الزينة في القرآن

الزينة في القرآن

 

منقول عن كتاب الزينة في القرآن الكريم، دراسة موضوعية
د عوض ابو عليان - جامعة الازهر

 زينة فرعون وملئه


قال الله تعالى { وَقَالَ مُوسَى ربنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ واشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآن سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }(54)

لما بلغ موسى- عليه السلام- في إظهار المعجزات وإقامة الحجج البينات ولم يكن لذلك تأثير في من أرسل إليهم دعا عليهم بعد أن بين سبب إصرارهم على الكفر وتمسكهم بالجحود والعناد فقال مبينا للسبب أولا { ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا}.
الملأ هم: الأشراف, والزينة: اسم لكل ما يتزين به من ملبوس ومركوب وحلية وفراش وسلاح غير ذلك ثم كررا النداء للتأكيد فقال:{ ربنا ليضلوا عن سبيلك}(55)
وأموالا : أنواعا كثيرة من المال كما يشعر به الجمع والتنوين, وذكر ذلك بعد الزينة, من ذكر العام بعد الخاص للشمول وقد يحمل على ما عداه بقرينة المقابلة وفسر بعضهم الزينة بالجمال وصحة البدن وطول القامة ونحوه, والكلام إخبار من موسى- عليه السلام- بأن الله تعالى إنما أمدهم بالزينة والأموال استدراجا ليزدادوا إثما وضلالة كما أخبر سبحانه عن أمثالهم بقوله سبحانه :{ إنما نملي لهم ليزدادوا إثما}0
وهذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلماً وعلواً وتكبراً
وهذه الدعوة كانت من موسى- عليه السلام - غضباً لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح- عليه السلام- فقال: {رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاْرْضِ مِنَ الْكَـفِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً }[نوح:62، 72] ولهذا استجاب الله تعالى لموسى عليه السلام فيهم هذه الدعوة التي أمن عليها أخوه هارون فقال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا }[يونس:98] قال أبو العالية وأبو صالح وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس: دعا موسى وأمن هارون أي: قد أجبنا كما فيما سألتما من تدمير آل فرعون، وقد يحتج بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها لأنموسى دعا وهارون أمن، وقال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا }[يونس:98] الآية، أي كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري قال ابن جريج عن ابن عباس: فاستقيما, فامضيا لأمري, وهي الاستقامة قال ابن جريج يقولون: إِن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وقال محمد بن علي بن الحسين أربعين يوماً(56)
فإن قيل: كيف قال: {دَّعْوَتُكُمَا } وهما دعوتان؟ فعنه ثلاثة أجوبة(57).
أحدها: أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دعوات وكلام يطول { أن الكلمة تقع على كلمات، قال الشاعر:
وكان دعا دعوة قومه
هلم إلى أمركم قد صرم

فأوقع «دعوة» على ألفاظ بينها آخر بيته.
والثاني: أن يكون المعنى: قد أجيبت دعواتكما، فاكتفى بالواحد من ذكر الجميع، ذكر الجوابين ابن الأنباري. وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه قرأ «دعواتكما» بالألف وفتح العين.
والثالث: أن موسى هو الذي دعا، فالدعوة له، غير أنه لما أمن هارون، أشرك بينهما في الدعوة، لأن التأمين على الدعوة منها.
فإن قيل: كيف جاز أن يدعو موسى على قومه؟
فالجواب: أن بعضهم يقول: كان ذلك بوحي، وهو قول صحيح، لأنه لا يظن بنبي أن يقدم على مثل ذلك إلا عن إذن من الله عز وجل، لأن دعاءه سبب للانتقام.

منقــــول عن كتاب الزينة في القرآن


زينة الأرض


قوله تعالى:
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْوَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }(60).
معنى الآية-كما يقول العلامة القرطبي(61)-: التشبيه والتمثيل، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء؛ أي مثل ماء، « أي فاختلط الماء بالأرض، فأخرجت ألواناً من النبات، اختلط النبات بالمطر، أي شرب منه فتندّى وحَسُن واخضرّ. والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض.
وقوله تعالى: {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ}أي: من الحبوب والثمار والبقول. {وَالأَنْعَامُ} من الكلأ والتبن والشعير. {حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي حسنها وزينتها. والزخرف كمال حسن الشيء؛ ومنه قيل للذهب: زخرف. {وَازَّيَّنَتْ} أي بالحبوب والثمار والأزهار؛ والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل؛ لأن الحرف المد غم مقام حرفين الأوّل منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ابن مسعود وأُبيّ بن كعب ««وتزينت» على الأصل.
وقوله تعالى: {وَظَنَّ أَهْلُهَآ} أي أيقن. {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} أي على حصادها والانتفاع بها؛ {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} أي عذابنا، أو أمرنا بهلاكها. {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها. وقال «حَصيداً» ولم يؤنّث لأنه فعيل بمعنى مفعول. قال أبو عبيد: الحصيد المستأصَل. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} أي لم تكن عامرة؛ من غَنِي إذا أقام فيهِ وعمرَه. والمغاني في اللغة: المنازل التي يعمرها الناس.
يعني: فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا. {نُفَصِّلُ الآيَاتِ} أي نبيّنُها. {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في آيات الله.
والمعني الإجمالي للآية الكريمة:أن الله-سبحانه وتعالي- شَبَّهَ الحياة الدنيا في أنها تتزيَّنُ في عين الناظر فَتَرُوقه بزينتها وتعجبه فيميل إليهاويَهْوَاها اغتراراً منه بها، حتى إذا ظَنَّ أنه مالك لها قادر عليها سُلِبَهَا بغتةً أحوجَ ما كان إليها، وحِيلَ بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل الغيثُ عليها فتُعْشِبُ ويَحْسُنُ نباتُها ويَرُوق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه قادر عليها، مالك لها، فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتةً، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيَخِيبُ ظنه، وتصبح يداه صِفْراً منها: فكذا حال الدنيا والواثق بها سواء؛ وهذا من أبلغ التشبيه والقياس، ولما كانت الدنيا عُرْضَةً لهذه الآفات، والجنة سليمة منها قال: {والله يدعو إلى دار السلام} فسماها هنا دار السلام لسلامتها منهذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعمَّ بالدعوة إليها، وخص بالهداية مَنْ يشاء، فذاك عَدْله وهذا فَضْله.


قال الله تعالي:
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلا}(62).
أخبر الله- تعالى-في هذه الآية الكريمة أنه جعل الدنيا داراً فانية مزينة بزينة زائلة، للابتلاء والاختبار, كما أخبر أنه خلق الموت والحياة لذلك, وخلق السماوات والأرض لهذا الابتلاء أيضاً.
والزينة كل ما على وجه الأرض؛ فهو عموم لأنه دال على بارئه. وقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد بالزينة الرجال؛ قال مجاهد. وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والأمراء. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: «إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها» قال: العلماء زينة الأرض. وقالت فرقة: أراد النّعم والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة؛ ولم يدخل فيه الجبال الصم وكل ما لا زينة فيه كالحيات والعقارب.
والقول بالعموم أولى، وأن كل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه. والآية بسط في التسلية؛ أي لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنا إنما جعلنا ذلك امتحاناً واختباراً لأهلها؛ فمنهم من يتدبّر ويؤمن، ومنهم من يكفر، ثم يوم القيامة بين أيديهم؛ فلا يعظُمنّ عليك كفرهم فإنا نجازيهم.
ومعنى هذه الآية ينظر إلى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:
«إن الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون»(63)
. وقوله صلى الله عليه وسلم:
«إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا» قال: وما زهرة الدنيا؟ قال: «بركات الأرض»(64)

والمعنى: أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالثمر المستحلى المعجب المرأى؛ فابتلى الله بها عباده لينظر أيّهم أحسن عملاً. أي من أزهد فيها وأترك لها؛ ولا سبيل للعباد إلى بغضة ما زيّنه الله إلا (أن) يعينه وهكذا هو المكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همّته جمعها؛ وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله؛ فإن الفتنة معها حاصلةٌ وعدم السلامة غالبة، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه. وقال ابن عطية: كان أبي- رضي الله عنه- يقول في قوله: «أحسن عملاً» أحسن العمل أخذٌ بحقّ وإنفاقٌ في حق مع الإيمان، وأداء الفرائض واجتنابُ المحارم والإكثارُ من المندوب إليه.
قلت(65): هذا قول حسن، وجيز في ألفاظه بليغ في معناه، وقد جمعه النبيّ صلى الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو قوله لسفيان بن عبد الله الثَّقَفيّ لما قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك ـ في رواية: غيرك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم»(*) . وقال سفيان الثّوريّ: «أحسن عملاً» أزهدهم فيها. وقد اختلفت عبارات العلماء في الزهد؛ فقال قوم: قصرُ الأمل وليس بأكل الخشن ولبس العباءة؛ قاله سفيان الثّوريّ. قال علماؤنا: وصدق رضي الله عنه فإن من قَصُر أملهُ لم يتأنّق في المطعومات ولا يتفنّن في الملبوسات، وأخذ من الدنيا ما تيسّر، واجتزأ منها بما يبلِّغ. وقال قوم: بغضُ المحمدة وحبِّ الثناء. وهو قول الأوزاعيّ ومن ذهب إليه. وقال قوم: ترك الدنيا كلها هو الزهد؛ أحَبَّ تركها أم كره. وهو قول فضيل. وعن بشر بن الحارث قال: حبُّ الدنيا حبُّ لقاء الناس، والزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس. وعن الفضيل أيضاً: علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس. وقال قوم: لا يكون الزاهد زاهداً حتى يكون ترك الدنيا أحبَّ إليه من أخذها؛ قاله إبراهيم بن أدهم. وقال قوم: الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك؛ قاله ابن المبارك. وقالت فرقة: الزهد حبّ الموت.
والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو أولى.

من كتاب الزينة في القرآن الكريم


زينة المؤمنات

قال الله تعالى:
{وَقُل للْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائهن أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي لإِرْبَةِ مِنَ الرجَالِ أَوِ الطفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النساء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }(49).
هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركين وكان سبب نزول هذه الآية: ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا ـ والله أعلم ـ أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرثد كانت فيمحل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل وتبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء: ما أقبح هذا, فأنزل الله تعالى: {وَقُل لّلْمُؤْمِنَـاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـارِهِنَّ ---}الآية.
وهذه الآية الكريمة تعد أكثرالآيا ت القرآنية اشتمالا علي الضمائر.
قال الإمام السيوطي في إتقانه(50) في النوع الثاني والأربعين تحت عنوان:قاعدة في الضمائر:
قال مكي:" ليس في كتاب الله آية اشتملت على ضمائر أكثر منها فإن فيها خمسة وعشرين ضميرا".
وقد خصّ الله- سبحانه وتعالى- الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد؛ فإن قوله: «قل للمؤمنين» يكفي؛ لأنه قول عام يتناول الذَّكَر والأنثى من المؤمنين، حسب كلّ خطاب عام في القرآن. وظهر التضعيف في «يَغْضُضْنَ» ولم يظهر في «يَغُضُّوا» لأن لام الفعل من الثاني ساكنة ومن الأوّل متحركة، وهما في موضع جزم جواباً. وبدأ بالغَضّ قبل الفرج لأن البصر رائد للقلب؛ كما أن الحُمَّى رائد الموت. وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
ألم تر أن العين للقلب رائد
ما تألف العينان فالقلب آلف
وفي الخبر: «النظر سَهْم من سهام إبليس مسموم فمن غضّ بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه». وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزيّنها لمن ينظر؛ فإذا أدبرت جلس على عَجُزها فزيّنها لمن ينظر. وعن خالد بن أبي عمران قال: لا تُتْبِعنّ النظرة النظرة فربما نظر العبد نظرةً نَغِل منها قلبُه كما يَنْغَل الأديم فلا يُنتفع به.
وإذا كان الله-عزوجل-قدأمرالمؤمنين في الأيةالسابقة بغض الأبصار وحفظ الفروج-كذلك-أمرالؤمنات في هذه الآية الكريمة بمثل ما أمربه المؤمنين تزكية للنفوس وتطهيرا للمجتمع من ادران الفاحشة والتردىفي بؤرة الفساد والتحلل الخلقي،وتجنيبا للنفوس من أسباب الأغراء والغواية،وقد زاد الإسلام المرأة تزكية وطهرا,أن كلفهازيادةعلي الرجل بعدم إبداء الزينة لغير المحارم من الأقرباء وفرض عليها الحجاب الشرعي ليصون لها كرامتها,ويحفظها من النظرات الجارحة,والعيون الخائنة,ويدفع عنها مطامع المغرضين الفجار .ولما كان إبداء الزينة والتعرض بالفتنة من أهم أسباب التحلل الخلقي والفساد الاجتماعي لذلك فقد أكد الباري-جل وعلي-ذلك الأمر للمؤمنات بتجنب إظهار الزينة أمام الأجانب ليسدنوافذ الفتنة ويغلق أبواب الفاحشة ويحول دون وصول ذلك السهم المسموم
فالنظرة بريد الشهوة ورائد الفجورولقدأحسن من قال:
كل الحوادث مبداها من النظر
ومعظم النار من مستصغر الشرر
والمرء مادام ذاعين يقلبها
في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته
لا مرحبا بسرور جاء بالضرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها
فتك السهام بلا قوس ولا وتر

فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عما لا يحل؛ فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا المرأة إلى الرجل؛ فإن علاقتها به كعلاقته بها؛ وقصدها منه كقصده منها. وفي صحيح مسلم(*) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر...» الحديث
منقول عن كتاب الزينة في القرآن الكريم

 

زينة الحياة الدنيا


قال الله تعالى:
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا والباقيات الصَّـالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً }(41).
قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا } هذا رد على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أن ذلك مما يتزين به في الدنيا,لامما ينفع في الآ خرة.
وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا: لأن في المال جمالاً ونفعاً، وفي البنين قوّة ودفعاً، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين؛ لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تُتبعوها نفوسكم. وهو رَدٌّ على عُيينة بن حِصْن(*) وأمثالهلما افتخروا بالغنى والشرف، فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى، كالهشيم حين ذرته الريح؛ إنما يبقى ما كان من زاد القبر وعُدد الآخرة. وكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال, لأنه فَيْءٌ ذاهب ......... ويكفي في هذا قول الله تعالى: {إنما أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} (التغابن: 15) و قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا } رد على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أن ذلك مما يتزين به في الدنيا، [لا] مما ينفع في الآخرة.
وقد اختلف العلماء في المراد بالباقيات الصالحات علي خمسة أقوال:
أحدها: أنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وبه قال مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك. وسئل عثمان ابن عفان رضي الله عنه عن الباقيات الصالحات، فقال: هذه الكلمات، وزاد فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال سعيد بن المسبب، ومحمد بن كعب القرظي مثله سواء.
والثاني: أنها لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا قوة إلا بالله، رواه علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليهوسلم.
والثالث: أنها الصلوات الخمس، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، ومسروق، وإبراهيم.
والرابع: الكلام الطيب، رواه العوفي عن ابن عباس.
والخامس: هي جميع أعمال الحسنات، ورآه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، وابن زيد.
وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا.(42)
يقول الإمام الطبري في تفسيره(43) بعد أن ذكرهذه الأقوال الواردة في الباقيات الصالحات مرجحا ما قاله ابن عباس ومن معه: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: هنّ جميع أعمال الـخير، كالذي رُوي عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، لأن ذلك كله من الصالـحات التـي تبقـى لصاحبها فـي الآخرة، وعلـيها يجازي ويُثاب، وإن الله عزّ ذكره لـم يخصص من قوله والبـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابـا بعضا دون بعض فـي كتاب، ولا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك مخصوص بـالـخبر الذي رويناه عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما ورد بأن قول: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هنّ من البـاقـيات الصالـحات، ولـم يقل: هنّ جميع البـاقـيات الصالـحات، ولا كلّ البـاقـيات الصالـحات وجائز أن تكون هذه بـاقـيات صالـحات، وغيرها من أعمال البرّ أيضا بـاقـيات صالـحات.

وقوله تعالي:{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }(44) .
أخبر الله سبحانه وتعالي-في هذه الآية الكريمة أن هذا الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أماني طلابها ومؤثريها على الآخرة سبعة أشياء: النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة, والذهب, والفضة الذين هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها, والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم, والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم, وغير ذلك من مصالحهم, والحرث الذي هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم, وغير ذلك.
وقدختلف الناس(45). فيمَن المزيِّن؛ فقالت فرقةٌ: الله زيَّن ذلك؛ وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ّ. وفي التنزيل: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى لأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} (الكهف: 7)؛ ولما قال عمر: الآن يا ربِّ حين زيّنتها لنا نزلت {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلِكُمْ} (آل عمران: 15) وقالت فرقة: المزيِّن هو الشيطان؛ وهو ظاهر قول الحسن، فإنه قال: مَنْ زيّنَها؟ ما أحدٌ أشدّ لها ذَمّا من خالقها. فتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجِبِلّة على الميل إلى هذه الأشياء. وتزيين الشيطان إنما هو بالوَسْوَسة والخديعة وتحسين أخْذِها من غير وجوهها.. والآية على كلا الوجهين :ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ لمعاصري محمد- صلى الله عليه وسلم- من اليهود وغيرهِم.
والشّهوات جمع شَهْوة وهي معروفة. ورجل شهوان للشيء، وشيء شهيّ أي مُشْتَهًى. واتباع الشهوات مردٍ وطاعتها مهلكة. وفي صحيح مسلم(46): «حُفِّت الجنة بالمكاره وحُفّت النار بالشهوات» وفائدة هذا التمثيل: أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها
وقدبدأالله بالنساء لكثرة تشوّف النفوس إليهن؛ لأنهنّ حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فِتنةً أشدَّ على الرجال من النساء»(47) ففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء. ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة. فأمّا اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدِّي إلى قطع الرِحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأُمَّهَات والأخوات. والثانية يُبْتلي بجمع المال من الحلال والحرام. وأمّا البنون فإن الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ابْتُلِي بجمع المال لأجلهم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل