لمسات بيانية في سورة الإخلاص

سورة الإخلاص

*هدف السورة*

سورة مكيّة تتحدث عن صفات الله تعالى الواحد الأحد والمنزه عن صفات النقص وعن المماثلة والمجانسة وقد ردّت على النصارى الذين يقولون بالتثليث وعلى المشركين الذين جعلوا لله تعالى الذرية والصاحبة. وسبب نزولها أن فريقاً من المشركين سألوا الرسول r أن يصف لهم ربه أمن ذهب هو أم من فضة أم من زبرجد أم من ياقوت؟ فنزلت الآية (قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفواً أحد*). وسرة الإخلاص تعدل ثلث القرآن كما في الأحاديث الشريفة كما روي عن النبي r أنه قال: من قرأ (قل هو الله أحد) فكأنما قرأ بثلث القرآن) وقال العلماء لما تضمنته من المعاني والعلوم والمعارف فعلوم القرآن ثلاثة: توحيد وأحكام وقصص وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد فهي ثلث القرآن بهذا الاعتبار لأنها أساس وحدانية الله تعالى وإفراده بالعبادة دون شريك ولا ولد سبحانه عما يقولون ويفترون.

**من اللمسات البيانية فى السورة**

آية (1-2):

*في قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) الإخلاص) لماذا حُذِفت أل التعريف من أحد؟(د.فاضل السامرائى)

نكّر أحد وعرّف الصمد، الله أحد هذا إخبار للمخاطبين كانوا يجهلونه وينكرونه بالنسبة لقريش لا يعتقدون بالتوحيد لأنهم مشركون فهذا إخبار لهم أما الله الصمد فكلهم يعلمون هذا الشيء، الصمد أي الكافي الذي يرجعون إليه إذا احتاجوه هو الذي يكفيهم ويسد حاجاتهم وأسئلتهم الذي يصمدون إليه عند الحاجة، هذا معنى الصمد في اللغة صمد إليه أي توجه إليه وطلب منه الحاجة المصمود إليه هو السيد المتوجَّه إليه.

* ما هو تفسير الآية (قل هو الله أحد) وما الفرق بينها وبين الله أحد أو الله واحد؟ (د.فاضل السامرائى)

 (أحد) إذا لم تضف فيُراد بها عموم العقلاء ومن يصح خطابه، وإذا أضيفت فهي بحسب المضاف إليه نقول أحد الكتب، أحد الأقلام، تكون بحسب المضاف إليه. إذا لم تضف يراد بها عموم العقلاء ومن يصح خطابه فيلزم الإفراد والتذكير (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء (32) الأحزاب). إذن كلمة (أحد) تقع على المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لمن يصح خطابه من العقلاء. كلمة (واحد) تستعمل للعاقل وغير العاقل رجل واحد، قلم واحد، كتاب واحد.

 

* ربما خارج القرآن نقول الله واحد؟

 الآن نحن نفرق بين أحد وواحد من حيث اللغة ثم نأتي إلى السؤال.

* إذن ما فهمناه منكم أن (أحد) إما تستخدم مضافة أو مفردة، إذا كانت مضافة فبحسب المضاف إليه وإذا كانت مفردة للعاقل من يصح خطابه وتكون بلفظ واحد تلزم الإفراد والتذكير؟

 استعمل القرآن كلمة واحد لما يقابل الإثنين والثلاثة (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ (73) المائدة). الواحد يدخل في الأحد أما الأح فلا يدخل في الواحد. إذا قلت الله أحد دلّ على أنه واحد ودلّ أيضاً على الحياة والعلم لأنه خطاب للعاقل، إذا قلت واحد يدل على أنه واحد لكن لا يدل على من يصح خطابه، لم يدل على الحياة والعلم. إذن (أحد )لا تدل فقط على العدد وإنما على الحياة والعلم. أما (واحد) فليس بالضرورة. إذن هذا أمر، إذن (أحد) من هذه الناحية لها دلالة خاصة. (أحد) صفة مشبهة على وزن فعل مثل بطل وحسن، (على صيغة فعل) صفة مشبهة مثل حسن وبطل. أما واحد فلا، واحد هي إسم فاعل. لا شك أن الصفة المشبهة أثبت واقوى من إسم الفاعل. الصفة المشبهة لا شك أقوى وأثبت الواحد تزول وحدانيته إذا كان له نظير كنت واحداً فصرنا اثنين. ربنا سبحانه وتعالى جمع لنفسه الأمرين مرة يقول أحد ومرة يقول واحد بحسب السياق. كما سمى نفسه مرة يقول عالم ومرة يقول عليم، مرة يقول غافر ومرة يقول غفور. أحياناً إذا اقتضى الرد على من يقول اثنين أو ثلاثة يقول واحد وإذا أراد الثبوت أو معنى آخر الحياة والعلم يقول أحد لأن واحد لا تدل بالضرورة على العلم. هم يقولون كلمة (أحد) الواقعة في الإثبات من دون شرط ولا نفي لا تكون إلا لله، يعني لما تقول العرب (هو أحد) لم تُستعمل إلا لله فقط من دون نفي أو شرط ، وإذا قالوا (وإن أحد) يعني أحد من الناس. إذا قلت (هو أحد) لا تقال إلا لله. (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ (6) التوبة) هذه (إن) الشرطية، فيما عدا الشرط والنفي والاستفهام لا تقال في الإثبات. هكذا مجردة من دون إضافة ولا شرط عندما نقول (هو أحد) يعني الله، خاص بالله فقط. إذا قلت فلان لا يقاومه واحد يحتمل أنه يقاومه اثنان. إذا قلت لا يقاومه أحد لا ينصرف الذهن إلى اثنين أبداً. نحن في الدراسات الحديثة عرفنا أن كلمة أحد أقدم من كلمة واحد في الأصل،

* من حيث الاستعمال اللغوي؟

  في الاستعمال اللغوي، في اللغة يعني الأسبق وجوداً، كلمة أحد كلمة قديمة وكلمة واحد لم تكن موجودة وإنما جاءت بعد كلمة أحد. كلمة أحد في اللغة السامية القديمة ليس هنالك واحد، هي أحد تستعمل للأحد والواحد وكلمة واحد اشتقت منها فيما بعد، إذن كلمة واحد مشتقة جديداً وكلمة أحد أقدم.

* ما معنى هذا؟

 استعمل أحد التي هي القُدمى للقديم الذي ليس له كفواً أحد.

* حتى يراعي زمن اللفظ وزمن الاستعمال؟

 مع القِدَم قِدم الله سبحانه وتعالى.

* السؤال الذي يلح على ذهني تقريباً في كل حلقة الكفار كانوا يفهون هذا الكلام ويعونه؟ يعرفون الفرق بين واحد وأحد؟

 طبعاً ويعرفون أكثر منه.

* إذن لماذا لم ينسجوا على مثل القرآن طالما أنهم يفهمون اللغة ويعونها حق الفهم ماذا ينقصهم؟

  إذا كنت تفهم خطبة خطيب أوكلام بليغ أو كلام شاعر هل بالضرورة تستطيع أن تنسج مثله؟ يعني الآن لو أعطيتك قصيدة للمتنبي أو قصيدة للبحتري وتقرأها وتعرف كل معانيها هل بالضرورة لأنك تفهمها تستطيع أن تنسج مثلها؟

* لا، إذن الفهم شيء والنظم شيء آخر. إذن كما يقول الجرجاني الإعجاز يكمن في النظم.

  أنا أذكر كان عندنا أستاذ صار رئيس مجمع علمي فيما بعد رحمه الله كان إذا تكلم نثر وهو رئيس محمد علمي كان الجالسون يقولون له أعِد لجمال كلامه ونحن نعرف أن الشاعر يقال له أعِد أما النثر فلا يقال له أعِد. كان كلامه جميل ومرتب وعباراته في غاية الجمال ليس بالضرورة أننا نفهم كلاماً أن ننسج مثله.

*ما هو إعراب قل هو الله أحد؟ هل (هو) في (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) هو ضمير فصل؟(د.فاضل السامرائى)

أشهر إعراب لها أن (هو) ضمير الشأن مبتدأ أول، و(الله) لفظ الجلالة مبتدأ ثاني، و(أحد) خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول. هناك إعرابات أخرى لكن هذا أشهر إعراب. ضمير الشأن للتعظيم والتفخيم لا يعود على مذكور معين إنما يعني الأمر أو الشأن أو الموضوع، الشأن ما هو؟ الله أحد. الجملة بعده تبين المقصود. لا نفهم منه دلالة محددة وإنما الجملة بعده تفسره.

* ما معنى كلمة الصمد؟(د.فاضل السامرائى)

الصمد تشكيلتها الصرفية من صمد يصمد على وزن فَعَل بمعنى إسم المفعول مثل السَلَب بمعنى المسلوب هي من أوزان إسم المفعول أي المصمود إليه مثل الهَمَل أي المُهمل. صمد بمعنى المصمود هذا الوصف يوصف به الإنسان إضافة إلى أنه يوصف به الخالق مثل رؤوف ورحيم ربنا تعالى وصف بها الرسول r بأنه رؤوف رحيم. الصمد هو السيد المقصود إليه في الحوائج صمد إليه أي قصده، والصمد أيضاً الغني الذي ليس فوقه أحد، الذي لا عيب فيه، من الرجال الذي ليس فوقه أحد هذا من الناحية اللغوية عن الصمد. بمعنى المقصود في الحوائج (الله الصمد) هذا مرتبط بقوله لم يكن له كفواً أحد لو كان له نظير ما كان هو المقصود دون غيره، ومرتبط بالمعوذتين بعد السورة لأن الذي يخاف شيئاً ويحذر يصمد للذي يدفع عنه ويلتجيء إليه. لم يقل المقصود لأن الصمد له أكثر من معنى كما ذكرنا فإذن هو الصمد بكل هذه المعاني ولو قال المقصود لكان معنى واحداً من معاني الصمد فاستعمل كلمة تجمع أكثر من معنى ولم يقيد الصمد بشيء لم يقل المصمود إليه بشيء ولم يقيد الصمد ولم يذكر بأي شيء مقصود حتى يدل على الإطلاق ولو قيّده بشيء سيكون مصموداً إليه بذلك الشيء، ولم يقل المصمود إليه وقلنا أن الصمد بمعنى إسم المفعول لأن المصمود إليه تقال للذي صُمِد إليه ولو مرة واحدة أنت صمدت إلى فلان مرة واحدة تقول مصمود إليه لكن الصمد للإطلاق على وجه الثبوت وفيها تكرار وكثرة الصمود والثبات أما المصمود إليه تقال لمن صمد إليه ولو مرة واحدة فاختار الصمد للدلالة على الثبوت في المعاني الكثيرة.

آية (3-4):

*في سورة الإخلاص لماذا قيل (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) أدخل لم النافية التي تنفي الماضي ولم يقل لن لينفي المستقبل مثل لم يلد ولن يولد؟ لماذا استخدم لم فقط دون لن؟ اللام تنفي الماضي فكيف تدخل على المضارع؟(د.فاضل السامرائى)

اللام تسمى في النحو حرف نفي وجزم وقلْب. النفي واضح والجزم تجزم الفعل المضارع وقلْب تقلب زمن الفعل المضارع إلى ماضي. لم يذهب معناه ما ذهب، لم ولمّا مع اختلاف ما بينهما لكن كلاهما حرف نفي وجزم وقلب. لما تدل على متوقع الحصول لم يحصل بعد (وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14) الحجرات) متوقع أن يدخل، لمّا للحالة القريبة أما لم فمطلقة. حرف جزم وقلب تقلب زمن المضارع إلى ماضي. ما فعل كما يقول سيبويه جواب لـ (لقد فعل)، إذا قلنا هو فعل نفيها لم يفعل، لقد فعل نفيها ما فعل (لقد فعل كأنه قسم) (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ (74) التوبة)، قد فعل نفيها لمّا يفعل. إذن على هذا المنوال من الصعوبة ترجمة القرآن الكريم بهذه الدقة ولكن يمكن ترجمة المعاني فقط، كيف نترجم عالم وعلام وعليم؟ أو مثلاً هو يفعل، إنه يفعل، لهو يفعل، إنه ليفعلنّ، إنه ليفعل كيف تترجمها؟ إنه قادم، إنه لقادم، هو قادم، المعنى العام واحد لكن فيها معاني مختلفة لكن تترجم بنفس الجملة، (وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) يوسف) (إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) يوسف) هما نفس المعنى العام لكن واحدة أقوى من الأخرى لكن كيف نترجمها؟ في اللغات خصوصية استعمال وخاصة اللغة العربية فيها خصائص لا يمكن أن تؤديها أي لغة من اللغات.ذكرت في كتاب الجملة العربية والمعنى أن هناك 18 صيغة في اللغة العربية لكن ترجمتها واحدة في الإنجليزية لم تتغير. حتى في النفي (إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) الأعراف) (وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9) الأحقاف) كل واحدة لها دلالة لكن ترجمتها واحدة. الكتب السابقة لم يتحداهم الله تعالى فيها وإنما تحداهم في القرآن.

*سبق وسألت سؤالاً منذ أشهر حول سورة الإخلاص رب العالمين نفى الماضي ولم ينفي المستقبل فقال لم يلد ولم يقل ولن يلد وقال لم يكن له كفواً أحد ولم يقل ولن يكن له كفواً أحداً فكأنه نفى الماضي ولم ينفي المستقبل؟ (د.فاضل السامرائى)

 

هم رد على من قال إن لله ولداً (أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) الصافات) ولم يقولوا سيلد، هم جعلوهم أبناءاً لله قسم قال (وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا (116) البقرة) وقسم قال (وَلَدَ اللَّهُ) هم لم يقولوا سيلد أو سيتخذ لأن هذا الأمر متعلق بمعبود موجود وليس بمعبود سيأتي فلما قالوا ولد الله قال لهم لم يلد ولم يولد لو لم يكن له كفواً أحد. فإذا قالوا (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ (101) الأنعام) لما لم يكن له كفواً أحد يعني ليس له صاحبة فكيف سيلد في المستقبل؟ فقطعت بهذا، هذه إجابة سريعة ثم نفصل فيها فيما بعد. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل