آية غيرتني - (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الأعراف)

آية غيّرتني - (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الأعراف)

د. رقية العلواني

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

تراحموا

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

يعيش عالمنا اليوم أزمات متعددة فتسمع أزمة في الغذاء وتسمع عن أزمة في الوقود وتسمع عن أزمة في مواد البناء وهكذا، ولكن هناك أزمة حقيقة تعاني منها المجتمعات المعاصرة بشكل عام، صحيح متفاوت ولكن هناك أزمة، هناك أزمة في الرحمة، في التراحم فيما بين البشر، وحين نقول أزمة في الرحمة لا نعني بالرحمة مجرد  الانفعال الخاص الذي يعرض بشكل طارئ على القلب حين يشاهد حاجة إنسان أو فقر محتاج أو ألم طفل، لا، نحن نتحدث عن الرحمة التي تحدث عنها القرآن في مئات المرات، كل سور القرآن تقريبًا لا تخلو من الحديث عن الرحمة والله سبحانه وتعالى كتب على نفسه الرحمة وقال في كتابه العزيز (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الأعراف) وتأملوا معي (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا) سيكتب رحمته سبحانه وتعالى للذين يتّقون وخصّ بالذكر الزكاة، لماذا الزكاة بالذات؟ الزكاة التي هي انعكاس لمفهوم الرحمة بكل معانيها، انعكاس لذلك الخلق المتأصل في النفس الذي يشمل كل أنواع السلوك الفاضل في التعامل مع البشر ليس فقط مع البشر بل مع الكائنات بل مع الوجود بأسره، والله سبحانه وتعالى وصف نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم فقال (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) لكل البشر، لكل الوجود الإنساني، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للوجود الإنساني وغير الإنساني، للوجود الإنساني بأسره، للطيور، للحيوان، للجمل، لكل شيء، فما مرّ بشيء في هذا الكون إلا وأفرغ فيه من جميل رحمته وشمائل تلك الرحمة الفيّاضة التي عُرف بها صلى الله عليه وسلم. ولنا أن نتساءل اليوم ونحن نتحدث عن الرحمة، الرحمة ذات المنزلة الرفيعة في ديننا وفي كتاب ربنا: أين الرحمة في واقعنا الذي نعيش؟! هل بالفعل حلّت القسوة محل الرحمة في بعض علاقاتنا اليومية؟! أين الرحمة على سبيل المثال في ذلك الأب الذي يقسو على أبنائه بدون مبرر؟! أين الرحمة في ذلك التعامل الجاف بين الآباء والأمهات وأبنائهم؟! أين الرحمة في ذلك الجفاء والقسوة بين الرجل وزوجته؟! أين الرحمة في ذلك التعامل القاسي بين المرأة والخادمة في البيت؟! أين الرحمة في ذلك التعامل مع صاحب العمل والشخص الذي يعمل عنده، العامل البسيط المتواضع، أين الرحمة؟! أين دلالات وعلامات الرحمة في كل ذلك؟! أين الرحمة في تعاملنا وسلوكنا مع أبنائنا وبناتنا الطلبة في المدارس؟! أين رجمة المدرّس بتلاميذه؟! أين رحمة الكبير بالصغار؟! أين رحمة الصغار فيما بينهم؟! أين رحمة الطفل الصغير بقطة يراها تجري وتركض في الشارع؟ أين رحمة الصغير بطير نراه في بعض الأحيان يؤذيه ويحاول أن يقتله؟! أين الرحمة؟!! كلنا يشكو بطريقة أو بأخرى بعض مظاهر العنف والقسوة التي باتت تظهر في مجتمعاتنا ولنا أن نتساءل هنا ونحن نرى تلك القسوة والقسوة يقابلها الرحمة، طالما أني بدأت أشكو من مظاهر قسوة فهذا يعني قطعًا أن هناك نقصًا في الرحمة، هذا النقص أحتاج أن أعالجه، هذا النقص أحتاج أن أعيد النظر في منابعه وأن أبحث لماذا حدث ذلك الجفاف في منابع الرحمة في حياتنا؟ هذه الرحمة نحتاج أن نتحدث عنها ونتحدث عن كيفية صناعتها في حياتنا من جديد. الرحمة تصنّع محليًا في قلوبنا وفي مجتمعاتنا وفي بيوتنا، الرحمة لا تستورد من مكان خارجي! الإنسان الذي رُبي في مجتمع أو في بيئة تفتقر إلى الرحمة فلا يمكن بطبيعة الحال أن يكون رحيمًا رؤوفًا بالآخرين، الإنسان الذي يربّى على الرحمة، يربى على العاطفة، على الحنان، يربى على الطيبة والكرم هو الإنسان المؤهل لأن يقدّم الرحمة للآخرين. ولذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لن تؤمنوا حتى تراحموا، وتأملوا الربط بين الإيمان والرحمة، لن تؤمنوا حتى تراحموا، يرحم بعضكم البعض، قالوا يا رسول الله كلنا رحيم، قال إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها الرحمة العامة. فليس المطلوب أن تقصر الرحمة فقط على من تعرف ولا على من أسدى إليك خيرًا أو معروفًا ولكنها الرحمة العامة التي تسع عامة الناس من تعرف ومن لا تعرف، بل تسع البشرية بأسرها. ولذا في الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يرحم الله من لا يرحم الناس، من لا يرحم لا يُرحَم. إذن هو أخذ وعطاء، هو تكوّنٌ وأخذ ورد لذلك الجميل فحين أشكو من مظاهر الجفاف في منابع الرحمة هذا يعني أن هناك خللًا في حياتي أنا، في تعاملي وسلوكي أنا بحاجة إلى أن أعيد من جديد تغذية تلك المنابع، منابع الرحمة ومواردها من جديد. وعلى عكس ما يظنه البعض، البعض قد يتصور أن الرحمة تعني أن أنفق مالًا، الرحمة تعني أن أقدّم شيئًا من الأموال، الأشياء المادية المحسوسة ولكن في واقع الأمر الرحمة أوسع من ذلك بكثير، لا تنحصر في الماديات، الرحمة في الأشياء المعنوية، الرحمة يمكن أن تكون في ابتسامة يرسمها الإنسان على شفتيه في الصباح الباكر أمام من يحتاج إليها، الرحمة يمكن أن تكون تربيتة على كتف من يحتاج إليها، الرحمة يمكن أن تكون كلمة ونصيحة صادقة تسديها لمن هو بحاجة إليها، الرحمة يمكن أن تكون دعوة صادقة بظهر الغيب يكون أخ لك بعيد وربما قريب أحوج ما يكون إليها،الرحمة حين ترى مريضًا في الشارع على سبيل المثال فترفع يديك إلى السماء وتقول: يا رب اكتب له الشفاء والعافية وخفف عنه، الرحمة حين ترى دموع الآخرين فتحاول جاهدًا أن تمسحها، الرحمة حين تشعر بآلآم الآخرين، الرحمة حين تشعر بحاجاتهم ومعاناتهم حتى وإن كانوا في مكان بعيد عنك. والرحمة كما ذكرنا ليست مجرد شعور عاطفي أو انفعال طارئ، الرحمة عمل، الرحمة تبدأ بذلك الشعور النفسي الإنساني الراقي ولكنها تتحول إلى عمل إيجابي. هب أنك رأيت شخصًا يحتاج إلى المساعدة أيكفي أن تقول فقط يا رب ارحمه ويا رب أعنه ويا رب ساعده ولا تمتد يدك لأخذ العون والمساعدة وتقديمها له؟! هذا لا يكفي، العمل الصح العمل الإيجابي هو الذي نتحدث عنه الذي تحركه دوافع النفس النبيلة التي تجعل التراحم صفة وعملة حاضرة في واقعنا وفي بيوتنا وفي مجتمعاتنا. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل