسم دلالة على أنها سورة الموانع والكوابح , لما في معنى الحُجرة من معاني الحَجر والمنع الذي هو أصل استعمال هذه المادة في اللغة .. فكأن كل آية من حياتها حُجرة تحفظ دين المؤمن وتستر عرضه وتمنع غيره من التعدي عليه أو ايذائه بأي نوع من أنواع الأذى .. ومن هنا جاءت آياتها نسيجا مشدوداً إلى تعابير النهي القوية الشديدة , القاضية بالانقطاع الفوري والترك الكلي للمنهيات المذكورة مع بيان مفاسدها الاجتماعية وأسبابها الشيطانية .. إنها سورة لكبح جماح شهوات اللسان وسائر نوازغ الشيطان .. ومن هنا كانت سورة الحجرات سورة اجتماعية من الطراز الأول .. كل ذلك بتزكية النفس وتربيتها على التخلق بالحقائق الإيمانية, والانقياد لشريعة الإسلام , وكذا بالتغذية الروحية للقلب والوجدان) 
(د. فريد الأنصاري رحمه الله – مجالس القرآن)

----------------------------------------

سورة الحجرات، وقفة تدبرية مع اسم السورة ومناسبته لمحورها

(إعداد صفحة إسلاميات)

سورة الحجرات كما يظهر من تأمُل آياتها ومواضيعها أنها سورة تضع للمؤمنين منهجًا أخلاقيًا لكي يسيروا عليه في حياتهم وبينت السورة أساسيات المجتمع المؤمن الراقي المتحضر وذكرت منها الإيمان والعدل حتى مع الفئة الباغية والتسامح والابتعاد عن خوارق الأخلاق كاللمز والتجسس والسخرية من الآخرين وهذه الأساسيات هي نواة المجتمع الفاضل.
لكن المجتمع لا يأتي من فراغ وإنما هو مجموعة من الأفراد، مجتمع منشؤه بيت وأسرة وأفراد ولعل لهذا ارتباط ما بتسمية السورة لأن (الحجرات) وهي دلالة على بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن إنما هي النواة التي يتشكل منها هذا الفرد المؤمن الذي هو بدوره سيكون عنصرا فعالًا في مجتمعه ثم في أمته. وهذا يدلنا على أهمية التنشئة في البيت وضرورة تربية الأبناء وكل أفراد الأسرة على القيم الصحيحة والمبادئ والأسس التي بينتها السورة بشكل واضح ومفصّل.
وللأسف ما عادت كثير من بيوت المسلمين قائمة على هذا المنهج الرباني واختلفت الأولويات في حياة كل فرد وحياة الأسرة بكاملها فما عادت الأخلاق هي المعوّل عليه بل أصبحنا في زمن يعتبر المتمسك بأخلاقه رجعي وغير واقعي ويعيش في عالم آخر وأتصور أن الأوان قد آن لعودي حقيقية لآيات سورة الحجرات نتعلم فيها من جديد أسس التربية الأخلاقية الإيمانية التي ينتج عنها أفراد ومجتمعات راقية حضارية متسامحة فيما بينها عادلة حتى مع خصومها تبتعد عن سفاسف الأخلاق متسلحة بإيمانها بربها. 
هذا والله تعالى أعلم.

----------------------------------------

خواطر حول تسمية سورة الحجرات

-وصال تقة-

البناء إذا اكتمل ، فهل يعقل أن يتركه المرء ويختار عليه البقاء خارج جغرافيته، و هو أشد ما يكون للدفء والحماية والسكن والأمن والأمان ؟ هل يعقل أن يناديه داعي الأمان إلى الاحتماء بحدوده وحفظ عرضه و أخلاقه وحماه ونظامه، فلايستجيب للنداء ، ويفضل عليه حياة الشرود و الفوضى ؟
فمابالك وهذا البناء رباني منزه ؟ ما بالك وقد جمع بين حفظ اللسان والقلب والسمع ، وقنن ما به تحتمي من غيرك وتحميه منك ، وكيف تصلح إذا ما فسدت الأحوال ؟ ما بالك وقد جُعل محطة تصفية وإعادة هيكلة وبناء ، ومدرسة ربانية لمن أراد أن يوافق ظاهره باطنه ، و أن تتوحد صفته و حقيقته : صفة الإيمان بحقيقة الإيمان الذي هو قول وعمل .. مدرسة يتلقى بها دروس البدايات ومعالم الطريق ، ومعاني الأدب والأخلاق الرفيعة .. يتعلم كيف ينسلخ من أدران الطين وبراثن الهوى و حظوظ الأمارة ، ونوازغ الشيطان ،وكيف يترقى في معاملاته مع كل من حوله : مع نبيه ومن بعده العلماء ، ومع أوليائه ممن أحب ،و مع أعدائه ممن نزغ الشيطان بينهم .. فيقيم العدل في نفسه وفي غيره ، وتكون التقوى غايته ووسيلته ..
فيا من قد حُبس لسانك بين صدغيك ،وقلبك بين جوانحك ،وبصرك بين محجريك وسمعك في سرداب غائر، هذه آيات : حجرات تضمن لك ألا تفرج حبس جوارحك ، وألا تترك لها العنان ، إلا على مراد الله بغية طاعة وتقوى الله ..فلُذْ بها واحْتَمِ من ضياع مسمى عبوديتك و إيمانك، في العصيان و التعنث والتلكؤ و الفوضى والشرود والغفلة وحظوظ المجبولة على السوء ..

---------------------------------------




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل