تدبر سورة آل عمران - 2-الجزء الثاني - د. رقية العلواني

تدبر سورة آل عمران – الحلقة الثانية- الجزء الثاني

 

د. رقية العلواني

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92)) في مقابل أيّ شيء؟ في مقابل أن هؤلاء الذين كفروا لا تُقبل منهم فدية (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ (91)) لإصرارهم على الكفر، إصرارهم على الضلال، إصرارهم على البعد عن الله والإنحراف عن منهجه وعن دعوة الأنبياء. ثم في نفس الوقت توجه الآية 92 (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92))  لماذا ذكر الإنفاق في مقابل هذا؟ للتأكيد أن أهل الباطل سينفقون من الأموال الكثير الكثير لإحقاق الباطل الذي ساروا عليه فأنتم يا أهل الحق، يا أهل الثبات عليكم أن تضحّوا وتقدموا الأموال والأنفس والأرواح لأجل الحق الذي تؤمنون به وعليكم الثبات ولذلك (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92)) وتأملوا وسائل الثبات. بعض الناس يقول أنا على الحق ولكني لست على استعداد أن أنفق شيئًا في سبيل ذلك الحق، ما قيمة أن تؤمن بالشيء ولا تنفق لأجله؟! ما قيمة أن تؤمن بشيء ولا تنصره ولا ترفعه ولا تحاول أن تبذل شيئًا في سبيل إحقاقه؟! لا قيمة له! (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)).

ثم تنتقل بعد ذلك الآيات لتبين نماذج من انحرافات وقعت في أهل الكتب ومنها أنهم حرموا على أنفسهم ما لم يحرّمه الله، شرّعوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله عز وجل افتراء على الله وظلمًا لأنفسهم. ولذلك وقفت الآيات عند قوله (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٥﴾) دعكم من تلك الافتراءات، دعكم من تلك الإدعاءات الباطلة دعكم من ذاك الزيغ وإنما هي الحنيفية والملّة التي جاء بها إبراهيم عليه السلام وكافة الأنبياء. ولذلك حذّرت في الآية 100 جاءت بصريح العبارة في سورة آل عمران بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴿١٠٠﴾) لأي شيء؟ لأجل الكفر الذي يحملونه في قلوبهم، لأجل الزيغ والضلال الذي ارتضوه منهجًا لحياتهم بدلًا عن السير على ما جاء به عيسى وموسى عليهم السلام وإبراهيم وكافة الأنبياء، فإن تطيعوهم إنما سيردوكم بعد إيمانكم كافرين كما وقع معهم هم وكما ردوا أقوامًا من أقوامهم إلى الضلال بعد الهدى، إلى الكفر بعد الإيمان، إلى الباطل بعد الحق، التحذير واضح لأن الإيمان ومصداقية الإيمان: الطاعة والإتباع. الإيمان ليس مجرد كلمات تقال، الإيمان اتباع، الإيمان طاعة، الإيمان منهج، الإيمان التزام، الإيمان ثبات، الإيمان أن يأمرك الله فتسير على ما أمر به، الإيمان أن ينهاك الله عن شيء فتتوقف عنه أما أن أشهد أن لا إله إلا الله وأن أشهد أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق ثم آتي إلى الواقع وأطيع فلان وأطيع فلان في شيء من الأشياء وفي أمر من الأمور وأنسى المنهج الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في واقعي وحياتي فهذا لا يمتّ إلى الإيمان بشيء، هذا يجعل إيماني مجرد ادّعاء، مجرد افتراء، وهذا لا ينبغي أن يكون ولذلك مصداقية الإيمان الاتباع والطاعة، مصداقية الإيمان السير والالتزام والثبات على المنهج الذي يحدد لك ذاك الإيمان.

 

ولذلك الآيات التي بعدها سلسلة من الآيات تحذّر المؤمنين من الوقوع في ذلك الشَرَك، من الوقوع في الازدواجية في المعايير التي حصلت مع طائفة من أهل الكتاب يقولون آمنا بأفواههم ولكن أفعالهم شيء آخر، يقولون نتبع عيسى بالقول ولكنهم يخالفونه في كل شيء، تلك الازدواجية التي كشفتها سورة آل عمران، لا ازدواجية عند المؤمن، لا نفاق، المؤمن واقعه يصدّق إيمانه، تصرفاته وسلوكه تصدّق ذاك اليقين الذي يحمله وهذا معنى الثبات (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٠١﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) تجديد في الثبات، الآيات بعد الآية 100 تشدد على المؤمنين في مسألة الثبات على الحق وتؤكد لهم ذلك (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) تنهى عن الفرقة وتأمر بجمع القلوب وتأمر بتوحيد الصفوف وتأمر بجعل الكلمة كلمة واحدة ثابتة لا مرجعية ولا تراجع عنها. ومن أين يأتي التفرّق؟ تفرّق القلوب يأتي من هوى النفس أما التوحيد فلا يأتي إلا بوحدة الصف والاعتصام بحبله. ولذلك جاءت كلمة (وَاعْتَصِمُوا) تمسّكوا بذاك الحبل، اعتصموا به ينجّيكم. التمسك بالتوحيد والاجتماع وجمع القلوب والتأليف بينها منجاة، منجاة للمجتمع، منجاة للأمة من الانهيار (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) وصنوان تلك الوحدة وتلك المشاعر وعدم التفرّق الذي لا يقبل به دين، صنوان ذلك أن يكون منكم أمة تدعو إلى الخير وإلى الحق، القيم، ترفع القيم عاليًا، تعلي من شأن القيم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتأملوا الآية (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٤﴾ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٥﴾) عدم فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تخلي الأفراد والمجتمعات والأمم عن دورها في حماية القيم، في حماية المكتسبات الإيمانية التي حققها التوحيد، تخلّي الأفراد والجمتمعات عن تلك القيم وعن حمايتها يؤدي إلى الفرقة، يؤدي إلى التشتت، يؤدي إلى انهيار وحدة الأمة ووحدة المجتمع. وحين يحدث ذلك لا سمح الله فلن يكون هناك إلا العذاب والخسارة العذاب دنيوي وأخروي. وشتى أنواع العذاب وأشكال العذاب الدنيوي ما قد يراه الإنسان في المجتمعات من تمزّق الأسرة الواحدة وتفرّق كلمتها والنزاع والخصومة بشتى أنواعها ووقوع اوالقتل والحروب والدمار على لا شيء، لِمَ حدث ذلك كله؟ حين تخلّت الأمة عن أوامر ما جاء في كتاب الله، وماذا جاء؟ جاء التوحيد والأمر بالوحدة، جاء بالتوحيد والأمر بوحدة الصفّ ولا يتحقق الأمران إلا بفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيقه في واقع الحياة. من حق الفرد الذي يؤمن بالله ربًا أن يحمي ذلك المكتسب في قلبه، يحميه بكل ما لديه من وسائل الحكمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وخيرية هذه الأمة ي حفاظها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذلك جاءت الآيات (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) بأي شيء يا رب؟ (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110)) والمعروف ما عرّفه الله لنا في كتابه: القيم، الحق، العدل، التسامح، الرحمة بالبشر دون تفرقة بينهم، دون فوارق مفتعلة افتعلها الشيطان وهوى النفس وافتعلتها التحزّب والعنصرية والطائفية دون تلك العوامل التي افتعلها الشيطان وهوى النفس. تلك العوامل التي تجعل القيم السماوية التي جاءت بها كل الأديان اليهودية والنصرانية والإسلام قيم تباع وتشترى بأهواء النفوس. القرآن جاء ليُعلي تلك القيم من جديد ويؤكد أن دعوة الأنبياء واحدة إلى التوحيد وإلى العدل وإلى الحق، الدعوة واحدة ولذلك ليست الأديان هي التي تفرق بين البشر بل أهواء النفوس هي التي تفرّق بينهم. الأديان جاءت بهذه الدعوة (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (64)) التوحيد يوحد بين القلبو، يوحّد بين الأمم والجماعات المختلفة، تلك القيم العظيمة التي جاءت بها تلك الكتب السماوية وجاء بها القرآن العظيم ودعا أهل الكتاب إليها فخاطبهم وقال لهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ (98)) لم تكفرون بتلك القيم؟ لم تكفرون بالعدل وهو صُلب ما جاء به أنبياؤكم من قبل؟ لمَ تكفرون بها؟! هوى النفس!. ولذلك لا محافظة على تلك القيم إلا من خلال حمايتها وكيف تتحق الحماية دون أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؟ كيف لها أن تتحقق؟! ولذلك جاءت الآيات في نفس السياق (وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿١١٠﴾) إذن هو الإيمان وفريضة الأمر بحمايته والنهي عن المنكر عن كل ما يخالف تلك المبادئ والقيم الظلم ظلم سواء أوقعه مسلم أو غير مسلم والعدل عدل سواء أكنت تطبقه مع مسلم أو مع أحد يخالفك في دين أو غيره، هذه قيم لا يختلف عليها البشر، هذه قيم جاءت بها الكتب السماوية وعلمني عليها القرآن. ولذا جاءت الآية التي بعدها (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴿١١١﴾) أعداء الحق، أعداء القيم، أعداء العدل، أعداء الأديان لن يضروكم في شيء، هذه تحديات ومن واجب المؤمن أن يثبت على تلك التحديات مهما بلغت صعوبة تلك التحديات فهم لن يضروكم إلا أذى (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴿١١١﴾) الباطل لا يُنصر، الحق هو الذي يُنصر والباطل لا تُكتب له أبدًا مكاسب الفوز، الحق هو الذي يفوز ولكن كل ما هو مطلوب من البشر أن يثبتوا على الحق الذي يؤمنون به، يثبتوا أمام التحديات يثبتوا أمام الشدائد والصعوبات والمحن يدافعوا عنها بأموالهم وأرواحهم، هذا هو الثبات الذي تبنيه سورة آل عمران. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل