تدبر سورة آل عمران - 2- د. رقية العلواني

تدبر سورة آل عمران – الحلقة الثانية-1

د. رقية العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. نكمل في هذه الآيات من سورة آل عمران تلك السورة العظيمة التي تعلّم الناس الثبات على الحق، السورة التي تقدّم لنا وسائل الثبات، السورة التي تعطينا نماذج ممن ثبتوا على الحق، عاشوا عليه وماتوا عليه. السورة في هذا الجزء من الآيات تقدم نماذج من الثابتين نماذج ممن اصطفاهم واختارهم الله عز وجل من الأنبياء والصديقين وهؤلاء الأنبياء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى إنما اختارهم بعلمه السابق سبحانه وتعالى لما في هؤلاء من مواصفات ومؤهلات، هؤلاء الأنبياء الذين قال عنهم (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾) والسورة في أول نموذج تعرضه للثابتين على الحق تعرضه في سورة امرأة، امرأة عادية امرأة عمران ولطنها امرأة سمت وارتقت بآمالها وأهدافها وطموحاتها. امرأة حملت بجنين فجعلت ذلك الجنين مشروع رسالة بالنسبة لها هذه العملية الطبيعية عملية الحمل حمّلتها تلك المرأة معاني وقيم جديدة، هذه المرأة امرأة عمران توجهت بكلّها لله متضرعة إليه أن يجعل ما في بطنها الذي نذرت به أن يكون محررا من كل التكاليف ومن كل الأعباء ليتفرّغ لخدمة بيت المقدس وعبادة الله وحده، مشروع. ولنا أن نتوقف ونحن نتحدث عن مناهج التربية وعوامل التربية ومؤسسات التربية وكيف يتربى الناس على الثبات وكيف يتربى الطفل من صغره على أن يكون إنسانًا صاحب مشروع، صاحب رسالة، صاحب شعور بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه، كيف يتربى على تلك المعاني؟ امرأة عمران منذ أن حملت بمريم جنينًا في بطنها غرست تلك المعاني، توجهت لله سبحانه، دعته سبحانه والدعاء حاضر في سورة آل عمران في كل المواقف ليبين لي أن من أعظم وسائل الثبات الدعاء لله سبحانه وتعالى. قلب المؤمن ذاك المؤمن الذي يثبت على الحق قلب معلق بخالقه قلب متيقن أن الأسباب وكل ما في الأسباب لا يفعل فعله إلا بإرادة الله وقدرته قلب مدرك بأن جوهر ما يقوم به من أعمال ومن تصرفات في حياته، جوهر هذه الأعمال الاخلاص وصدق التوسل لله سبحانه وتعالى. ولذلك هذه المرأة العظيمة دعت ربها قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾) هذه المرأة وُجهت بتحدي باختبار صعب أنها وضعتها أنثى وكان المتعارف عليه في مجتمعها أن من يتفرغ لخدمة بيت المقدس ولعبادة الله يكون ذكرًا ولا يكون أنثى ولكن هذه المرأة العظيمة ما تخلّت عن حلمها ما تخلت عن هدفها ما تخلت عن مشروعها توجهت من جديد لخالقها، بعد أن وضعتها أنثى والمسألة ليست مسألة تمييز بين ذكر وأنثى المسألة مسألة ظرفية تاريخية اجتماعية كانت تعيشها تلك المرأة توجهت من جديد لله سبحانه وقالت (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿٣٦﴾) فماذا كان جزاء ذلك الثبات الذي كان في قلب امرأة آل عمران؟ ماذا كان جزاء ذاك اليقين؟ ماذا كان جزاء ذاك التوجه والسمو والرقي في الآمال والطموحات؟ مشروع الولادة الذي أصبح معتادًا وهو معتاد جدًا في كل أنثى وفي كل امرأة، مشروع طبيعي جدًا، كيف استطاعت تلك المرأة أن تحوله إلى مشروع قيَمي، مشروع هادف، مشروع حياة، مشروع رسالة من خلال إيمانها وثباتها ويقينها بالله عز وجل؟ ماذا كان الجزاء؟ (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) هذا القبول كان جزاء للثبات فالجزاء من جنس العمل. كلما ازددت ثباتًا على أوامر الله كلما ازداد في قلبك الرسوخ واليقين بأمر الله بما أمرك الله سبحانه وتعالى كلما ازددت اقبالاً وصدقًا عليه سبحانه كلما ازددت إخلاصاً وتيقنًا بما عنده سبحانه كلما زادك الخالق وأقبل عليك بالنعم والمنح والعطايا كلما فتح عليك الأبواب وأمامك الأبواب من حيث لا تحتسب هذا قانون من القوانين الذي تضعه سورة آل عمران.

هذا القانون العظيم جاء لكفالة مريم عند زكريا النبي العابد المتبتل لربه تكفلها زكريا قام برعايتها قام بتربيتها وتأديبها، تلك الفتاة التي نشأت في أروقة العبادة والطهر والعفاف هذه الفتاة ضربت المثل في أشياء كثيرة، ضربت مثلاً حتى لزكريا الذي تكفل برعايتها. زكريا عليه السلام كان يقوم برعايتها وهذه همسة في أذن الآباء والأمهات وأولياء الأمور: التربية ليست مجرد تزويد بالحاجات المادية من طعام وشراب وملبس وإرسال إلى المدارس، التربية متابعة، التربية مراقبة، التربية شيء متواصل رعاية متواصلة لا تنقطع عن ذاك الطفل لا يمكن أن تنقطع بحال، فزكريا لاحظ أنه كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا من فواكه وأشياء ما كانت موجودة في ذلك الموسم في ذاك المكان وفي ذاك الزمان، وحُقّ له أن يتساءل عن مصدر ذلك الرزق وهذه أيضاً وقفة تربوية لا بد لولي الأمر أن يتابع أبناءه، لا بد لولي الأمر أن يعرف من أين (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا) لا بد، مهما كانت الثقة، المسألة ليست مسألة ثقة المسألة مسألة متابعة، المسألة مسألة شعور بالمسؤولية، المسألة مسألة تكفّل، كلمة كفالة كلمة شاملة كلمة تشمل كل أونواع الرعاية الوجدانية والعاطفية والشعورية كل أنواع الرعاية وأشكالها، وقد قام بها زكريا عليه السلام. ولكن هذه الفتاة أجابت إجابة أيقظت أمنية قديمة مرّ عليها وقت طويل في قلب ذلك النبي زكريا عليه السلام (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٧﴾) زكريا كان قد حُرم من نعمة الولد وكانت زوجته عاقر ووقف وثبت أمام ذاط الابتلاء ولكن زكريا النبي يعرف تمامًا أن الله هو مسبب الأسباب يدرك تمامًا أن الأسباب حين تنقطع يبقى مسبب الأسباب سبحانه لا ينقطع الأمل ولا الرجاء فيه. زكريا يدرك تماما أن الله هو مسبب الأسباب، يدرك تمامًا أن بيده الأمور كلها، يدرك تماماً أن بيده مقاليد كل شيء وأنه يقول للشيء كن فيكون قوله الحق، يدرك تمامًا ولكن تلك الكلمة من مريم كانت في وقتها، أثارت في نفسه تلك الأمنية من جديد فتوجه لخالقه سبحانه وتأملوا من جديد الإنسان المؤمن لا يشعر أبداً وهو متيقن مدرك أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وحين تتوق نفسه لشيء لا بد أن يسمو في ذلك الطموح وفي ذلك الأمل ولذلك تذكر الآيات في سورة مريم أن طموح زكريا في الولد ورغبته في الولد ما كانت مجرد رغبة مادية أن أجد من يحمل اسمي أو يكون امتدادًا لاسمي، ما كانت لأجل نفسه ولأجل ذاته وهو شيء مشروع تعارف عليه البشر، البشر يرغبون بالولد لأجل أن يكون امتدادًا لهم ولاسمهم، لأجل أن يكون عونًا لهم حين يحتاجون إليه، نصرة، تأييد، ولكن زكريا عليه السلام يضرب مثلًا جديدًأ كذاك المثل الذي ضربته امرأة عمران في الطموح والآمال حيث يقول (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴿٦﴾ مريم) وراثة الأمانة، حمل أمانة التوحيد والرسالة، أن يكون ذاك الولد امتدادًا لأبيه في حمل تلك الأمانة أمانة الدعوة لله سبحنه والتفرغ لعبادته. تلك الأمنية العظيمة التي تتسامى وترقى فوق آمال وأمنيات البشر الذين حوّلوا مسألة إنجاب الأولاد إلى شيء طبيعي جدًأ وذاك الشيء الطبيعي ما عاد له إطار وما عاد له هدف وما عاد له طموح فيولد الولد أو البنت دون أن يحمل الأب أو الأم مشروعًا معينًا أو حلمًا معينًا في ذهنه فيكبر الولد أو البنت على ذاك اللامشروع فلما يطالب بعد ذلك بأن يكون له مشروع لا يعرف أن يكون له مشروع. أما في الحالة التي تقدمها سورة آل عمران، في حالة مريم أو في قصة زكريا في كلا الحالين المسألة واضحة في كلا الموقفين المشروع واضح تمامًأ المشروع عبادة الله سبحانه، المشروع مد الرسالة وحمل الأمانة، هذا المشروع العظيم  فينمو الطفل على تلك الأمانة، على تلك المشاريع العظيمة والأهداف الراقية ويعلَّم عليها منذ الصغر. ولذلك زكريا عليه السلام توجه فقال (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٨﴾) وكما كانت الإجابة في موقف امرأة عمران كانت الإجابة في موقف زكريا عليه السلام الله سبحانه أرسل إليه البشرى، الرب الذي أحسن الظن به وتيقن بقدرته، الرب الذي تضرع إليه، الرب الذي لجأ إليه الرب الذي افتقر إليه أعطاه، من أقبل بقلبه لله مستغنيًا به عن كل أحد وعن كل سبب أغناه الله بلا سبب. أنا آخذ بالأسباب المطلوبة مني كما شرع الله لي ولكن علي دائمًأ أن أتيقن وأن أستحضر ذلك اليقين في حياتي أن الله هو مسبب الأسباب وأن الأسباب لا تعمل عملها إلا بإذن من مسبب الأسباب وأن الأسباب حين تتوقف وتنقطع لا ينبغي لي كمؤمن أن أقطع أملي ورجائي بمسبب الأسباب، لا عليّ من الأسباب حين تنقطع، عليّ من وصل الصلة من مسبب الأسباب الذي لا ينقطع منه الرجاء ولا ينقطع منه الأمل سبحانه القادر على كل شيء (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴿٤٠﴾). والتوجّه في كل الأحوال بذاك القلب المؤمن لله ذكرًا ودعاءً وتسبيحًا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴿٤١﴾). المؤمن الذي يريد الثبات عليه أن يديم ذكر الله عز وجل بقلبه ولسانه وجوارحه. أنا أريد الثبات، كيف أثبت إلا على شيء قد اتصلت به وتعلقت به. أريد أن أثبت على أوامر الله عليّ أن أصل صلتي وأقويها بالله سبحانه وتعالى وأعظم صلة ذكر الله سبحانه (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) الأنفال) (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) البقرة) أدِم ذكر الله عز وجل

ثم تنتقل الآيات بعد ذلك لعرض موقف مريم الثابت، مريم الصديقة، مريم الفتاة الطاهرة، مريم التي نشأت في أجواء العفاف والطهر، مريم التي ضربت أروع الأمثلة في ذلك. مريم تعرضت لامتحان وابتلاء شديد صعبوكذلك أصحاب الرسالات، ما من صاحب قيمة ولا رسالة ولا مشروع إلا وكان سنة الله في خلقه أن يتعرض للابتلاء والامتحان. والثبات يعلّم الإنسان المؤمن كيف يثبت في وجوه الخطوب والمحن يثبت فلا تحدي ولا تزيغ به التحديات والخطوب ولا تميل به الصعوبات والشدائد، ثابت، راسخ. هذه المرأة كانت تتولى نفسها وقلبها بالذكر والابتهال والقنوت والركوع والسجود لله سبحانه فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل وأن يبشرها بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم. والآيات في سورة مريم تصف موقف مريم، تصف حالة مريم الإنسانة وما أصابها من الخوف والهلع والقلق والشدة والضيق إلى الدرجة التي قالت (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴿٢٣﴾ مريم) هذه مريم الإنسانة، طبيعي جدًا أن الإنسان حين يتعرض لمحنة تبدأ عوامل القلق والخوف في نفسه، عوامل الضعف البشري الإنساني المعتاد الذي لا شيء فيه ولكن الثبات يأتي هنا تمامًا ربي سبحانه وتعالى أمر أمرًا فتلك الفتاة التي كانت تديم الركوع والسجود بين يديه عليها أن تديم الامتثال لأمره وطاعته حين يبتلي وحين يأمر بأمر فكان ذاك. (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٤٧﴾) ترسّخت تلك الحقيقة في قلب مريم فما كان منها إلا ما يكون من المؤمن الثابت التفويض وتسليم الأمر لله الواحد الأحد ألا له الأمر من قبل ومن بعد سبحانه. سلّمت أمرها لله وجاءت قومها وهي تحمله وتحمل معه الثبات في قلبها واليقين وتدرك تمامًأ ما ستواجَه به من قبل قومها من اتهامات ومن افتراءات وتطاول عليها وهي الطاهرة العفيفة المبرّأة من كل سوء، امتحان صعب! ولكن اليقين الذي كان في قلبها والإيمان جعلها تثبت، جعلها تقف صامدة أمام كل تلك التحديات فجاءت به بمنتهى الشجاعة. جاءت  لتواجه المجتمع، جاءت لتواجه الأهل والناس والأقارب والعشيرة وما كان ذلك سهلاً عليها! ولكن الثبات واليقين بالله سبحانه وتعالى سهّله عليها. كلما كان الإنسان مليء القلب بالثبات والرسوخ لأمر الله واليقين به وحسن الظن به كلما فتح الله أمامه الأبواب المغلقة كلما سهّل عليه الشدائد والصعاب كلما جعل تلك المحن تنزل على قلبه وكأنها منح وعطايا وكان ذلك الأمر في مريم. وكان ذاك الجزاء أن جعلها الله وابنها آية للعالمين وأنزل فيها القرآن الذي يُتلى وأنزل فيها كل تلك الآيات البينات جزاء الثبات، جزاء اليقين، جزاء الامتثال لأوامر الله. والوقفة رائعة، العبادة والقنوت والركوع والسجود والتفرغ لعبادة الله لا بد أن يكون لها ما يصدّقها في الواقع من الثبات حين تشتد الخطوب وتتوالى على الإنسان الابتلاءات. الإنسان معرّض والركوع والسجود وذكر الله زاد المؤمن في المحن، زاد المؤمن الذي يمدّه بطاقة إيجابية، زاد المؤمن الذي يمده بقوة لا يفهمها الكثير من البشر يتعجبون لحاله كيف يثبت والمحن تتوالى عليه كيف يثبت؟! إنما يثبته الله (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (27) إبراهيم) وكذلك في الآخرة.

ثم تنتقل الآيات لتعرض نموذج عيسى النبي، عيسى عليه السلام، عيسى الذي أحيط بكمّ مهول من المكائد والدسائس والخطط والابتلاءات فما كان منه إلا أن ضرب نموذجًا آخر من نماذج الثبات والرسوخ على الحق وكذا كل الأنبياء. ما جاء الأنبياء ليدعوا الناس لشيء في ذواتهم أو أنفسهم، ما جاؤوا لحاجة مادية، ما جاؤوا ليرفعوا أسماءهم عالية ولكنهم جاؤوا ليرفعوا كلمة التوحيد عالية (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٥١﴾) الكلمة التي جاء بها كل الأنبياء، الكلمة التي ثبت عليها كل الأنبياء الكلمة التي جاء بها الأنبياء للناس ليجعلوا من الحق والعدل قيمة عليا والحق لا يمكن أن يترفع بأناس لا يثبتون عليه. الله قادر على أن يرفعه بقول كن فيكون لكن الله سن للبشر سنن وقوانين ومن تلك السنن أن يكون للحق وللعدل وللقيم وللصدق آل وأناس يدافعون عنه، أناس على استعداد لبذل المال والنفس في سبيله، في سبيل أن يرتفع عاليًا وقد أدرك عيسى تلك المعاني ولذلك سورة آل عمران تعرض نماذج من البشر العاديين ليسوا من الأنبياء ولكنهم ثبتوا ولذلك يأتي لاحقًا (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (146)) ثبات أمام التحديات والشدائد والمحن والكروب، هذا الثبات كيف يُصنع؟ توجه عيسى عليه السلام لما أحس من قومه المكائد والكفر (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) عيسى عليه السلام يدرك أن الله ناصره لكنه أراد أن يؤسس أن الحق لا بد أن يكون له من أناس ينصرونه بأرواحهم (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٥٢﴾) هذه الفئة من البشر نصرت الحق، دافعت عنه لماذا أراد عيسى أن يؤكد هذه المعاني؟ الإنسان في الحياة مهما امتد به العمر سينقطع فكل نفس ذائقة الموت ولكن الحق ممتد وباقي، أمر الله وتعاليمه باقية ولا بد أن يكون لذلك امتداد ولا بد للنبي وأتباع الأنبياء وأصحاب الحق أن يحمِّلوا من بعدهم الرسالة، رسالة الأمانة، رسالة التوحيد والقيم والحق والعدل، لا بد أن يعلموا هؤلاء من يحملوا بعدهم ذاك الهمّ أن الحق غالي، أن الحق يدافع عنه بالأرواح أن الحق تبذل في سبيله التضحيات ليحق الله الحق بكلماته ويقطع بعد ذلك دابر الكافرين والظالمين المناهضين للحق وقيم العدل. ولذلك عيسى عليه السلام الذي أحيط بكمّ من الكروب والمحن ما هزته الشدائد ولا غيّرته الدسائس ولا المكر ولا الكيد ولا المحن ولا الصعوبات، فالله يمكر له (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴿٥٤﴾). كانت النتيجة أن الله سبحانه وتعالى رفعه إليه، أن الله سبحانه وتعالى جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا، جعل أنصار الحق والعدل والقيم الذين ثبتوا على ذلك فوق الذين كفروا وهذه قاعدة وقانون: من يثبت على الحق والعدل لا بد أن الله يرفعه لا بد أن الله ينصره. وليس النصر فقط في الدنيا وإنما في الآخرة ويوم القيامة. أما أولئك الكفرة، أولئك الذين يبيعون ويشترون بالحقّ وبالعدل وبالقيم فأولئك لا خلاق لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة وما لهم من ناصرين. هذا هو الحق، هذه هي الرسالة العظيمة التي جاء بها عيسى عليه السلام تسوقها آيات سورة آل عمران في سياق الحوار مع أهل الكتاب وقد جاء في تلك الآيات اللاحقة والخطاب يبدأ بالتوجه للنبي صلى الله عليه وسلم (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿٦٠﴾) النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في التفاسير في أسباب نزول الآيات التي تبدأ بالحديث عن حوار أهل الكتاب جاءه وفد من نصارى نجران فحاورهم وأعطى كل تلك الآيات والدلائل ليُظهر الحق ليس لأجل أن يغير قناعات أحد فالإنسان مسؤول عن قناعاته وقراراته ولا إكراه في الدين، ولكن الغاية الأولى والأساس من الحوار مع أهل الكتاب ومع غيرهم إظهار الحق وليس حمل الناس على الحق فليس المطلوب من المؤمن أن يحمل الناس أو يُكرههم على الحق وإنما المطلوب منه أن يُظهر ذلك الحق بالحوار والحكمة والموعظة الحسنة ثم يترك للناس حرية الاختيار في اتخاذ القرار وفي كل الأحوال يضرب المثل الأعلى والأسمى في الثبات على ذاك الحق مهما كلفه الثمن.

ولذلك تنتقل الآيات في الحديث عن قصة عيسى عليه السلام وكيفية تغيّر أهل الكتاب من بعده وكيفية الافتراءات التي تمّت حول رسالة عيسى عليه السلام ومناقشة ذلك كله، ولذلك جاءت الآيات بقوله سبحانه وتعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا) المباهلة (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴿٦١﴾) هذا هو الحق، دعونا نجعل كل الأوراق واضحة ونتحاور على هذا الحق والحوار الذي تطرحه سورة آل عمران يتبيّن آية بعد آية أن المسألة ما كانت مسألة حق وباطل وإنما ما منع بعض أهل الكتاب عن الحق إنما هو هوى النفس الذي نتج عنه التعصّب والعنصرية للذات الذي منعهم من اتباعك يا محمد صلى الله عليه وسلم ما كان اتباع الحق، ما كان هو لأجل أنهم يعلمون بأنك لست على الحق، أبدًا! كان هوى النفس الذي ولّد عندهم التعصب والنفور من دعوتك خشية أن يتبعوك ويدعوا اتباع القوم والتعصب والعنصرية. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴿٦٣﴾ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ولنا أن نقف هنا: القرآن كتاب تُخاطَب به الأمم التي تؤمن به، كيف تكون الآيات في سورة آل عمران في عدد من المواضع موجهة توجيهًا مباشرًا لأهل الكتاب؟! (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) هذا القرآن رسالة عالمية، هذا القرآن يضع على عاتق المؤمنين به وأتباعه رسالة تبليغ الأمانة لهؤلاء القوم: تعالوا يا أهل الكتاب لدينا آيات موجهة توجيهًا صريحًا لكم أنتم، الآيات واضحة (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) كلمة التوحيد (وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) تأملوا الموقف! التوحيد، ومن مقتضيات ذاك التوحيد والتوجّه الخالص لله أن أتبرأ ممن سواه بمعنى أن لا يشرِّع لي أحد من البشر مهما بلغ، لا يشرّع لي رجل الدين ولا يشرّع لي الكهنة ولا يشرّع لي الرهبان ولا الأحبار ولا يُتخذ من دون الله أربابًا فالرب هو الواحد الأحد الذي يشرّع هو الذي يُحلّ ويُحرّم، هو الذي يُعبد ولا يُعبد أحد من دونه سبحانه. قاعدة أساسية، لماذا جاء ذكر هذه القاعدة الأساسية في بدء الحوار مع أهل الكتاب؟ لأن ذلك ما وقع على وجه الحقيقة سواء بين النصارى أو بين اليهود ما وقع أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله يُحلّون ويحرّمون ويشرعون لهم باسم الدين، هذا المبدأ مبدأ مرفوض في كتاب الله عز وجل فحق التشريع لله سبحانه وحده ألا له الحكم وهو سبحانه أحكم الحاكمين. هذا التشريع لا يمكن أن يكون إلا لله سبحانه وتعالى هذه الحقيقة لا بد أن تستقر في القلوب وبالتالي حين يصبح لرجال الدين من أي ديانة من الديانات مصالح معينة أهواء، أغراض، لا ينبغي للإنسان المؤمن العادي أن ينساق وراء تلك الأهواء ولا وراء تلك الدعوات باسم الدين وباسم أنهم من يأتونه بالدين، فالدين دين الله والشرع شرع الله والكلام كلام الله واتباع رجل الدين لا يكون بمعصية الله سبحانه وتعالى لا يكون رجل الدين إنسان متحكم في في تسيير الشعوب ولا في تسيير الأمم وفق أهوائه ورغباته ومصالحه الشخصية، لا يكون ذلك أبدًا ولذلك سورة آل عمران أوضحت منذ البداية هذه الحقيقة لأن رجال الدين في اليهودية والنصرانية البعض منهم هم من لعبوا ذاك الدور فكانت النتيجة أن ضلّت أقوام نتيجة لذلك الاتباع الأعمى، لذلك التقليد الذي لم يقم على دليل ولذلك الآيات توضح وتبيّن الحق لأجل أن يُتّبع، تبين الحق لأجل أن يتحمل الناس مسؤولية الاختيار، مسؤولية القرار، مسؤولية من يتبعون ولم يتبعون، مسؤولية مراجعة الحسابات، مسؤولية مراجعة المعتقدات السابقة والأفكار، مسؤولية مراجعة النفس والوقفة الجادة في قضية الإيمان والتوحيد، مسؤولية كبيرة وخطيرة يضعها القرآن على عاتق كل إنسان.

هذه المسؤولية تنتقل آية بعد آية لتؤكد بأن الولاء والانتماء لا يكون لأفراد ولا لأشخاص ولو كان هؤلاء الأشخاص صفوة الخلق من الأنبياء، الولاء والانتماء يكون للدين، الولاء والانتماء يكون للتوحيد، الولاء والانتماء يكون للشريع الذي جاء به الله سبحانه وتعالى والأنبياء ومن بعدهم رجال الدين، هؤلاء جميعًا إنما يحملون أمانة توصيل الرسالة ولكن الانتماء لا يكون لهم كأشخاص، ألغت سورة آل عمران تلك الفوارق والحواجز لتقطع دابر العنصرية والتعصّب. (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٦٥﴾) لا تجادل بأشياء باطلة وتأملوا كيف سورة آل عمران تقدم أدلة وعناصر في الحوار الجاد المثمر الحوار الجاد لا بد أن يكون قائمًا على أسس واضحة، أسس علمية. ابراهيم عليه السلام كان سابقًا على اليهودية والنصرانية من الناحية التاريخية ومن الناحية الزمنية فلِمَ تحاجّون، لِمَ تريدون أن تخضعوا كل شيء لأهوائكم، لِمَ تأتون إلى الحق بأفكار مُسبقة تريدون أن تُخضعوا الحق لها؟ الحق لا ينبغي أن يُخضع لآراء مسبقة، الحق يُخضَع له ولا يخضه هو لشيء، الحق لا يُخضع لأهواء ولذلك أتت الآية بقرار في محاجة أهل الكتاب (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾) أبو الأنبياء، أبو الحنيفية السمحة ما كان من المشركين، كان موحدًا وهكذا كل الأنبياء ولذلك أولى الناس بإبراهيم ليس من يدّعون الانتساب له من يهود وغيرهم، أولى الناس بإبراهيم الذين يتبعون ما جاء به إبراهيم عليه السلام، أولى الناس بالأنبياء الذين اتبعوا دعوة الأنبياء، أولى الناس بجميع الأنبياء ليسوا من ادّعوا التعصب لعيسى عليه السلام أو لموسى أو لأنبياء بني إسرائيل عليهم السلام جميعًا وإنما من اتبعوا ما جاء به هؤلاء الأنبياء، دعوة التوحيد (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٨﴾) الأولوية في الاتباع ليست بالنَسَب وتأملوا كيف القرآن في سورة آل عمران قطع أواصر الانتماء، قطع أواصر العنصرية والانتماء التعصب للأشخاص وللذوات وجعل الانتماء الحقيقي الحق الواحد للدين وللتشريع ولله وحده لا شريك له. أولى الناس بإبراهيم ما أصبحوا من يمتدون له بصلة النسب والقرابة المباشرة، أولى الناس بإبراهيم الذين ساروا على دعوته ودعوة الأنبياء. سِرْ على دعوة الأنبياء سر على تعالميهم وما دفعوا أرواحهم ثمنًا له لتكون أولى الناس بقرابهم وصحبتهم وولايتهم. ولذلك الآيات في سورة آل عمران توضح السبب وراء امتناع الضالين من أهل الكتاب عن اتباع الدعوة الجديدة، دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، السبب واضح التعصب هوى النفس الذي قادهم للعنصرية وللتحزّب ولأشكال مختلفة ولعدم قبول ذلك الدين. المسألة ليست مسألة دعوة، ليست مسألة عدم قناعة، المسألة يا محمد صلى الله عليه وسلم ليست مسألة عدم قناعة أهل الكتاب بدينك أو بما جئت به بل هو التعصب وهوى النفس، وما من داء أعظم في لنفس من هواها وشرُّ إله يُعبد هوى النفس الذي يقود لكل شر الذي يبرر لأصحابه الخطأ بعد الخطأ، الذي يبرر لأتباعه الباطل ويزينه في قلوبهم، الهوى هوى النفس.

ولذلك فئة وطائفة من أهل الكتاب وتأملوا في عظمة القرآن وإعجاز القرآن وكيفية تعليمه لأهله العدل والإنصاف بشكل عملي (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ليس كل أهل الكتاب، إن كان طائفة من أهل الكتاب قد ظلموا فأنت لا يمكن أن تظلم، إن كان طائفة من هؤلاء لا يؤمنون بك فالمطلوب منك أن تؤمن ولا يمكن أن يكون التعامل فيما بيننا وفق قيمهم هم بل وفق القِيَم التي جاءت في كتاب الله عز وجل. لا يهمك أهل الباطل وكيف يتعاملون فيما بينهم ولا كيف يتعاملون معك، أنت عندك قيم، أنت عندك مبادئ، أنت عندك أسس وضعها كتاب الله عز وجل لا ينبغي لك أن تحيد عنها ولذلك يعلمني الإنصاف حتى في الكلام عن أهل الكتاب (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (69)) ليس كل أهل الكتاب على حد سواء، أنت مهما كان انحرافات البعض منهم لا ينبغي لك أن يدفع بك الهوى والتعصّب والعنصرية لأن تنظر إلى كل الفئة أو الطائفة أو أصحاب الدين بمنظار واحد. لا يحق لك ذلك، لا ينبغي لك، أنت تؤمن بالله أنت تؤمن بمبادئ القرآن والقرآن حرّم الظلم وحرّم التعميم حرّم أن تعمم الأحكام على شعوب أو على طوائف فيقال الشعب الفلاني كذا، النصارى كذا، اليهود كذا، أبداً، طائفة فريق أمة فرقة ولكن لا تعمم لأن التعميم ظلم والظلم قد حرّمه القرآن بشتى صوره وأشكاله وأنواعه.

ولذلك تنتقل الآيات في تذكير لأهل الكتاب آية بعد آية (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)) ولا بد أن تتوقف عند كل ذلك ونحن نقرأ آيات قرآنية موجهة توجيهاً مباشراً بهذه الصيغة صيغة النداء (يا أهل الكتاب). القرآن رسالة عالمية، القرآن كتاب تخاطَب به كل شعوب العالم وكل أمم العالم ومسؤولية المسلمين أن يقوموا بإيصال رسالته. (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ (71)) تبدأ الآيات تعرض صورًا وأشكالًا جديدة من التحديات تحديات خارجية وتعلّم المؤمن كيف يثبت أمام تلك التحديات وتكشف ظلال تلك التحديات وإيقاع تلك التحديات، كتمان الحق، التردد (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)) التذبذب في المواقف، هذا تحدي خارجي ولكن تذبذب الأطراف الأخرى لا ينبغي له أن يسوقك نحو التذبذب والتزعزع والزيغ والضلال، عليك الثبات على الحق. ولذلك نَقَل الكلمة أو العبارة (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ (73)) تلك العبارة التي تجسّد العنصرية والتعصب في أقوى صوره وأشكاله، تعصب (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) المسألة ما كانت مسألة حق وباطل عند أهل الكتاب، المسألة من يتبع الدين ومن يخالف؟ هذا التعصب الأعمى، هذه العنصرية التي ألغتها آيات سورة آل عمران لتجعل من الحق رائداً للقيم وللعدل وللثبات. (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) الهدى هدى الله والدين دين الله والشرع شرع الله والحق ما جاء به الله والباطل ما جاء به الشيطان وهوى النفس.

ثم تنتقل بعد ذلك الآيات لتعزز قيمة العدل والإنصاف في نفسي وتستل من قلوب المؤمنين وأتباع هذا القرآن العظيم كل مسحة من مِسَح الظلم، تمسح، تستل، لا تجعل في قلبك شيئًا ولو ذرة من الظلم للآخرين مهما اختلفوا معك (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا (75)). إذاً لا تنظر ولا تجحِف في النظرة إليهم على حد سواء لا بد أن يكون هناك تفرقة، لا بد أن تعامل الناس بمعيار العدل والحق ولا تعاملهم بمعيار التعميم ولا تعاملهم وكأنهم بشر على طائفة وعلى قلب واحد، منهم الأشرار ومنهم الأخيار، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك كانوا طرائق، الناس طرائق، الناس مشارب مختلفة حتى وإن انتموا لدين واحد، حتى وإن كانوا يدينون بدين واحد أو ينتمون إلى حزب واحد أو إلى طائفة أو ما شابه مما تعارف عليه الناس. القرآن يعلمني الإنصاف القرآن يعلمني العدل حتى في الكلمة التي أقولها، لا تعمم. ولذلك جاء بعد ذلك في نهاية الآيات لتعيب على بعض أهل الكتاب ما قالوه وخاصة اليهود (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) لا يهمنا من خالفنا، نسرق منهم، ننهب منهم، نصادر أموالهم وحياتهم لا يهم (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) ولكن هذا المبدأ مبدأ مرفوض في القرآن، لماذا؟ لأن القرآن يعلمني أن أكون أميناً مع من ائتمنني ومن أمَّنَنِي سواء أكان خائناً أم كان أميناً، هذا ما يعلمني عليه القرآن. القرآن يعلمني أن أمارس الأمانة بمطلقيتها، القرآن يعلمني أن أمارس الأمانة بإطلاق لا أفرق بين الناس، أنا أمين سواء أكان ذاك الذي أتعامل معه أمين أم خائن لا يهم ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم "أدِّ الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك". ولكن مقولة تلك الفئة من الذين تاجروا بدين اليهودية والنصرانية كانت مخالفة لما عليه القرآن (قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)) إذاً ما هو المبدأ الذي يضعه القرآن أمامي؟ (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)) الوفاء بالعهود، قيم القرآن العظيمة الوفاء، الوفاء مع الجميع، الوفاء كقيمة مطلقة لا تحدّها مع من أتعامل، هكذا يعلم القرآن أتباعه، هكذا يربي القرآن من يسير عليه، هكذا القرآن ينقض تلك المواثيق الجائرة التي جاء بها البشر جراء اتباعهم للهوى وللتعصب وللعنصرية. لا عليك من ظُلم من يخالفك، مبدأ رفضه القرآن، لا عليك من الوقوع في ظلم من يخالفك، مبدأ مرفوض تماماً لا يقبله القرآن (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).

ثم تقدّم لي الآية وتؤكد المعنى من جديد لماذا تخلى هؤلاء عن تلك المبادئ التي جاءت في اليهودية وفي النصرانية؟ لأنهم اشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، باعوا تلك القيم والمبادئ التي لا يختلف عليها الأنبياء ولم يختلف عليها أحد من العقلاء، باعوها بأي شيء؟ بثمن قليل. باعوها لأجل مصالحهم الشخصية، باعوها بعنصريتهم، باعوها بتعصبهم الأعمى باعوا القيم وتاجروا بها فكيف سيكون الجزاء؟ (لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)).

ولذلك تنتقل بعد ذلك الآيات الآية الثامنة والسبعين لتبين لي شكلًا من أشكال التحريف الذي حدا بهذه الفئة من رجالات الدين في اليهودية والنصرانية (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) يتاجرون بآيات الله، يحرّفون الكلم عن مواضعه، يبيعون ويشترون بقيم الكتب الأخرى التي جاء بها الأنبياء قيم العدل والحق ولذلك القرآن يقولها بصريح العبارة (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) انحراف ما كان يمكن أن يسوق إلا إلى الضلال والزيغ ولذلك آيات سورة آل عمران بدأت بالدعاء (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً (8)) الزيغ، أنا أعرف الحق وأرى الحق أمام عيني ولكني أنحرف عنه، لِمَ أنحرف؟ اشتروا به ثمناً قليلاً باعوا وتاجروا والقرآن يضع على أتباعه وعلى أكتاف الناس مسؤولية التخلص من داء الإتباع الأعمى والتقليد الأعمى والتعصّب لبعض رجالات الدين ممن أوقعوا الناس في ما أوقعوهم فيه من الظلم والبعد عن قِيَم الحق والعدالة، هذا هو القرآن ولذلك برَّأ ساحة الأنبياء جميعًا عليهم السلام (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ (79)) هذه ما كانت دعوة عيسى عليه السلام، عيسى عليه السلام ما دعى إلا إلى عبادة الله الواحد الأحد، هذا ما دعا إليه عيسى عليه السلام وموسى من قبله وكل الأنبياء.

(وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا (80)) تأملوا كيف يعالج القرآن انحرافات أهل الكتاب، هذه ليست أوامر عيسى عليه السلام، عيسى عليه السلام ما أمركم أن تكونوا بهذه الصورة من الكفر والشرك والبعد عن الله (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)) هذه ليست دعوة عيسى عليه السلام بل دعوة جميع الأنبياء والميثاق الذي أخذه الله عليهم أن يناصروا الدعوة الجديدة، دعوة محمد صلى الله عليه وسلم امتداد لدعوة الأنبياء التي ختم الله بها الرسالات السماوية ولذلك أعلنها القرآن (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)) هذا ميثاق الأنبياء، هذا ما جاء به الأنبياء. إذاً يا أهل الكتاب لِمَ لا تتبعون دعوة الحق التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم إن كنتم بالفعل تحبون عيسى عليه السلام؟! إن كنتم بالفعل تحبون موسى وإبراهيم وسائر الأنبياء منكم لِمَ لا تتبعون ما جاءوا به لما لا تسيرون على ما أمروا به؟! هذا ما أمروا به، لمَ لا تسيرون عليه؟! ما الذي منعكم من أن تسيروا على ذاك الميثاق؟! ما الذي جعلكم تزيغون وتنحرفون؟! لا توجد إجابة إلا هوى النفس والتعصب للذات والبيع والشراء والمتاجرة بالدين والعنصرية والخشية من أن يأخذ هذا النبي واتباعه الجاه، جاه النبوة وجاه القيادة، التعلق بالدنيا من جديد. ما كان الحق هو الذي يحرك تلك النفوس من رجالات الدين عند أهل الكتاب، ما كان الحق هو الذي يحركهم، ما كان العدل، ما كانت القيم وإنما كان هوى النفس والتعصب للذات وحب الدنيا الذي تحدث عنه القرآن هو الذي يحرّكهم. وفي المقابل يعلمني القرآن أما وأن الإنحراف قد وقع في وسط هؤلاء فإن كانوا لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم فنحن لا يكتمل إيماننا إلا بإيماننا بجميع الأنبياء، إن لم يؤمنوا بمحمد نحن نؤمن بعيسى وموسى (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)) فالتفرقة بين الأنبياء وبين دعوة الأنبياء كفر وضلال وباطل، تلك التفرقة التي أوقعها بعض رجالات الدين في اليهودية والنصرانية، هذا ليس بإيمان لماذا؟ لأن تلك التفرقة تريد أن تجعل الولاء والإنتماء للأشخاص وليس للتوحيد ولا لله الواحد الأحد، والأديان كل الأديان جاءت لتجعل الدين لله الواحد (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ (3) الزمر). (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ) أعلنها واضحة يا محمد صلى الله عليه وسلم أعلنها واضحة، كُفْر من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يبرر لي أن أكفر بأحد من الأنبياء ولا أن أفرق بينهم، أبداً! وتطاول من يتطاول على نبينا صلى الله عليه وسلم لا يبرر لي أن أتطاول وأتجاوز على أحد الأنبياء عليهم السلام. اُنظر إلى الحق، اُنظر إلى الثبات، هنا يبرز الثبات قيمة الثبات قيمة الثبات على القيم، قيمة الثبات على المبادئ إيماني لا يكتمل إلا أن أؤمن بعيسى وموسى ويعقوب واسحاق وسائر الأنبياء، إيماني لا يكتمل، إيماني ناقص، وعلي أن أثبت مهما بلغ حجم التحديات أواجَه بها من بعض فئات الباطل من أهل الكتاب لا ينبغي أن أحيد عن ذلك ولا أزيغ عنه. ولذلك جاءت الآيات التي تليها لتهز معنى صورة التفرقة بين الأنبياء، معنى الضلال، معنى الزيغ والإنحراف، معنى أن يضع الله سبحانه للإنسان طريقاً للهدى أمام عينيه ولكنه يأبى إلا الضلال (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ (86)) الهداية نعمة من الله عز وجل صحيح ولكن الإنسان لا بد أن يؤهِّل نفسه أن يكون موضعاً ومحلاً لهداية الله. كيف يؤهل نفسه؟ حين يُعرض عليه الحق يقبله وحين يُعرض عليه الباطل لا يقبل به ويرفضه، هذه من مؤهلات الهداية حتى يصبح قلبي أهلاً وموضعاً لهداية الله عز وجل. أما أن أرتضي الضلال بعد الهدى، أما أن أرضى بالباطل يحكم في حياتي بعد أن رأيت الحق هذا زيغ، هذا انحراف عاقبته أن (اللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، عاقبته (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)) لماذا؟ لأنهم كفروا بعد إيمانهم. لأن المسألة ما كانت مسألة اختيار، المسألة كانت مسألة زيغ وضلال وانحراف ومحاولة لزرع ذلك الضلال والإنحراف وهذه قضية لا يقبل بها القرآن، ولذلك ربي قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)) الضالون الذين يتعّوذ المؤمن منهم مرات ومرات في سورة الفاتحة حين يقول (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) الفاتحة) هذا هو القرآن، أولئك هم الضالون (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) من هم؟ (الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا (90)) الذين ابتغوا الباطل بعد أن رأوا الحق والعمى واستحبوه بعد أن رأوا الهداية، الذين أضلوا بأعمالهم، أضلوا الآخرين، الذين باعوا واشتروا بقيم الحق والعدل وقيم الدين الذي جاء به كل الأنبياء. ولذلك هؤلاء لا تُقبل منهم فدية ولذلك هؤلاء لا يُقبل منهم عمل، تلك الإنحرافات الحقيقية والإفتراء على الله عز وجل وعلى أنبيائه لا يمكن أن تبقي بعد ذلك محلا للقبول.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل