(يُذهبكم ويأت بآخرين، يُذهبكم ويستخلف من بعدكم، يُذهبكم ويأت بخلق جديد)

(يُذهبكم ويأت بآخرين، يُذهبكم ويستخلف من بعدكم، يُذهبكم ويأت بخلق جديد) 

لمسات بيانية - د. جمال السيد
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

في قوله تبارك وتعالى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ (133) النساء) يتكرر هذا المعنى بشكل أو بآخر ففي الأنعام (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)) ونفس المعنى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) فاطر) ومرة يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) إبراهيم) لماذا هذا التكرار؟ وما اللمسة البيانية لكل آية على حدة؟

الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر الآيات التي تكلمنا عنها آنفاً بأن له ملك السموات والأرض وأنه سبحانه وتعالى هو الغني وأنه سبحانه وتعالى هو الوكيل نبّه الناس إلى أنه ليس في حاجة إليهم لا في عبادتهم ولا في وجودهم وأنه خلقهم لحكمة عنه فبيّن لهم (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ (133) النساء) هذه الآية جاءت بعد الآيات التي ذكرت ملكية الله سبحانه وتعالى، بيّن لهم أنه القادر على أن يستبدل بهم غيرهم وعلى أن يذهبهم ويأتي بآخرين والله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء. نفس الآية في سورة الأنعام الله سبحانه وتعالى بيّن أنه خلق السموات والأرض (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء) بيّن غناه عنهم وغناه عنهم يترتب عليه مقدرته على أنه يقدر على أن يستبدل غيرهم، يقدر على أن يوجد غيرهم، يقدر أن يأتي بآخرين. ولو نظرنا (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) لم تقل الآية وربك غني، هذا أسلوب قصر الله وحده الغني ولا غني غيره. لو جاءت في غير القرآن فلان غني لا يستلزم نفي غنى غيره. فالقرآن قال (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) فالله غني وذو رحمة فهو لا يريد أن يعذبهم ولا يريد أن ينتقم منهم بدون ذنب أو بدون خطأ ارتكبوه ويبيّن لهم أنه إذا أراد (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء) يستخلف من بعدهم ما يشاء، نلاحظ أن (ما) إسم موصول لغير العاقل ولكنها تشمل العاقل وغير العاقل. الآية لم تذكر يستخلف بعدكم آخرين أو خلقاً جديداً وإنما قال (وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء)، تركيب (ما يشاء) هنا يدل على أنه من غناه تناسب مع الغني، الغني ينفق ما يشاء ويأتي بما يشاء والغني عن عباده يستطيع أن يخلق ما يشاء وأن يميت ما يشاء ويجعل ما يشاء، فكلمة (ما يشاء) هنا جاءت مناسبة تماماً لصدر الآية (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ). 

قوله (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) فاطر) هذا ليس صعباً، هذا الخلق قد يكونوا بشراً وقد يكونوا بصفة أخرى يختارها الله سبحانه وتعالى (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) هنا غير ما سبق في الآية السابقة (وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء) هنا (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) وكل ما أوجده الله فهو خلق وجديد قد يكون معناه أنه مغاير لهذا الخلق الذي استبدله الله عز وجل (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) ربما يكون على غير الهيئة ولا مانع من أن الله سبحانه وتعالى الذي خلقهم على هذه الهيئة قادر على أن يأتي بخلق لهم هيئات أخرى. 

(وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) تكرر هذا التعبير في سورة فاطر وفي سورة إبراهيم (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) أي وليس ذلك صعباً على الله ليس ذلك متعسراً على الله عز وجل وليس متعذراً. ونلاحظ (وما ذلك) ونلاحظ (بعزيز) الباء زائدة للتوكيد، الزيادة هنا زيادة نحوية وليست دلالية كمصطلح نحوي اختاره النحاة يقولون حرف جر زائد يعنون به أنه ليس ركناً أساسياً أنه ليس من مكملات الجملة ويمكن الاستغناء عنه يقصدون به الزيادة النحوية، يعني هو زيادة من قِبَل الصنعة النحوية وليس من قِبَل أنه زائد في الدلالة بل هو له دلالة مهمة (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) ونلاحظ استخدام إسم الإشارة (ذلك) مرتين ويدل على العبيد مرتين يعني إن رأيتم ذلك في أنفسكم أنه شيء مستغرب مستبعد فإنه عند الله ليس مستبعداً.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل