الاستعارة في القرآن الكريم

الاستعارة في القرآن الكريم

الاستعارة في القرآن

من كتاب من بلاغة القرآن تأليف أحمد أحمد بدوي  

اقتصر الأقدمون عندما تحدثوا عن الاستعارة في القرآن على ذكر أنواعها

من استعارة محسوس لمحسوس بجامع عقلى

ومن استعارة محسوس لمعقول

ومن استعارة معقول لمعقول أو لمحسوس

ومن استعارة تصريحية او مكنية ومن مرشحة اومجردة الى غير ذلك من ألوان الاستعارة ،وهم يذكرون هذه الألوان ويحصون ما ورد في القران منها، ويقفون عند ذلك فحسب وبعضهم يزيد فيجرى الاستعارة ظانا انه بذلك قد أدى ما عليه من بيان الجمال الفنى في هذا اللون من التصوير ولم أر إلا ما ندر من وقوف بعضهم يتأمل بعض هذه اللمحات الفنية المؤثرة وليس مثل هذه الدراسة بمجد في تذوق الجمال وادرك أسراره

ومن الخير أن تبين الأسرار التي دعت إلى إيثار الاستعارة على الكلمة الحقيقية، وإذا أنت مضيت إلى الألفاظ المستعارة رأينها من هذا النوع الموحى لأنها اصدق أداة تجعل القارئ يحس بالمعنى اكمل إحساس، وأوفاه وتصّور المنظر للعين، وتنقل الصوت للأذن وتجعل الأمر المعنوي ملموسا محسا، وحسبي أن اقف عند بعض هذه الألفاظ المستعارة الموحية، نتبين سر اختيارها:

قال سبحانه { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا } فكلمة ( يموج ) لاتقف عند استعارتها لمعنى ( الاضطراب ) بل إنها تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس احتشادا لا تدرك العين مداه حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر ترى العين منه ما تراه في البحر الزاخر من حركة وتموج واضطراب، ولا تأتي كلمة يموج إلا موحية بهذا المعنى ودالة عليه،

وقال سبحانه{ ربّ إني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا} وهنا لا تقف كلمة اشتعل عند معنى انتشر فحسب، ولكنها تحمل معنى دبيب الشيب في الرأس في بطء وثبات، كما النار في الفحم مبطئة ولكن في دأب واستمرار، حتى إذا تمكنت من الوقود اشتعلت في قوة لا تبقى ولا تذر كما يحرق الشيب ما يجاوره من شعر الشباب ،حتى لا يذر شيئا إلا التهمة واتى عليه، وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس مايوحى بهذا الشمول الذي التهم كل شي في الرأس وقد تحثنا فيما مضى عما توحى به كلمة تنفس من إثارة معنى الحياة التي تغمر الكون عند مطلع الفجر.

وقال تعالى {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون} فكلمة نسلخ تصور للعين انحسار الضوء عن الكون قليلا قليلا ودبيب الظلام إلى هذا الكون في بطء حتى إذا تراجع الضوء ظهر ما كان مختفيا من ظلمة الليل وقال تعالى { وفي عاد إذا أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شي أتت عليه إلا جعلته كالرميم} ففي العقم ما يحمل إلى النفس معنى الاجداب الذي تحمله الريح معها.

وكثر في القرآن اخذ الكلمات الموضوعة للأمور المحسوسة يدل بها على معقول معنوى يصير به كأنه ملموس مرئي فضلا عن إيحاءات الكلمة إلى النفس خذ مثلا قوله تعالى{ وإذا اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينيه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس مايشترون} ألا ترى أن كلمة نبذ فضلا عن أنها تدل على الترك توحي إلى نفس القارئ معنى الإهمال والاحتقار لان الذي ينبذ وراء الظهر إنما الحقير المهمل، وقوله تعالى{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } فكلمة القذف توحي بهذه القوة التي يهبط بها الحق على الباطل وكلمة يدمغه توحى بتلك المعركة التي تنشب بين الحق والباطل حتى يصيب رأسه ويحطمه فلا يلبث أن يموت وتأمل قوة التعبير بالظلمات والنور يراد بها الكفر والإيمان في قوله تعالى{ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} وجمع الظلمات يصور لك إلى أي مدى ينبهم الطريق أمام الضال، فلا يهتدى إلى الحق وسط هذا الظلام المتراكم ومن ذلك قوله تعالى{ الا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } فانك تشعر في كلمة العقدة بهذا الربط القلبي الذي يربط قلبي الزوجين.....

ويطول بي القول إذا أنا وقفت عند كل استعارة من هذا اللون وحسبي أن اشير الى بعض نماذجه كقوله تعالى{ فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين} فكلمة الصدع بمعنى الجهر توحى بما سيكون من اثر هذه الدعوة الجديدة من إنها ستشق طريقها إلى القلوب وتحدث في النفوس اثر قويا وقوله تعالى{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا} فاي صلة

متينة ذلك الدين الذي يربطك بالله ، يثير هذا المعنى في نفسك هذا التعبير القوى المصور حبل الله .....

وقوله تعالى{ والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} وقوله تعالى{ لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا}

وقوله تعالى{ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}

وتأمل جمال إفراغ في قوله سبحانه{ ربنا افرغ علينا صبرا} وما يثيره في نفسك من الطمأنينه التي يحس بها من هدأ جسمه بماء يلقي عليه وهذه الراحه تشبهها تلك الراحة النفسية ينالها من منح هبة الصبر الجميل

- ومن الدقة القرآنية في استخدام الألفاظ المستعارة انه استخدم إفراغ وهي توحي باللين والرفق عند حديثه عن الصبر

- وهو من رحمته فإذا جاء إلى العذاب استخدم كلمة صب فقال{ فصب عليهم ربك سوط عذاب } وهي مؤذنه بالشدة والقوة معا

- وتأمل كذلك قوة كلمة زلزلوا في قوله تعالى{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصرالله ألا أن نصر الله قريب}

- ولو انك جهدت في أن تضع كلمة مكانها ما استطاعت أن تؤدى معنى هذا الاضطراب النفسي العنيف وقد تحدثنا فيما مضى عن جمال التعبير في قوله تعالى{ ينقضون عهدالله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به يوصل}

- وقوله سبحانه{ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}

- وقد يستمر القرآن في رسم الصورة المحسوسة بما يزيدهما قوة تمكن لها في النفس، كما ترى ذلك في قوله تعالى{ اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}

- فقد اكمل صورة الشراء بالحديث عن ربح التجارة والاهتداء في تصريف شؤونها

- وقد يحتاج المرء إلى تريث يدرك به روعة التعبير كما تجد ذلك في قوله تعالى{ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}

- فقد يبدو أن المناسبة تقضي أن يقال فالبسها الله لباس الجوع ولكن إيثار الذوق هنا لأن الجوع يشعر به ويذاق وصح أن يكون للجوع لباس لان الجوع يكسو صاحبه بثياب الهزال والضنى والشحوب. --- وقد يشتد وضوح الأمر المعنوى في النفس ويقوى لديها قوة تسمح بان يكون اصلا يقاس عليه كما ترى ذلك في قوله سبحانه{ وأنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} فهنا كان الطغيان المؤذن بالثورة والفوران أصلا يشبه به خروج الماء عن حده لما فيه من فورة واضطراب....

- وعلى النسق جاء قوله تعالى{ وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتيه} فهذه الريح المدمرة يشبه خروجها عن حدها العتو والجبروت -وقد يحسم القرآن المعنى ويهب للجماد العقل والحياة زيادة في تصوير المعنى وتمثيله للنفس وذلك بعض مايعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكينة..

- ومن أروع هذا التجسيم قوله سبحانه{ ولما سكت عن موسى الغضب اخذ الالواح} ألا تحس بالغضب هنا وكأنه إنسان يدفع موسى ويحثه على الانفعال والثورة ثم سكت وكف عن دفع موسى وتحريضه ..

- ومن تعقيل الجماد قوله سبحانه{ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا آتينا طائعين} وفي ذلك التعبير ما يدل على خضوعهما واستسلامهما...

- وقوله سبحانه{ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقص فأقامه}

- وكأنما الجدار لشدة وهنه وضعفه يؤثر الراحة لطول مامر به زمن وقوله تعالى {وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير اذا القوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير}

- فهذا التمّيز من الغيظ يشعر بشدة ما جناه أولئك الكفرة حتى لقد شعر به واغتاظ منه هذا الذي لايحس وعلى هذا النسق قوله سبحانه {كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من ادبر وتولى } ألا تحس في هذا التعبير كأن النار تعرف أصحابها بسيماهم فتدعوهم إلى دخولها ومنه قوله تعالى{ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت}

- وفي ذلك ما يشعرك بالحياة التي تدب في الأرض حين تاخذ زخرفها وتتزين هذا...........

- وقد كثر الحديث عن قوله سبحانه{ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} ورووا ما يفهم منه أن أبا تمام قلد هذا التعبير فقال

 لا تسقنى ماء الملام فإنني         صب قد استعذبت ماء بكائى

حتى انه يروى أن أحدهم أرسل إليه زجاجة يطلب منه فيها شيئا من ماء الملام فقال ابو تمام حتى تعطيني ريشة من جناح الذل قيل فاستحسنوا منه ذلك...

وعندى أن ليس الأمر على ما ذكروه وان هذا التعبير كناية عن الرفق في معاملة الوالدين واخدهما باللين والرقة كما تقول واخفض لهما الجناح ذلا ولكن لما ثمة صلة بين الجناح بمعنى جانب الإنسان وبين الذل إذ أن هذا الجانب هو مظهر الغطرسة حين يشمخ المرء بأنفه ..

ومظهر التواضع حتى يتظامن- أجازت هذه الصلة إضافة الجناح للذل-

- لا على معنى الملكية فلسنا بحاجة إلى تشبيه الذل بطائر نستعير جناحه ولكنا بحاجة إلى استعارة الجناح للجانب وجمال ذلك هنا في أن اختيار كلمة الجناح في هذا الوضع يوحي بما ينبغي أن يظل به الابن أباه من رعاية وحب كما يظل الطائر صغار فراخه

- وبما ذكرناه يبدو أن يبت أبى تمام لم يجر على نسق الآيه الكريمة فليس هناك صلة مابين الماء والملام تجيز هذه الإضافة ولا سيما أن إيحاء الكلمات في الجملة لاتساعد ابا تمام على إيصال تجربته الى قارئه فليس في سقى الماء ما يثير ألما ولو أنه قال لا تجرعنى غصص الملام لاستطاع بذلك أن يصور لنا شعوره تصويرا ادق وأوفى لما هاتان اللفظتان في نفس من المشقة والالم ...

· وقد يكون الجمع بين كلمتين هو سر الإيحاء ومصدره كالجمع بين الناس والحجارة في قوله تعالى{ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} فهذا الجمع يوحي إلى النفس بالمشاكلة بينهما والتشابه وقد تكون العبارة بجملتها هي الموجهة كما تجد ذلك في قوله تعالى{ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار}

· أولا تجد هذه الثياب من النار موحية لك بما يقاسيه هؤلاء القوم من عذاب اليم فقد خلقت الثياب يتقى بها اللابس الحر والقر فماذا يكون الحال إذا قدت الثياب من النيران...

· لو بغير الماء صدري شرق كنت كالغصان بالماء اعتصارى

· ومن هذا الباب قوله تعالى{ من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك الذي يخوف الله به عباده فتقوه}

· فان الظلة إنما تكون ليتقى بها وهج الشمس فكيف إذا كانت الظلة نفسها من النيران هذه امثلة قليلة لما في القرآن من كلمات شديدة الإيحاء قوية البعث لما تتضمنه من المعانى

· وهناك عدد كبير من ألالفاظ تصور بحروفها فهذه الظاء والشين في وقوله تعالى{ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران} والشين والهاء في قوله تعالى{ وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير إذا القوا فيها سمعوا لها شهيقا و هي تفور،

· والظاء في قوله تعالى{ أنذرتكم نارا تلظى}

· والفاء في قوله سبحانه{ بل كذبوا بالساعة واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا }حروف تنقل إليك صوت النار مغتاظة غاضبة

· وحرف الصاد في قوله تعالى{ إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر} يحمل إلى سمعك صوت الريح العاصفة كما تحمل الخاء في قوله سبحانه{ وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون }إلى أذنك صوت الفلك تشق عباب الماء.

· وألفاظ القرآن مما يجرى على اللسان في سهولة ويسر ويعذب وقعه على الأذن في اتساق وانسجام...

· قال البارزى في أول كتابه( أنوار التحصيل في أسرار التنزيل) أعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها احسن من بعض وكذلك واحد من جزأي الجملة قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بد من استحضار معنى الجمل واستحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ثم استعمال انسبها وأفصحها واستحضار هذا متعذر على البشر في أكثر الأحوال، وذلك عتيد حاصل في علم الله.. فلذلك كان القرآن احسن الحديث وأفصحه وان كان مشتملا على الفصيح والأفصح والمليح والأملح..

· ولذلك أمثلة منها قوله تعالى{ وجنى الجنتين دان} لوقال مكانه وثمر الجنتين قريب لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجني والجنيتين ومن جهة أن الثمرلا يشعر بمصيره الى حال يجنى فيها.

· ومن جهة مؤاخاة الفواصل ومنها قوله تعالى{ وما كنت تتلو من قبله من كتاب} احسن من التعبير تقرأ وذلك لثقل الهمزة.

· ومنها {لا ريب فيه }أحسن من لاشك فيه لثقل الإدغام ولهذا كثر ذكر الريب..

· ومنها {ولا تهنوا} احسن من ولا تضعفوا لخفته{ وهن العظم منى} احسن من( ضعف) لان الفتحة أخف من الضمة

· ومنها( آمن) أخف من صّدق ولذا كان ذكره اكثر من ذكر التصديق و(آثرك الله )أخف من فضّلك( وآتى) أخف من أعطى

· (وأنذر) أخف من خوًّف و(خيرلكم) أخف من (افضل) لكم والمصدر في نحو( هذا خلق الله ( يؤمنون بالغيب) أخف من( مخلوق) و(الغائب)

· ( ونكح) أخف من تزوج لان فَعَلَ اخف تفعّل ولهذا كان ذكر النكاح فيه اكثر

· ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ الرحمة الغضب والرضا والحب والمقت في أوصاف الله تعالى مع انه لا يوصف بها حقيقة لأنه لو عّبر عن ذلك بألفاظ الحقيقة لطال الكلام كأنه يقال يعامله معاملة المحب والماقت فالمجاز في مثل هذا افضل من الحقيقة لخفته واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ فان قوله{ فلما آسفونا انتقمنا منهم} احسن من فلما عاملونا معاملة المغضب أو( فلما أتوا إلينا بما يأتيه المغضب )

· وهناك لفظتان أبى القرآن أن ينطق بهما ولعله وجد فيها ثقلا وهما كلمتا ا الآجر والأرضين أما الأولى فقد اعرض عنها سورة القصص فبدل أن يقول{ وقال فرعون ياأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى فهيئ لى ياهامان آجرا فاجعل لي صرحا لعلى اطلع إلى إله موسى قال {وقال فرعون ياأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لى ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلى اطلع إلى إله موسى}

· وأما الثانية فقد تركها في الآيه الكريمة{ الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شي قدير وان الله قد أحاط بكل شي علما} هذا ومما ينبغي الاشاره إليه أن القرآن قد اقل من استخدام بعض الألفاظ فكان يستخدم الكلمة مرة او مرتين وليس مرجع ذلك لشي سوى المقام الذي يستدعى ورود هذه الكلمة وللقرآن استعمالات يؤثرها فمن ذلك وصفه الحلال بالطيب، وذكر السجيل مع حجارة وإضافة الأساطير إلى الأولين وجعل مسنون وصفا للحمأ ويقرن التأثيم باللغو وإلا بذّمة ومختالا بفخور ويصف الكذب بأشر...

· ووازن ابن الأثير بين كلمات استخدمها القرآن وجاءت في الشعر فمن ذلك انه جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر فجاءت في القرآن جزلة متينة وفي الشعر ركيكة ضعيفة ،

· أما الآية فهي قوله تعالى{ فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث أن ذلكم كان يؤذى النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق }

· وأما بيت الشعر فهو قول أبى الطيب المتنبي :

· تلذ له المروءة، وهي تؤذى ومن يعشق يلذ له الغرام

· وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة الا أن لفظة تؤذى قد جاءت فيه وفي آيه القرآن فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها وحسن موقعها في تركيب الآية،....

· وهذه اللفظة التي هي إذا جاءت في الكلام فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتى بعدها متعلقة به كقوله تعالى {أن ذلكم كان يؤذى النبي} وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة الا ترى انه قال تلذ له المروءة وهي تؤذى ، ثم قال ومن يعشق يلذ له الغرام فجاء بكلام مستأنف وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي واضيف إليها كاف الخطاب فأزال ما بها من الضعف والركة قال(( باسم الله ارقيك من كل داء يؤذيك))

· وكذلك ورد في القرآن الكريم {إن هذا آخي له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة } فلفظة( لي) أيضا مثل لفظة يؤذى وقد جاءت في الايه مندرجة متعلقة بما بعدها ، وإذا جاءت منقطعة لا تجئ لائقة كقول ابى الطيب أيضا:

· تمسى الأماني صرعى دون مبلغه فما يقول لشئ :ليت ذلك لى وهنا من هذا النوع لفظة اخرى قد وردت في القران الكريم وفي بيت من شعر الفرزدق فجاءت في القرآن حسنة وفي بيت الشعر غير حسنة وتلك اللفظة هي لفظة القمل أما الآية فقوله تعالى{ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ايات مفصلات} واما بيت الشعر فقول الفرزدق:

· من عزه احتجزت كليب عنده زريا كانهم لديه القمّل وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون هذا البيت من الشعر لأنها جاءت في الآية مندرجة في ضمن كلام ولم ينقطع الكلام عنها وجاءت في الشعر قافية أي اخرا نقطع الكلام عندها ،

· وإذا نظرنا إلى الحكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غُصنا في بحر عميق لا قرار له فمن ذلك هذه الآيه المشار إليها فإنها قد تضمنت خمسة ألفاظ هي الطوفان والجراد و القمل والضفادع والدم واحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان والجراد والدم فلما وردت هذه الالفاظ الخمسة بجملتها قدم منها لفظا الطوفان والجراد واخرت لفظة الدم آخراً وجعلت لفظه القمل والضفادع في الوسط ليطرق السمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة، وينتهى إليه آخرا ثم أن لفظة الدم احسن من لفظتي الطوفان والجراد و أخف في الاستعمال ومن اجل ذلك جئ بها ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الالفاظ ليس من القدرة البشرية......

· وقال ابن سنان الخفاجى معلقا على قول الشريف الرضى:

· اعزز علىّ بأن أراك وقد خلت عن جانبيك مقاعد العواد إيراد مقاعد في هذا البيت صحيح إلا انه موافق لما يكره في هذا الشان لا سيما وقد اضافة إلى من يحتمل إضافته إليهم، وهم العواد ،ولو انفرد، كان الأمر فيه سهلا ، فأما إضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لا خفاء به، وابن سنان يشترط لفصاحة الكلمة ألا يكون قد عبر بها عن أمر أخر يكره ذكره...

· قال ابن الاثير وقد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر في القرآن الكريم فجاءت حسنة مرضية وهى قوله تعالى{ وإذا غدوت من اهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} وكذلك قوله تعالى {و إنّا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وإنّا كنا نقعد منها للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} ألا ترى إنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح اضافته إليه، كما جاءت في الشعر ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العواد: مقاعد الزيارة ، أو ما جرى مجراه لذهب ذلك القبح وزالت الهجنة ، ولذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي..

· ومن ذلك استخدام كلمة( شئ) ترجع إليها في القرآن الكريم، فترى جمالها في مكانها المقسوم لها، واستمع الى قوله تعالى {وكان الله على كل شي مقتدرا } وقوله تعالى{ أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون} وقوله تعالى{ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} وقوله تعالى أن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون } إلى غير ذلك من عشرات الآيات التي وردت فيها تلك اللفظة وكانت متمكنة في مكانها افضل تمكن وأقواه ووازن بينها في تلك وبينها في قول المتنبي يمدح كافورا:

· لو الفلك الدوار أبغضت سعيه لعوقه شئ عن الدوران فانك تحس بقلقلها في بيت المتنبي ، ذلك إنها لم توح إلى الذهن بفكرة واضحة، تستقر النفس عندها وتطمئن ، فلا يزال المرء بعد البيت يسائل نفسه عن هذا الشئ الذي يعوق الفلك عن الدوران فكان هذه اللفظة لم تقم بنصيبها في منح النفس الهدوء الذي يغمرها عندما تدرك المعنى وتطمئن إليه،

· ولم يزد مرور الزمن بألفاظ القرآن إلا حفظاً لإشراقها، وسياجا لجلالها، لم تهن لفظة ولم تتخل عن نصيبها، في مكانها من الحسن وقد يقال أن كلمة الغائط من قوله سبحانه{ وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} قد أصابها الزمن فجعلها مما تنفر النفس من استعمالها ولكنا إذا تأملنا الموقف وانه موقف تشريع وترتيب أحكام وجدنا أن القرآن عبر أكرم تعبير عن المعنى وصاغه في كناية بارعة فمعنى الغائط في اللغة المكان المنخفض، كانوا يمضون إليه في تلك الحالة فتأمل أي كناية تستطيع استخدامها مكان هذه الكناية القرآنية البارعة، وان شئت أن تتبين ذلك فضع مكانها كلمة ( تبرزتم أو تبولتم) لترى ما يثور في النفس من صور ترسمها هاتان الكلمتان ومن ذلك كله ترى كيف كان موقع هذه الكناية يوم نزل القرآن وإنها لا تزال إلى اليوم أسمى ما يمكن أن يستخدم في هذا الموضع التشريعي الصريح

 



التعليقات

  1. سلمي علق :

    شكرا على هذه النعمة

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل