وقفة تدبرية في الفرق بين اسجدوا - قعوا له ساجدين – خرّوا سجداً

وقفة تدبرية في الفرق بين اسجدوا - قعوا له ساجدين – خرّوا سجداً

(إعداد صفحة إسلاميات)


يقول الله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿34﴾ البقرة) هذه آية وفي سورة ص قال الله تعالى (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿71﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿72﴾ ص) لم يقل اسجدوا. وفي آية سورة مريم قال الله تعالى (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩﴿58﴾ مريم) وفي سورة السجدة (خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴿15﴾السجدة) فما الفرق بين سجدوا وبين وقعوا له ساجدين وبين خروا سجداً؟ من التأمل في سياق الآيات التي ورد فيها السجود أقول والله أعلم أن التعبير بـ(سجدوا) هذا يدل على سجود اعتيادي كما نسجد في الصلاة، جاء الأمر للملائكة بالسجود فسجدوا مباشرة امتثالًا لأمر الله تعالى وليس في الآية الأولى في سورة البقرة إلا أمر الله تعالى للملائكة بالسجود (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا) وكذلك الأمر في سورة الإسراء (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61)) وفي سورة الأعراف (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)) السياق في أمر الله تعالى الملائكة بالسجود فيسجدوا امتثالًا وطاعة لله سبحانه وتعالى.

في آية سورة ص ذكر الله تعالى تفصيل خلق آدم ونفخ الروح فيه (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿71﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) ونحن نعلم أن الملائكة في شغل دائم وعبادة مستمرة ولكلٍ منهم عبادته فمنهم المسبّحون ومنهم المستغفرون للمؤمنين ومنهم حملة العرش ومنهم الراكعون ومنهم ومنهم... والملائكة لا تفعل أي فعل إلا بأمر الله تعالى لأنها طائعة له سبحانه وتنفذ ما تؤمر به (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم) فكان الأمر الإلهي لهؤلاء الملائكة أن يدعوا كل ما يفعلونه لأهمية الحدث الآخر الذي حدث ويقعوا ساجدين لهذا المخلوق الذي خلقه الله سبحانه وتعالى من طين ونفخ فيه من روحه فالأمر عظيم ويستدعي ترك كل ما كانوا منشغلين به ويمتثلوا لأمر الله تعالى لهم بالسجود (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) والسياق نفسه ورد في آية سورة الحجر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴿٢٨﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٢٩﴾ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٣٠﴾)

أما في آية سورة مريم (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)) وآية سورة السجدة (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15)) فالسجود هنا ليس سجود صلاة اعتيادية وإنما سجود ينتج عن تعظيم لله سبحانه وتعالى لشيء جلل عظيم، ففي آية سورة مريم كان السياق في الحديث عن الأنبياء الذين تتلى عليهم آيات الله سبحانه وتعالى فيتأثرون بها لأنهم يعرفون عظمة الله تعالى وعظمة آياته وكلامه فالانفعال المباشر منهم أن يخرّوا سجّدًا لله تعالى تعظيمًا وتوقيرًا وإجلالا، فهذه ردة فعل طبيعية لكل من وقر الإيمان وعرف قدرة الله سبحانه وتعالى في قلبه وأيقن عظمته وجلاله وقدرته لا بد أنه إذا سمع آيات الله تعالى أو رأى مظاهر قدرته وآياته في الكون أن يخرّ ساجدًا له سبحانه. وكذلك السياق في آية سورة السجدة ولهذا نحن مطالبون بالسجود في مواضع السجدات في القرآن تعظيمًا لله سبحانه وتعالى لذا عندما نقرأ آيات السجدة أو نسمعها من إمام نخر سجّدًا امتثالاً لأمر الله تعالى وتعظيما وتوقيرا وإجلالا. والخرّ هو الهبوط مع صوت من خرير الماء وهنالك فرق بين خرير الماء وجريان الماء بلا صوت، الخرير من شلال نازل بصوت هذا خرّ (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) إما صوت البكاء مع السجود شخص قرأ أو سمع آية يسجد، لكن لو قرأ آية مؤثرة فبدأ بالبكاء وهو يبكي نزل على الأرض هبط بقوة لكي يسجد ولكن مع صوت هذا خرّ ساجدًا. وقد وردت (خَرُّوا سُجَّدًا) ووردت (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) سجدت أجسادهم وقلوبهم وظهر أثر ذلك السجود في أعينهم ففاضت دموعًا وكأن هذه الدموع وهذا البكاء هو صوت خرّهم ساجدين، وقال الله تعالى في آية أخرى (خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا) فكأن قلوبهم وأجسادهم سجدت عندما ذُكّرت بآيات الله عز وجل فسجدت ألسنتهم تسبيحًا لله تعالى.

ووردت خروا سجدا في قصة يوسف عليه السلام عندما رفع أبويه على العرش (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا (100) يوسف) وهذا أمر عظيم أن يرى الأبوان ولدهما الذي حسبوه قد هلك منذ سنين يروه صار عزيز مصر وله ملك وعزة فكانت ردة فعلهم أن خرّوا سجّدا وقد كان السجود تحية في زمانهم وليس هو سجود طاعة.

 

هذا والله تعالى أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل