تدبر سورة آل عمران - 1- د. رقية العلواني

تدبر سورة آل عمران - الجزء الأول

د. رقية العلواني

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اليوم نبدأ بثاني الزهراوين، اليوم نبدأ بالسورة التي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بتعلّمها فقال: "تعلّموا القرآن فإنه شافعٌ يوم القيامة، تعلّموا البقرة وآل عمران، تعلّموا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صوافّ يحاجّان عن صاحبهما.

اليوم حديثنا عن سورة آل عمران، حديثنا عن السورة التي فيها آية قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم "ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٠﴾)". اليوم حديثنا عن السورة التي تدافع عن صاحبها ونحن كنا قد بدأنا في الحديث عن سورة البقرة وقلنا أنها تحاجّ وتدافع عن صاحبها وسميت مع آل عمران بالزهراوين. هذه السورة العظيمة التي بين أيدينا تعلمنا الثبات. سورة البقرة علمتنا الهداية، أعطتنا وسائل الهداية، أوضحت المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه الإنسان ليسعد في حياته وفي آخرته. سورة البقرة علمتني كيف أؤمن، علمتني كيف أحرر قلبي ونفسي من القلق والخوف والهلع وأتخلّص من الأوهام وأعيش حرًا مؤمنًا طليقًا بقدر ما يختلج في صدري الإيمان والتوحيد. سورة البقرة أبانت لي دقائق المنهج في التعامل مع الله سبحانه وتعالى في التعامل، في العبادة، في الصلاة، في الزكاة، في البيع، في الشراء، في الزواج، في الطلاق، في القصاص، في الوصية، في الميراث، في كتابة الدَين، في كل صغيرة وكبيرة، بالتفاصيل. ثم جاءت السورة التي تليها مباشرة في ترتيب المصحف سورة آل عمران. هذه السورة العظيمة المقصد الأساس منها أن تثبتني على منهج الحق، على منهج الهداية ولذلك ليس هناك معنى كبير أن يهديني الله سبحانه وتعالى ثم -والعياذ بالله- أنتكس وأزيغ عن طريق الهداية ولكن الخير العظيم أن يهديني ربي سبحانه فأثبت على ذلك الطريق، طريق الحق، طريق الهداية. ولذا هذه السورة العظيمة حوت العديد من الأدعية التي تبيّن معنى التضرع لله عز وجل كما في بدايتها حين يقول المؤمن (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴿٨﴾) هذه الأدعية وتلك الابتهالات لله عز وجل تعكس خوف المؤمن والقلق الذي يصيبه من الزيغ، من الفتن، من الانتكاس والإنحراف عن طريق الهداية ومنهج الحق الذي ثبتته سورة البقرة في قلب المؤمن ولذلك كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك" الثبات، المحور الأساس الذي تدور حوله سورة آل عمران، السورة التي تدافع عن صاحبها بقدر ما يثبت في قلب صاحبها الإيمان بما جاء فيها وتطبيق ذلك المنهج والإيمان.

السورة بدأت كما بدأت سورة البقرة (الم) وبدأت كما بدأت سورة البقرة بالدعامة الأساس في قلب المؤمن "ثبات وهداية" عن طريق أيّ شيء؟ التوحيد. قضية المؤمن الأساسية هي التوحيد، السورة تثبت التوحيد. وسورة آل عمران لم تقف عند قضية التوحيد فحسب بل عرضت للمؤمن العديد من الأمور والوسائل والتحديات التي يمكن أن تعرض له في طريق الحياة، تحديات فكرية، تحديات منطقية، تحديات متعلقة بالعقيدة والدين والتوحيد، تحديات نفسية، تحديات داخلية، تحديات خارجية، صراع مع فئات معينة في المجتمع وفي واقع الحياة والسورة بعظمة الآيات التي جاءت فيها أوضحت للمؤمن السلاح الحقيقي الذي يمكن له أن يواجه بالتسلح به كل تلك التحديات والصعوبات، ما تركت المؤمن هَمَلًا وإنما أوضحت له التحديات وأنواع التحديات والسُبل التي يمكن من خلالها أن يواجه تلك التحديات. والعظيم – والقرآن كله عظيم – أوضحت السورة في بداياتها كيفية مواجهة التحديات المتنوعة، داخلية، خارجية، عقائدية، فكرية، نفسية، كل أنواع التحديات أوجزتها في الآيات الأول من السورة ثم فصّلتها في منتصف السورة جاءت بأشكال، جاءت بمواقف بعض هذه المواقف وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه وأوضحت كيفية التعامل مع تلك التحديات، واقع، تاريخ، ولكن هذا التاريخ الذي تعرضه سورة آل عمران أنا بحاجة إليه اليوم وأنا أقف مواقف متعددة متنوعة وأربط من خلالها ما يقع لي بأنواع تلك التحديات التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هذا في منتصف السورة، أشكال من التحديات وكيفية مواجهة التحديات ولم تكن السورة – كما سنأتي عليها في عرضها - تروح بالمؤمن إلى جو من المثالية بعيدًا عن الواقع، إطلاقاً، القرآن يعالج خلجات النفس البشرية الإنسانية بواقعية وليس بمثالية، يواجه الخلل، يواجه الضعف ويعلّم الإنسان كيف يتغلب على نقاط الضعف الموجودة عنده، يعترف بوجود الضعف البشري الذي لا يمكن أن لا يعترف به الإنسان ولكن في نفس الوقت يعلم المؤمن المتبني لنهجه وآياته كيف يتعامل مع ذلك الضعف، كيف يترفع على الدنايا، كيف يترقي بنفسه، كيف يسمو بأخلاقياته لأجل أن يثبت على منهج الحق ومنهج الهداية.

ثم جاءت خواتيم السورة بعد ذلك لتبين الخلاصة، الوصفة الموجزة لكيفية مواجهة التحديات وما بين البداية وما بين النهاية تأتي بنماذج من الأنبياء والصديقين والمؤمنين الذين ثبتوا على المنهج رغم كل التحديات التي واجهتهم في حياتهم. تأتي بنموذج مريم عليها السلام، تأتي بنموذج عيسى عليه السلام، تأتي بنموذج النبي صلى الله عليه وسلم والأصحاب الذين ثبتوا في المعارك والشدائد والصعوبات، تأتي بنماذج متعددة لتبين للمؤمن، المؤمن الذي يريد أن يتعلم سورة آل عمران ويجعلها في حياته، في واقعه نبراسًا نورًا يضيء له الطريق ولذلك سميت البقرة وآل عمران الزهراوين تنير، تضيء الطريق للمؤمن، كيف تضيء الطريق؟ التحديات والصعوبات والمحن والشدائد بطبيعتها تذهب بلُبّ الإنسان في كثير من الأحيان تخرجه عن إطار القرار السليم تأتي بأشكال وأنواع من الظلمات والقرآن جاء ليبدد الظلمات بالنور، نور الإيمان، نور القرآن جاء ليحرر الإنسان من الخضوع لتلك الظلمات ولتلك المحن وينير له الدرب والطريق وسورة آل عمران أوضحت ذلك في العديد من آياتها.

بدأت السورة العظيمة بقضية التوحيد والتي كما ذكرنا في مواضع سابقة قول جميل لابن القيم: ما من آية في كتاب الله إلا وتدعو للتوحيد. القضية الكبرى، القضية الأساس، القضية التي لا يمكن أن أسير في الحياة بدونها. وكنا قد ذكرنا سابقًا أن التوحيد ليس مسألة نظرية، ليست شفوية، ليست كلمات تقال وإن كان ذاك جزء منها ولكن منهج عمل، منهج حياة، دستور أسير عليه في حياتي ولذلك التوحيد يقوى ويضعف التوحيد يحتاج في قلب المؤمن أن يتجدد وتجديد التوحيد أن يقول الإنسان بصدق ويقين لا إله إلا الله مستحضرًا أن لا مشرِّع له في حياته إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا ما تتحدث عنه سورة آل عمران من البداية.

(الم ﴿١﴾ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾) وتأملوا الربط بين هذه الآية وآية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾) من هو ربك الذي تعبده؟ من هو الرب الذي تدين له قلباً وقالبًا في حياتك؟ من هو الرب الذي أسلمتَ له كل شيء في حياتك؟ من هو الربّ؟ (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قائم على كل شيء سبحانه. ولذلك أول آيات السورة تعرّف المؤمن بربه عز وجل من خلال عرض صفاته وهذا الرب القائم على كل شيء في مملكته ومنهم البشر والناس ما تركهم دون منهج (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) هذا الكتاب، القرآن الذي بين يديك، المنهج، القرآن شافع لأصحابه الذين يتعلمونه ويعملون به، الذين يتلون آياته آناء الليل وأطراف النهار ويطبقونها ويسيرون عليها في حياتهم. (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) المنهج وهذا المنهج ما جاء هكذا من فراغ جاء (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿٣﴾ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) الآيات في بداية سورة آل عمران تعترف وتقدم للبشرية الكتب السماوية السابقة التي أنزلها الله على عباده، التوراة والإنجيل، كلها ما نزلت إلا لتكون هداية للبشرية، ما نزلت لأجل أن تفرّق، نزلت لأجل أن توحّد، نزلت لأجل أن تعلم الناس كيف يعيشون وكيف يتعاونون وكيف يصلون بالحق إلى المسار الذي ينبغي أن يصلوا إليه. وتأملوا الربط والصفة هنا للقرآن (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) والفرقان ومنذ تسميته هذه يعني أنه يفرق بين أمرين متضادين، يفرق بين الحق والباطل، يفرق بين الضلال والهدى، يفرق بين النور والظلام، فرقان وصفه ربي بأنه فرقان.

ثم تتوالى الآيات لتبين خصائص هذا القرآن العظيم ومواصفاته ولماذا هو منهج ولتبين وتعرِّف الناس بالربّ الذي أنزل هذا المنهج، الذي لا يخفى عليه شيء (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ﴿٥﴾) ليجعل الإنسان يستلّ كل ما يمكن أن يخالج سرّه فيطهّره وينقيه ويصفّيه فليس ثمة شيء تخفيه على الله عز وجل يعلم كل شيء، لا يخفى عليه شيء وبالتالي عليك أن تراقب الله في السر كما تراقبه في العلن لأنه لا يخفى عليه شيء. وبالتالي الثبات الذي نتكلم عنه الذي هو محور سورة آل عمران الأساس قضية قلبية قضية تبدأ بالقلب أولًا فعليّ أن أثبت الإيمان والتوحيد في قلبي وأتأكد من ذلك وأراقب الله عز وجل في ذلك الثبات.

ثم جاءت الآيات التي تصف القرآن أن هذا القرآن العظيم (مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) كتاب مُحكم مُتقن، متقن في صياغته، متقن في أحكامه، متقن في تشريعاته، كله على السواء ولكن منه آيات متشابهات هذه الآيات المتشابهات نزلت لأجل أن تكون اختبار ابتلاء للمؤمن التمسك بهذا الكتاب العظيم ماذا يفعل تجاه تلك الآيات التي قد لا يتضح المراد منها، ماذا يفعل الإنسان؟ يرد المتشابه إلى المحكم هذا حين يكون الثبات والهدى منهج متمرس متكرس في قلبه وهنا صفة رائعة وخلق ينبغي أن نضعه دائماً نصب أعيننا ونحن نأتي إلى القرآن: لا تأتي إلى القرآن وفي قلبك غاية سوى أنك تريد أن يهديك هذا القرآن إلى سواء السبيل لا تأتي للقرآن بغاية أخرى، إذا جئت للقرآن بغايات مختلفة تثبت رأياً شخصيًا أنت تدين به، تحاول أن تقوي وجهة نظرة معينة، كل هذه الأنواع من الغايات غايات فيها زيغ فيها انحراف لا بد أن يتخلص الإنسان منها. هذا القرآن من الشروط التي ينبغي أن تضعها أمامك لكي تهتدي به ولكي تطلق لقلبك العنان أن يهتدي بنوره أن تأتي إليه وأنت راغبٌ متضرعٌ إلى الله عز وجل أن يهديك به تقتبس منه الهداية تقتبس منه الشفاء. (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أما أولئك الذين يأتون إلى القرآن بأفكار منحرفة، بغايات منحرفة فهؤلاء لا يمكن أبدًا أن يتنبهوا إلى هذه الحكمة الإلهية وإلى الاختبار الذي جعل في القرآن محكم ومتشابه بل يبدأون بمحاولات التأويل الفاسد، المحاولات الفاسدة التي لا يمكن أن تزيد الضالين إلا ضلالًا، أما المؤمن فلا تزيده تلك الآيات إلا هدى وثباتًا ورسوخًا. ولذلك ختمت الآية السابعة في الحديث عن المحكم والمتشابه في القرآن (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٧﴾) أولو الألباب حاضرون بشكل واضح في سورة آل عمران ولنا أن نتساءل لماذا؟ محور السورة الثبات على الحق والهدى لا يمكن أن يحدث ثبات على منهج الحق والهدى دون تبصر، دون تفكر دون تذكر، دون القيام بمستوى العمليات العقلية التي تؤكد للإنسان أن عليك أن تثبت على الحق الذي تؤمن به مهما بلغت التحديات الموجودة أمامك، مهما كان حجم التحديات لأن عادة الحق وأهل الحق أن يُبتلوا في الدنيا بشتى الابتلاءات بالخير بالشر هذه طبيعة الحياة، هنا تأتي أهمية الثبات. لا يمكن أن يكون ثبات بدون أن يكون هناك إنسان يتعقّل يتفكّر يتدبر وأولو الألباب أصحاب العقول الكبير، أصحاب البصائر الذين جاء ذكرهم كثيرًا في سورة آل عمران لأن بدون هؤلاء وبدون تلك العمليات العقلية لا يمكن أن يحصل ثبات على منهج الحق أمام كل التحديات أمام كل المغريات التي يمكن أن تمر بالإنسان في واقعه وفي حياته، لا تخلو الحياة البشرية من صعود ومن نزول ومن ابتلاءات ومن محن، كيف تثبت أمام كل تلك التحديات إن لم يكن لديك عقل وتكون من أصحاب الألباب والعقول الكبيرة التي تنظر إلى الأمام تنظر إلى العواقب تحاول أن تستحضر النتائج قبل أن تضع أقدامها على هذا الطريق أو ذاك، تفكّر، تدرس، تنظر إلى الأمور من جوانب وزوايا مختلفة نظرة استراتيجية، أصحاب عقول ليسوا أناسًا تحركهم العاطفة والوجدان فقط وتحركهم ردود الأفعال، لا، سورة آل عمران تعيد صياغة الإنسان المؤمن الثابت، تعطيه مواصفات، تعلّمه كيف يكون ثابتًا، كيف يكون راسخًا، لا يمكن أن يكون هناك ثبات ورسوخ دون أن يكون هناك تبصّر وتعقّل وتفكّر. ولذا من أبرز وأهم مواصفات هؤلاء أولو الألباب الدعاء والتضرع والتوجه لله عز وجل فكيف يكون ذلك؟ أول الآيات بدأت بالتوجه لله (ربنا) وهذا كلام أولو الألباب، كلام أصحاب العقول الكبيرة (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) الزيغ أي الانحراف عن الحق الميل عن الحق وهو مرض يقع في القلب أولًا ثم ينعكس على تصرفات الإنسان وسلوكه وسورة آل عمران تعالج مرض الزيغ، لماذا سورة آل عمران تعالج الزيغ؟ لأن الزيغ نقيض الثبات والسورة محورها الثبات ونقيض الثبات الزيغ والإنحراف عن الحق فكان لا بد أن تعالجه. فأول سلاح يتسلح به أولو الألباب سلاح الدعاء التضرع لله عز وجل. علينا أن نستحضر وندرك أنت مهما كنت ومهما بلغت درجة الإيمان في قلبك والتوحيد إياك أن تتصور أنك تؤمن وتثبت على الحق دون رحمة الله عز وجل ومشيئته ولذلك أنت أولى بالضرع إليه أن يحفظ قلبك، أن يحفظ عليك إيمانك، توحيدك ولذا النبي صلى الله عليه وسلم وهو النبي صلوات ربي وسلامه عليه كان يكثر من هذا الدعاء "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" كان يدرك ويريد أن يعلم أمته خطورة الزيغ خطورة تقلب القلب وتقلب أحواله أمام المغريات أمام التحديات أمام الابتلاءات أمام الدنيا التي يعيش فيه فكان التمسك بالدعاء والتضرع به والاحتماء واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى أن يا رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، أعظم دعاء، أعظم سلاح أعظم طريقة وأول طريقة لمواجهة التحديات أن تدعو الله ليل نهار متضرعًا إليه (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) من أعظم رحمات الله عز وجل أن يهديك أن يعطيك أن يثبتك أن لا يزيغ بقلبك يميناً وشمالاً، هذا أعظم دعاء.

ويأتي مع الدعاء الخطوة الثانية التي تقدمها سورة آل عمران - ذكرنا في البداية - السورة في البداية أوجزت سبل مواجهة التحديات في وسط السورة بدأت بمواقف التحديات، مواقف، صور، أشكال من التحديات واجهها كثير من الناس مريم عيسى عليهم السلام النبي صلى الله عليه وسلم أشكال من التحديات وتفصيل كيفية المواجهة حسب الموقف ثم ختمت بما بدأت به وأضافت عليه وسائل جديدة لمواجهة التحديات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾) –كما سنأتي عليها في مكانها - ولكن في هذا الموضع من البداية الدعاء (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿٩﴾) استحضار الآخرة الوسيلة الثانية. اجعل الآخرة دائمًا حاضرة في قلبك هذا يخفف عليّ أثر التحديات يخفف عليّ حجم النظرة التي أعطيها للتحديات التي تواجهني، الدنيا كبرت أو صغرت زادت ابتلاءاتها أو قلّت هي في النهاية ستنتهي أنا أؤمن أنها مجرد مرحلة وقتية وبالتالي لا أعطيها أكبر من حجمها فلا يذهب قلبي فرحًا ولا حزنا يبقى قلبي ثابتًا لأني مؤمن أن ربي جامع الناس ليوم لا ريب فيه، عليّ أن أعدّ العدة.

ثم تنتقل الآيات بعد ذلك لشيء آخر لنموذج من أناس لم يدركوا حقيقة الدنيا وحقيقة تحدياتها زاغوا فأزاغ الله قلوبهم نموذج آل فرعون، فرعون إنسان أُعطي من القوة وهذا تحدي من القوة والسلطان والجاه والمال والمنعة ما جعله يطغى ويستعلي على الآخرين فكيف كانت عاقبة هذا الفرعون؟ أولو الألباب أصحاب العقول الكبيرة تعطيهم سورة آل عمران وسيلة أخرى لمواجهة التحديات وكيفية الثبات على المنهج والهداية: النظر في أحوال الأمم السابقة ولنا أن نفهم وأن نستحضر السورة نزلت على الجيل الأول جيل التلقي من المسلمين كانوا يرون أمام أعينهم كفار قريش اليهود النصارى وفد نجران الذين جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم كانوا يروا قوى الباطل من حولهم وهذا تحدي كبير لأن المؤمن في حياته معرّض لأن يرى الباطل وهو منتشي يرى الباطل في قوة يرى الباطل فيه مال فيه جاه فيه سلطان فيه أناس يعززونه ويتحالفون معه هذا تحدي كبير كيف يثبت أمام هذا التحدي؟ تأتي الآيات في سورة آل عمران فتثبته (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) كل الذين كفروا في صف واحد في خانة واحدة سبقهم ولاحقهم أولهم وآخرهم ميتهم وحيّهم كلهم في خانة واحدة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴿١٠﴾) لا يزيغ قلبك أمام ما تراه من أموال ولا من قوة ولا من جاه ولا من منعة ولا من سلطان ولا من تحالفات لقوى الباطل الفاسدة لأنها لن تغني عنهم شيئًا، انتهى الموضوع. ويعطيك المثال الأول (كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) هذا مثل واحد ولكن المؤمن يربط المؤمن ينتقل من شيء إلى آخر هكذا يعلمني لقرآن، آل فرعون كانوا نموذجًا وربما النماذج اللاحقة التي لحقت بآل فرعون ربما لم تبلغ ما بلغه الفرعون من قوة ومنعة ولكن النتيجة واحدة ولذلك جاء الكلام (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٢﴾) إذن أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم وأنت تواجه تحديات الكفار والمشركين وقريش واليهود وغيرهم قل لهم (سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ) من أين جاءك هذا اليقين وهذا الثبات من الذي أخبرك بهذا؟ الرب الذي علمك في القرآن أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا فقس اللاحق على السابق والحاضر على الغئب وكل قوى الباطل مهما تتابعت ومهما تغيرت صورها ومهما تغيرت أشكالها النتيجة التي ستلحق بهم واحدة طالما أنك حققت الشرط الإلهي شرط التوحيد والإيمان في قلبك وعدم الزيغ والثبات واليقين بالله سبحانه وتعالى.

ولذلك جاءت الآيات التي بعدها (قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) حصلت أمام أعينكم (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) ماذا كانت النتيجة؟ (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ) كن على ثقة، هذه المعاني التي تقدمها لي سورة آل عمران تحقق الثبات في قلبي تجعل قلبي يثبت على الإيمان يثبت على التوحيد يعلم أن الله ناصره يعلم أنه لا بد بعد الليل الحالك في ظلمته سيأتي الفجر، سيأتي النور، سيأتي النصر، لا يحفل بطول ساعات الليل لأنه يقضي تلك الساعات بالإيمان والتوحيد والتقرّب لله، ثابت، متأكد تمامًا لأن من وعده الله (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴿١٣﴾) أصحاب الأبصار الذين ينظرون في الواقع ويقرأون واقعهم من خلال آيات القرآن العظيم، أبصار ترى الشيء بعينك، كيف تراه بعينك؟ أنا لا أرى سوى أحداث تحصل أمامي اليوم في الواقع، أحداث، مجريات، أمور كيف أقرأها؟ القرآن يعلمني كيف أقرأها، أقرأها من خلال تلك الآيات التي أمامي في قلبي تعلمني أن الإنسان الذي كفر بربي فردًا كان أو جماعة مهما بلغت قوته مثل قوة فرعون أو أكثر لن تغني عنه لا أمواله ولا أولاده ولا حلفاؤه ولا أي شيء مما يرتكز عليه وأن النصر حليف المؤمنين ولكن لا ينبغي أنا أن أتكئ أن النصر حليف المؤمنين فأنا أعطي لنفسي شهادة بأني مؤمن أنا عليّ كإنسان أن أتأدب وأن أمارس التوحيد والإيمان في حياتي وأن أبقى مفتقراً متضرعًا إلى الله أن يا رب تقبلني في المؤمنين اقبلني عندك اجعلني من المؤمنين أن لا آمن على نفسي لا يأمن أحد مكر الله عز وجل لا ينبغي للمؤمن أن يأمن ولكن عليه دائمًا أن يبقى على خوف ووجل.

ثم تنتقل آيات سورة آل عمران إلى الوسيلة التي تليها، وسائل الثبات التي أوجزتها في البداية. ما هي وسائل الثبات؟ إدراك حقيقة الدنيا كما هي لا تجعل الحقيقة مختلفة عن الواقع. ما هي حقيقة الدنيا؟ تأملوا دقة القرآن للفظ (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) إذن هي زُينت ولكن هذا لا يعني أنها هي في الحقيقة هكذا، لا، (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴿١٤﴾) هذه الآية تتحدث عن المغريات، الدنيا بأسرها باشكالها الدنيا التي أخذتنا بعيدًا عن الله عز وجل في بعض الأحيان، الدنيا التي أغرتنا، شغلتنا، شغلتنا أموالنا وأهلونا، شغلتنا عن القضية التي لأجلها نحيا ونعيش وعليها يفترض أن نموت وسنلقى الله عز وجل ويسألنا عنها "التوحيد". مغريات الدنيا لو لم تكن جميلة وحلوة وخضرة لَما اغترّ بها الناس ولَما أقبلوا عليها ولكن الزينة الموجودة فيها جزء من الاختبار والابتلاء، جميلة! تستهويني، تستهوي قلبي، تستهوي فكري، تستهوي حياتي، أميل إليها لأن شيء فعلًا يمكن أن يميل إليه الإنسان ولكن تأملوا كيف يأتي العلاج (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) عليك أن توازن. بعض الناس قد يقول أترك الدنيا؟ ومتاع الدنيا؟ الآية لا تقول هذا ولكن الآية حددت لك حجم هذه المغريات ووضعتها في الإطار الصحيح (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ومن الذي عنده حسن المآب؟ الله سبحانه وتعالى فلا يأخذك متاع الحياة الدنيا بعيدًا عن الله عز وجل، وازن بين الأمور، خذ من الدنيا ما أمر الله به أن تأخذ، لا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسِن كما أحسن الله إليك واستحضر دائمًا أن الله عنده حسن المآب.

ولذلك مباشرة الآية التي تليها عالجت هذه القضية، من أكثر الأشياء التي تجعل الإنسان يستسلم ولا يثبت على الدين ولا يثبت على الحق ولا يثبت على الطاعة مغريات الدنيا. وإذا أردت مثالًا لذلك تأمل أحوالنا نحن البشر، في رمضان على سبيل المثال نكون في غاية الطاعة والإقبال على الله عز وجل وتلاوة القرآن وعمل الخيروالصدقات وكل شيء من الأعمال، ينقضي رمضان تعود النفس البشرية في كثير من الأحيان إلى سالف عهدها، البعد، النسيان، الغفلة، هذه الحالة الموسمية سورة آل عمران تعالجها. كيف تعالجها؟ إياك أن تتصور أن هذا المتاع الذي أنت الآن تنشغل عنه هو كل شيء، لا، (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) خير من المغريات التي تراها أمام عينيك في الدنيا، التي تلهيك، التي تشغلك عن خالقك سبحانه وتعالى التي تأخذك بعيدًا عنه ولا ينبغي أن تكون بعيدًا عنه. ما هو الخير يا رب؟ (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ) ولم تأتي الأوصاف الكثيرة التي جاءت في الآية الأولى في وصف متاع الدنيا يكفيك أن الله قد وعددك بها يكفيك أن تدرك أن ما عند الله خير وأبقى يكفيك أن تدرك هذه المعاني يكفيك أن تستحضر الآخرة في قلبك لتثبت كثيرون اليوم يعانون من مشكلة عدم الثبات على الطاعة، يقوم بالطاعة يمكن يكون قد بدأ في رمضان برنامج قيام الليل وتلاوة القرآن وحفظه ربما، المشكلة الاستمرارية، ينقطع عن العمل، لا يثبت على هذا العمل، لماذا لا يثبت؟ مغريات، التي تكلمت عنها سورة آل عمران وحددت لي العلاج وهو أن أُعطي الدنيا حجمها الطبيعي ويبقى نظري دائماً معلقاً بالآخرة ومعلقًا بما عند الله عز وجل ولذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يعالج هذه المشاعر الإنسانية العادية بطرق مختلفة كان يربط دائمًا ما بين الدنيا ومتاعها وما بين الآخرة إن أكل طعامًا طيبًا تذكر طعام الآخرة، إن لبس شيئًا حسنًا أو رأى شيئًا حسنًا قال الآخرة، لماذا؟! ليجعل القلوب دائمة التعلق بالآخرة عاشقة للآخرة متشوّفة متطلعة للآخرة مدركة أن ما في الدنيا مجرد صور وصور زائلة وأن ما في الآخرة هو الباقي هو الخالد هو الذي ينبغي أن أسعى إليه. هذا الشعور وهذه الوسيلة التي تقدمها سورة آل عمران تقود المؤمن إلى مزيج من الأعمال الصالحة والأخلاقيات في مجتمعه وفي نفسه ودائمًا يربط بالدعاء، الدعاء حاضر في سورة آل عمران بوضوح، من أعظم وسائل الثبات على الحق والهداية الدعاء (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٦﴾) انظر إلى تطلع المؤمن المغفرة (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أعظم شيء يلحّ على قلب المؤمن وعقله ليس طلب الدنيا ولكن طلب المغفرة، لماذا؟ من شغله طلب الآخرة عن طلب الدنيا أعطاه الله من خيري الدنيا والآخرة هكذا عطاء الله عز وجل ولذلك ينبغي أن أتقرب لله عز وجل بقولي ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

هذه الوسيلة جعلت ذاك المؤمن مؤمن بمواصفات خاصة الناس الثابتين في هذه الدنيا في هذه الحياة لهم مواصفات (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴿١٧﴾) وبدأ بالصابرين لأن الثبات يحتاج إلى صبر، صبر على الطاعة، هب أنك بدأت جدولا زمنيا في رمضان للطاعة، لحفظ القرآن ثم انتهى رمضان وتوقفت وانقطع العمل، ماذا عليك أن تفعل؟ أن تعاود وتجاهد نفسك وتصبر على الطاعة (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف) اصبر نفسك على الطاعة اصبر نفسك حتى حين تجلس على سبيل المثال للصلاة اصبر نفسك بعد الصلاة أن تعطي لنفس الفرصة أن تذكر الله أن تستغفره أن تدعوه أن تتقرب إليه نفسك ستنازعك تقول لك انتهت الصلاة، قُم بسرعة، اِلْحق بالدنيا لا تفوتك! لكن الصبر يعلمك أن تصبر أن تتوقف أن تعطي لقلبك الفرصة أن يذكر ربه عز وجل ذكرًا كثيرًا، الصبر على الطاعة من أشد وأعلى مراتب الصبر، الصبر على الطاعة. لا ثبات بدون صبر والصبر يتكرر في سورة آل عمران وصية من الله عز وجل في السورة وآخر وصية هي الصبر، الثبات يحتاج إلى صبر، لا يمكن أن يكون ثبات بدون صبر.

ثم تنتقل بعد ذلك الآيات في سورة آل عمران للحديث عن التحديات المتعلقة بالدين والفكر والعقيدة، التوحيد وهو تحدي من نوع آخر تحدي من نوع خارجي تحدي جاء وهو يوصّف حالة المسلمين في ذلك الوقت في ذاك المجتمع المدني حيث كانوا يواجهون النصارى بمعتقداتهم التي تم تحريفها عما جاء في الإنجيل وجاء فيها الزيغ وذكرنا في البداية أن مرض الزيغ يبدأ في القلب ولا يقف عند القلب يمتد إلى كل الجوارح فيصبح الإنسان منحرفًا بدأ الإنحراف عن الحق في القلب والفكر ولكن هذا الانحراف في القلب تحول إلى انحراف فكري وعقدي ثم عملي فأصبحت أعماله منحرفة عن جادة الحق والصواب والسبب الذي يؤدي إلى الزيغ تعالجه سورة آل عمران. أول سبب للزيغ الجهل بأنواعه وثاني سبب للزيغ ظلم الإنسان لنفسه الذي يسوّغ له أن يظلم الآخرين. النوع الأول هو الذي تواجهه الآيات وتعالجه في هذه المواطن تبدأ بقوله تعالى (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قضية حتمية ألغت كل أنواع وأشكال وصور الجهل. الجهل أنواع: الجهل البسيط أن لا تعرف الشيء والجهل المركب أن تعرف الشيء الخطأ فلكي يعالج الجهل المركب عليك أن تزيل الخطأ أولًا ثم تأتي بالصواب ليحل محل ذاك الخطأ. فأول كلمة عالجتها سورة آل عمران لتخلص الإنسان من السبب الأول للزيغ إنهاء الجهل (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) شهادة من الرب سبحانه لنفسه فإذا شهد الله عز وجل فمن بقي بعد ذلك ليشهدّ (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) التوحيد الذي جاءت به كل الشرائع السماوية، موسى عليه السلام جاء به، اليهودية جاءت به، النصرانية جاءت به كما سنأتي عليه على لسان عيسى عليه السلام. إذن لماذا زاغ بعض الناصرى وبعض أهل الكتاب عن ذلك التوحيد؟ الآية تعالجه ولكن الحقيقة الراسخة التي ينبغي أن تستقر في قلبك وفي وجدانك وعقلك أن لا إله إلا الله. ثم تعود الآية، نفس الآية (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) التوحيد ذكر مرتين في آية واحدة، قضية التوحيد هي القضية الأساس فأيّ انحراف عن ذلك التوحيد باي شكل زيغ، ضلال، الزيغ لا يمكن أن يؤدي إلى هدى، الزيغ لا يؤدي إلا إلى ضلال والثبات على الحق لا يؤدي إلا إلى الهدى والحق ولذلك هذا التلازم والترابط بين سورة البقرة وآل عمران. قد يسأل سائل لم الدمج بين آل عمروان والبقرة وسميت البقرة وآل عمران بالزهراوين؟ لأنهما يتحدثان عن قضية واحدة، سورة البقرة تتحدث عن الهداية وسورة آل عمران تتحدث عن الثبات على الهداية، كلاهما يكمّل الآخر، كلاهما يدافعان عن صاحبهما، بأيّ شيء؟ بما ركز في قلبك من الإيمان والعمل بما جاء فيهما.

ثم تأتي الآيات التي تليها لتحدثنا عن نوع من أنواع التحديات تحديات متعلقة بالعقيدة وتبيّن لنا ما حدث مع النصارى (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) هذا التوحيد وهذا الاستسلام وهذا الانقياد والخضوع لله عز وجل ولما جاء به الأنبياء من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وانتهاء به وهذا الكتاب الذي نزل الفرقان الذي جاء مصدقًا للتوراة والإنجيل هذا هو الحق الذي ينبغي اتباعه. إذن لماذا حدث الزيغ؟ (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) ظلم! المسألة في الزيغ قد تكون جهلًا وقد تكون ظلمًا وفي كلتا الحالتين فإن الله سريع الحساب. ما موقفك يا نبي صلى الله عليه وسلم ويا كل إنسان مؤمن أمام هذا التحدي؟ أن يأتيك الباطل وهو في حالة انتفاش، يأتيك الباطل وهو مُنتفش مغترّ، ما هو موقفك؟ (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) القضية واضحة عندي أنا لا يهمني من يتبعني ومن يخالفني القضية واحدة أنا ثابت على إيماني وتوحيدي ولذلك الآيات ختمت (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) المهمة التي ينبغي لك أنت كإنسان مؤمن بهذه الآيات وهذه السورة العظيمة أن تبلّغ أن توضّح أن تبين أن توصل الرسالة تقوم بإيصال الرسالة وتثبت على الحق وتؤمن بأن ما حدث من زيغ وانحراف في بعض الأمم إنما جاء من قبيل انحراف بعض أهلها وليس من قبيل تلك الكتب حاشا لله ولا من قبيل الرسل كما سيأتي توضيح هذه المعاني في موضعها.

ثم تنتقل بعد ذلك الايات لتبين انعكاسات الزيغ في المنهج والتعامل فيه وكما ذكرت أعظم وسيلة للثبات على الحق ومواجهة التحديات الدعاء ولذلك من جديد (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) القضية واضحة. سورة آل عمران تجدد الإيمان في قلبي لأن الفتيل الذي يوقِد الإيمان في قلبي ويجعل الإيمان والثبات متّقدًا في قلبي الدعاء والتضرع لله عز وجل. (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) لماذا الحديث عن المُلك في وسط الآيات؟ الباطل والزيغ والإنحراف قد يمتلك الكثير، قد يصبح الملك والسلطة والجاه في يديه، ما هو موقفك أنت كمؤمن كثابت؟ هل تتزعزع أمام ذاك التحدي؟ أم أنك تُدرك أن الله هو مالك الملك وأنه يؤتي الملك من يشاء وتنزع الملك ممن يشاء وأن عاقبة الأمور إليه سبحانه وأنه على كل شيء قدير وأن إليه المرجع وإليه المآب وإليه المصير وأن كل ما يحدث أمامك من تحديات ومن وقائع ومن مجريات أمور إنما هو من قبيل الابتلاء والاخبتار فاحذر. ولذلك في ضمن هذه الآيات جاء الحديث عن (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) لأن الولاء في قلب المؤمن كل الولاء لله، للإيمان، لا يمكن قلب المؤمن أن يميل لأحد إلا لله عز وجل ولأهل الإيمان الذين يشاركونه إيمانه وتوحيده لخالقه سبحانه وتعالى والمسألة هنا ليست مسألة أشخاص وفئات ومجتمعات ودول، لا، المسألة متعلقة بالإيمان، بالإحساس، بالميل، قلبك يميل لمن؟ لأهل الإيمان أم لأهل الكفر؟! القضية في غاية الأهمية.

 

ومرة ثانية ومن بدايات السورة للمرة الثانية تأتي الآية (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) طهّر قلبك لأن الزيغ أول ما يبدأ يبدأ بالقلوب "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك" إذن انتبه لنفسك واعلم أن الله مراقِبك فاجعل قلبك يميل ويكون هواه لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكن قلبك تبعًا لأهواء وشهوات غير ما جاء به الحق. نقطة في غاية الأهمية والمسألة ليست مجرد مشاعر قلبية وإنما مسألة اتّباع ومسألة منهج ولذلك جاءت الآيات بعد ذلك بقوله (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) الحب ليست مسألة ادّعاء، الحب والميل والأمور القلبية ليست ادعاء وإنما اتّباع، منهج أسير عليه في حياتي، أتحبب إلى الله بمتابعة أمره وأتجنب أن يبغضني الله عز وجل والعياذ بالله من خلال تجنبي لما نهاني عنه. لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك أن تكون. المؤمن وقّاف عند أمر الله عز وجل ونواهيه، يترك محابّه هو إلى ما يحبه الله ورسوله، يترك ما يحب لأنه يؤمن تماماً ويثق أنه إذا ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا، مؤمن. قد يحبّ أشياء معينة من أشياء الدنيا ولكن الله سبحانه وتعالى نهى على سبيل المثال عنها أو أمر بأشياء أخرى مختلفة عنها، كيف يكون الموقف في هذه الحالة؟ أترك ما أحب لما يحبه الله ورسوله اِجعل أول رقم في حياتك وأولوياتك من المحبة والولاء ما يحبه الله، هل هذا الشيء يحبه الله؟ أم لا يحبه؟ الذي يحبه أنا أحبه والذي لا يحبه أتركه وأتخلى عنه وأعوّد نفسي وأخرج من شح نفسي وأحررها لكي تكون خاضعة لله والمنهج الحق. هذا سبيل من سبل التخلص من الزيغ والانحراف وخداع النفس، نهى النفس عن الهوى ولذلك أمر ربي سبحانه وتعالى أمر داوود عليه السلام فقال (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ (26) ص) (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) القصص) أعظم ظلم يرتكبه الإنسان في حق نفسه أن يتبع هواه، أعظم ظلم اتباع الهوى! اخرج من هواك، اترُك هواك، دع ما تهواه لما يريده الله، قاعدة من أعظم القواعد. ولذلك هذا المقطع من السورة ختم بقول الله عز وجل (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (32)) الطاعة، تريد أن تثبت على الحق انظر فيما أمرك الله فقف عند أمره ونهيه، هذا سبيل الثبات، هذا سبيل الطاعة، هذا سبيل الخير هذا الذي يحوّل حبي لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم من مرحلة الإدّعاء إلى مرحلة الاتّباع، هذا هو الذي يحررني من هوى نفسي ولذلك أعظم ما يبتلى به الإنسان أن يصبح أسيرًا لهوى نفسه، أعم ابتلاء! وأعظم نعمة يمتن بها الله سبحانه وتعالى على خلقه أن يحررهم من أهواء أنفسهم. يقول ابن تيمية في كلمة جميلة: "صلاح العبد في أن يعلم الحق ويعمل به فمن لم يعلم الحق فهو ضال عنه ومن علمه فخالفه واتبع هواه فهو هاو ومن عمله أي الحق وعمل به كان من أولي الأيدي عملًا ومن أولي الأبصار علماً. أعظم نعمة على الإنسان أن تعلم الحق وتثبت عليه وهو ما تقدمه سورة آل عمران.



التعليقات

  1. صالح بن عبدالله علق :

    بارك الله فيكم

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل