لمسات بيانية في سورة البلد (الآيات: 1 - 13)

سورة البلد

د. فاضل السامرائي

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

*هدف السورة*

 سورة مكية ابتدأت بالقسم بالبلد الحرام بلد الرسول r وفيه لفتة لأن الكفار آذوا رسول الله r في بلد الله الحرام الذي يجب أن كون آمنا وفي هذا توبيخ لهم على أنهم استحلوا حرمة المكان وهي من الكبائر عند الله تعالى (لا أقسم بهذا البلد* وأنت حلٌ بهذا البلد)، ثم تتحدث الآيات عن اغترار كفار قريش بقوتهم تسلطوا وعاندوا وكذبوا الرسول r وأهلكوا أموالهم بغير وجه حق (يقول أهلكت مالاً لبدا)، ثم تناولت السورة كما هي الحال في كل سور هذا الجزء الأخير أهوال يوم القيامة والمصاعب التي يواجهها الإنسان والتي لا يمكّنه من تجاوزها إلا عنله الصالح (ثم كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) واختتمت السورة بالتفريق بين المؤمنين والكفار في يوم القيامة ومآل كل منهم (أولئك أصحاب الميمنة* والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة* عليهم نار مؤصدة)

**لمسات بيانية في سورة البلد للأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي **

 *إطلالة عامة على السورة:

لو نظرنا في السورة وعلاقتها بما قبلها أي (سورة الفجر)، قال تعالى في سورة الفجر (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرمن) ذكر الإنسان الغني والفقير، الذي قدر عليه رزقه والذي أغناه. وفي سورة البلد ذكر الذي أهلك المال والفقير. ثم إن ربنا تعالى وصف الإنسان في سورة الفجر بقوله: (كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين) وفي سورة البلد وصّانا تعالى بالرحمة بهذين الضعيفين بقوله: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة).

والأمر الآخر أن هناك ترابط بين السورتين بدليل: قال تعالى في سورة الفجر: (وتأكلون التراث أكلاً لمّاً)، وقال في سورة البلد: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) فكما تأكل يجب أن تطعم.

في سورة البلد على العموم استوفت كل عناصر البلاغ والإرسال: موطن الرسالة (لا أقسم بهذا البلد) والرسول (وأنت حل بهذا البلد) والمرسل إليه وهو الإنسان (ووالد وما ولد) والرسالة وهي الإيمان والعمل الصالح (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصير وتواصوا بالمرحمة) وأصناف الخلق بالنسبة للإستجابة للرسالة (أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة).

 آية (1):(لا أقسم بهذا البلد)

ما دلالة (لا) في القسم؟

أولاً لم يرد في القرآن كلّه (أقسم بـ) أبداً، كل القسم في القرآن ورد باستخدام (لا) كقوله تعالى: (لا أقسم بمواقع النجوم) (ولا أقسم بالخنّس) (فلا وربّك لا يؤمنون) وهكذا في القرآن كله.

فما هي (لا)؟ اختلف النحاة في دلالة (لا):  كلام عام من (لا أقسم عموماً) يقولون (لا) زائدة لتوكيد القسم بمعنى (أقسم) مثال قولنا: والله لا أفعل معناها لا أفعل، ولو قلنا: لا والله لا أفعل معناها لا أفعل، لا يختلف المعنى والقسم دلالة واحدة. وقسم يقولون هي للنفي (أي نفي القسم) والغرض منه أن الأمر لا يحتاج للقسم لوضوحه فلا داعي للقسم، وقسم قال أنها تنفي لغرض الإهتمام كأن تقول لا أوصيك بفلان (بمعنى لا أحتاج لأن أوصيك). وفي السورة (لا أقسم بهذا البلد) تدور (لا) في كل هذه الأمور على أنها توكيد للقسم بمعنى (أقسم بهذا البلد)، إذن الغرض للتوكيد لأن الأمر فيه عناية واهتمام.

 آية (2):(وأنت حل بهذا البلد)

ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (حِلّ) عوضاً عن كلمة حالّ أو مقيم؟

بداية السورة (لا أقسم بهذا البلد k وأنت حلّ بهذا البلدk ووالد وما ولدk لقد خلقنا الإنسان في كبدk) المعنى العام أنه أقسم أو لم يقسم بهذا البلد في وقت حلول الرسول في البلد أنه خلق الإنسان في الشدائد لكن يبقى السؤال (وأنت حل) ما معنى حل؟ الرأي الأشهر أنه الحالّ والمقيم أي بمعنى وأنت حالٌ في البلد تبلّغ دعوة ربك وتلقى من الأذى ما تلقى. إذا كان هذا هو المعنى فلماذا لم تأتي كلمة (حالّ) بدل (حِلّ)؟ لأن كلمة (حل) لها أكثر من دلالة ولا تقتصر على الدلالة المتبادرة للذهن:

(حل) تأتي بمعنى اسم المفعول أي بمعنى (مُستحِل) (على صيغة وزن من أوزان أسماء المفعول مثل الطحي من طحيناً والذبح، ما يعدّ للذبح، والحِمل اي الذي يُحمل). لأن صيغة فعل هي من جملة أوزان أسماء المفعول الذي له أكثر من ثمانية أوزان (فعل مثل سلب ونهب). لا أقسم بهذا البلد وأنت مستحلٌ قتلك لا تراعى حرمتك في بلد آمن يأمن فيه الطير والوحش (إذا كانت لهذا المعنى فلا تكون نافية).

وتأتي (حِل) بمعنى حلال (حل، حلال، حلة) أي بمعنى حلال أن تقتل وتأسر من تشاء في ذلك البلد وذلك في يوم الفتح لأن أهل البلد جاءوا بما يستحلون به حرمتهم فرفعت الحرمة عنهم فأصبح حِلاً فتكون لا للنفي. وهذه المعاني كلها مادة وهو ما يسمى بالتوسع في المعنى.

لا أقسم بهذا البلد وأنت حالٌ في هذا البلد تلاقي ما تلاقي وأنت مستحلٌ لا تُراعى حرمتك وأنت حلال بهذا البلد تقتل من تشاء وتأسر من تشاء في وقت من الأوقات (هذه كلها تشير إلى معاني كلمة حِل) ومرتبطة بمعاني (لقد خلقنا الإنسان في كبد). ولو جاء باسم الفاعل (حال) لاقتصر على معنى واحد من هذه المعاني المتعددة لكن المطلوب كل هذه المعاني فجاءت كلمة (حِل) لمناسبتها لمقتضى المعنى.

قال تعالى في آية أخرى في القرآن ( وهذا البلد الأمين) فما الحكمة في أن يرد القسم في سورة البلد (لا أقسم بهذا البلد) بدون استخدام كلمة الأمين؟ هذا لأن جو السورة كلها فيه ذكر للكابدة والمشقة واستحلال الحرمات وما أصاب الرسول r في هذا البلد وليس في السورة مجال لذكر الأمن، فالرسول والصحابة ليسوا آمنين في هذا البلد والرسول r حلٌ يفعل ما يشاء يوم الفتح فارتفعت عن البلد صفة الأمن في هذه السورة، فجو السورة كلها من أولها إلى آخرها ليس فيه أمن وأمان حتى في نهاية السورة لم يذكر جزاء المؤمنين (أولئك أصحاب الميمنة) إنما اكتفى تعالى بذكر جزاء الكافرين (والذين كفروا بآيتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة). لا يوجد أمن في البلد ولا الجو العام في السورة فيه أمن.

ما اللمسة البيانية في تكرار كلمة (البلد)؟ فلماذا لم ترد مثلاً : وأنت حلٌ به؟

لو لاحظنا كلام العرب لوجدنا أنهم يكررون في مواطن التحسّر أو التعظيم أو التهويل لأنه أبلغ كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و(الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة) هنا تأتي للتهويل. وكما في قوله تعالى (أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله) هنا التكرار للتعظيم.

وفي سورة البلد تكرار كلمة (البلد) هي في مقام التعظيم. ويذكر أيضاً سبب آخر للتكرار وهو أن البلد المقصود به مكّة وهو بلد حرام لا يسفك فيه دمٌ ولا يروّع فيه آمن ولكن الله تعالى أحلّ لرسوله r في يوم الفتح أن يفعل ما يشاء من قتل أو أسر فكأنما البلد صار غير البلد في يوم الفتح فأصبح له صفتان: حالة الحلّ وحالة الحرب وكأنه أصبح بلدين فكرّر سبحانه كلمة البلد لتكرار الوصف.

 آية (3):(ووالد وما ولد)

لهذا التعبير عدة دلالات: قسم قال المقصود به الإنسان (آدم وذريته)، وقسم قال أن المقصود كلّ والد وما ولد من الأناسيّ والبهائم ولذا لم يقل ومن ولد وإنما قال وما ولد (المقصود به العموم وليس الخصوص ومن جملته آدم وذريته) وخصص بعد. أما ارتباطه بالمقسم عليه فهو أن جواب القسم (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والكبد هو المشقة والشدّة، والولادة هي المكابدة والشدّة والمشقة فإذن ارتبطت بقوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ثم ارتبطت بآخر السورة (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) لأن الوالد يحتاج في تربية ولده إلى صبر ومرحمة سواء كان من الأناسيّ أو البهائم ولولاهما لما استطاع تربية أبنائه. وهي مناسبة لجو السورة الذي كله يقوم على المكابدة والمشقة والصبر والمرحمة والإطار العام للسورة ، وارتبط بما كان يلاقيه الرسول r من مكابدة ومشقة.

 آية (4):(لقد خلقنا الإنسان في كبد)

ما هو ارتباط الجواب بالقسم وما هي دلالة كبد؟

الكبد له أكثر من دلالتين فهو يعني:

1.      الشدة والمشقة: يكابد مشاق الدنيا والآخرة ولم يقل خلقنا الإنسان مكابداً. (في كبد) تعني أنه مغمور في الشدائد والمشقات منذ قطع سرّته والمشاق تحيط به وهو منغمر فيها إلى أن يقتحم العقبة فأما أن ينجو أو أن يكون في النار.

2.      للقوة والصلابة والشدة: والكبدة هي القطعة من الأرض الصلبة يقال (أرض كبداء) لأن الذي خُلق للمشاقّ ينبغي أن يكون متحملاً للشدائد فهي من لوازم المعنى الأول.

أما ارتباط الجواب بالقسم: السورة كلها مبنية على هذا الأمر أي الكبد وكل تعبير مبني على ذلك. لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد وقد ذكرنا عدة معاني لكلمة (حِل)

فإذا كان المعنى الأول أي بمعنى (حالّ) فهو يلقى من قومه ما يلقاه من العنت فهو في كبد مم يلاقيه من المشقة وهو يلقاها بقوة وثبات وتحمّل.

وإذا كان بمعنى (مستحل) لا تراعى حرمته فهو دليل على أنه في كبد يُحارب من قومه ويحاولون قتله.

وإذا كان المقصود المعنى الثالث وهو (حلال في البلد) أي ضد الحرام فهو r يحلّ له أن يقتل ويأسر إذن فالكفار هم في كبد ومشقة وعنت أما المسلمون ففي قوة، وهكذا ارتبط الجواب بالقسم فمن كل ناحية وفي كل معنى من المعاني.

وكذلك ارتباط (ووالد وما ولد) فالولادة مشقة وعنت وتحتاج إلى مثابرة وقوة للتربية، كما هي مرتبطة بما بعدها من اقتحام العقبة ومشاقّ الجوع في يوم ذي مسغبة.

 آية (5)-(6):(أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (4) يقول أهلكت مالاً لبدا(5))

بعد قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وذكرنا أن من معاني الكبد المشقة والشدّة والصلابة ثم قال تعالى (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) هذا الحسبان موجه لمن؟ قسم من المفسرين يقول هو موجّه للذي يستضعف المؤمنين (وأنت حلُ بهذا البلد) بمعنى يحلل دمك ويعذّب جماعتك، والذي يفتن المؤمنين ويعذبهم. وقسم من المفسرين قال أنه الخطاب ليس مقصوراً  على هذا الجنس بالذات وإنما هو موجه للإنسان عموماً فالإنسان الذي خلقه الله تعالى مكابداً للشدائد ينبغي أن يكون قادراً على تحمل الشدائد فالذي خُلق صلباً شديداً مكابداً أيحسب أن لن يقدر عليه أحدوهذا الحسبان يكون في نفوس البشر لأن البشر يظنون أن لن يقدر عليهم أحد فيظلم بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض. فالبشر يرون أن لن يقدر عليهم أحد والذين يستضعفون المؤمنين يظنون أن لن يقدر عليهم أحد. والله تعالى سبحانه ذكر في هذه الآية والآية التي بعدها أمرين عظيمين يعتصم بهما الإنسان ويعتقد أن لا أحد يتمكن منه وهذان الأمران هما المال والقوة يعتصم بهما الإنسان ويرى أنهما أداتا الضغط والتسلط على الآخرين. وقد جمع القرآن الكريم بين هذين الأمرين للدلالة على التسلط كما في قوله تعالى: (همّاز مشّاء بنميم* منّاع للخير معتد أثيم* عتلٌ بعد ذلك زنيم* أن كان ذا مال وبنين) سورة القلم آية 11 – 14. فالشعوب المستعمرة يجتمع لها عادة هذين الأمرين كما جاء في قوله تعالى مخاطباً بني إسرائيل في سورة الإسراء (ثم رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) آية 6.

(أيحسب أن لن يقدر عليه أحد k يقول أهلكت مالاً لبداk)

هذا الخطاب موجّه للإنسان عموماً الذي خلقه الله تعالى لإصلاح الحياة.

أهلكت: تأتي بمعنى الإنفاق فما اللمسة البيانية في استخدام كلمة أهلكت بدل أنفقت؟ هذه هي الآية الوحيدة في القرآن كله التي استعمل فيها الإهلاك مع المال، عادة تأتي الإنفاق لكن اختيار كلمة أهلكت في هذه السورة مناسب لجو السورة ومناسب لما تقدمها ولما يعانيه الرسول r وأصحابه في لحظات الشدائد التي أدت إلى إهلاك بعضهم ومناسب للعقبة ومناسب ليوم ذي مسغبة لأن الذين لم يطعموا في ذلك اليوم أهلكوا ومناسب مع أصحاب المشئمة الذين أهلكوا ومناسب لكل إنفاق بغير وجه مناسب لأنه يعتبر إهلاكاً للمال وليس إنفاقاً في الخير. إذن جو السورة هكذا في إهلاك المال بغير وجهه وكل السورة مشقة وإهلاك (الكبد، سلوك النجدين، اقتحام العقبة، المشئمة والمسغبة) فكان استخدام كلمة إهلاك أنسب وأفضل كلمة تؤدي المعنى المطلوب الذي يقتضيه جو السورة وسياق الآيات فيها.

كلمة لُبدا: لبد معناها الكثير المُجتمِِع. وفيها احتمالان: قد تكون مفرد صيغة مبالغة (صيغة فاعل) مثل هُمز وحُطم أو جمع (لُبدة) مثل نقطة نقط. ليس معناها الكثير فقط لكن الكثير المجتمِع وهي مناسبة لاجتماع الكفرة على الرسول r مثل قوله تعالى في سورة الجن (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لُبدا) وهو مناسب للإهلاك وجو الإجتماع في أكثر من موطن في جو السورة (ووالد وما ولد، العينين في آلة الإبصار، اللسان والشفتين في آلة النطق، النجدين، تفسير العقبة بجملة أمور منها اجتماع الذين آمنوا على التواصي بالحق والتواصي بالمرحمة، واجتماع الكفرة في النار واوصاد النار عليهم) لو قال تعالى (كثيرا) لا يؤدي المعنى المطلوب لجو الإجتماع في السورة. الكثرة لا تنفي الإجتماع لذلك اختيار الإهلاك واللبد متناسب جداً من الناحية البلاغية والفنية لجو السورة.

*ما الفرق بين لِبداً ولُبداً؟(د.أحمد الكبيسى)

الآن نتكلم عن قوله تعالى لُبدا ولِبدا (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿19﴾ الجن) بكسر اللام والثانية (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴿4﴾ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴿5﴾ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴿6﴾ البلد) بضم اللام في الحقيقة هناك فرق بالفتحة والكسرة المعنى يختلف. تكديس الأموال بعضها على بعض من لبد يلبد فهو لُبدا بضم اللام إذا كدست أموالك وأنفقت أموال كثيرة يقال أهلكت مالاً لبدا كان ملبداً وكثيراً والخ عندما يكون اجتماع الناس من لبد يلبِد نحن بلغتنا نقول إلبد يعني إجلس مع صاحبك. لِبداً اجتماع كثيرين من البشر من المخلوقات الحية ملائكة شياطين إنسان المخلوقات الحية إذا اجتمعوا اجتماعاً كما في الحديث والنبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وقد فعلوا به ما فعلوا وهو جريحٌ ومدمي والخ وصلى في وادي قبل مكة حينئذٍ الجن تكدسوا عليه بشكل غير معقول، لما صلى الصبح  في وادي نخلة ووادي نخلة قبل مكة والنبي صلى الله عليه وسلم خاف أن يدخلها فقريش أقسموا أن يقتلوه حتى أجاره المطعِم وأولاده فصلى الصبح فتقاطر عليه الجن من كل مكان كما قال تعالى (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) أي أنهم كانوا من الكثرة والزحام بحيث أوشكوا أن يقعوا عليه. هذا الفرق بين لُبدا ولِبدا بالكسرة.

 آية (7):(أيحسب أن لم يره أحد)

(يقول أهلكت مالاً لبدا) هذا الذي يدّعي إهلاك المال أيحسب أن لم يره أحد أنه أنفق المال في أمور لا يحبّ أن يطّلع عليها الآخرين وقد تكون في أمور سرّية؟ قال لم يره أحد أي راقب الشخص لم يقل أيحسب أن لم يعلم به أحد لكنه قال يره لأن الرؤية أهمّ وأخصّ من العلم وهناك فرق بين العلم بالشيء ورؤيته. فالرؤية هي التي تدلّ على تفاصيل الأمور ومراقبتها لذا فالرؤية أخصّ. ويره هنا من المراقبة لأن الله تعالى يراقب ويعلم كل ما يقوم به المخلوقات.

لماذا جاءت هنا (لم يره أحد) وسابقاً (لن يقدرعليه أحد) : ألم يره أحد في هذا الإنفاق والمفروض أن هذا الحسبان والإدّعاء أنه فعل ماضي (ماضي فيما فعل وما ادّعى أنه فعل)  وتأتي الآية فيما بعد (أيحسب ألن يقدر عليه أحد) بعد استكمال الأمور أي في المستقبل بعد أن يغتّر بقوته واستكمال قوته أي تأتي مستقبلاً (أيحسب أن يعتصم بهذه الأمور وأيحسب أن هذه الأمور تنجيه) لذا جاء التعبير بالمضارع وهذا ما يقتضيه السياق.

 آية (8)-(9):(ألم نجعل له عينين(7) ولساناً وشفتين(8))

أراد الله تعالى أن يدلل على قدرته وعلمه فقال تعالى: ألم يجعل الله للإنسان عينين ليبصر بهما، ألا يراه؟ هو سبحانه الذي أعطاه ليبصر ألا يراه؟! وهو سبحانه الذي هداه للطريق ألا يعلم ما يفعل؟! ونلاحظ تناسب الكلمات: جاءت كلمة عينين وهما أداة الرؤية مقابل قوله تعالى (أيحسب أن لم يره أحد) وجاءت كلمة لساناً وشفتين مقابل قوله تعالى (يقول أهلكت مالاً لبدا) واللسان والشفتين هما أداة النطق. فكأنما سبحانه وتعالى جعل الدليل على علمه وقدرته بما أعطاه للإنسان من وسائل ليستعملها.

آية (10):(وهديناه النجدين)

النجد هو التعبير الوحيد المستعمل في القرآن فقد ورد في القرآن كلمة السبيل والصراط والنجد يعني الطريق المرتفع. وأغلب المفسرين يقولون لا يكون إلا قفاً وصلابة في الأرض في ارتفاع مثل الجبل. وأغلب المفسرين قالوا أنه يعني طريق الخير وطريق الشر. واختيار كلمة النجد مناسب تماماً لجو السورة فلم يقل هديناه السبيل لأن السبيل هو الطريق السهل الميسّر الواضح التي يكثر السير فيها، أما سلوك النجد ففيه مشقة وصعوبة ومناسب لجو السورة وما فيها من مشقة ومناسب للمكابدة في جو السورة. وسلوك النجد يحتاج إلى قوة وفيه شدّة وصعوبة ومناسب للكبد في السورة. إذن فالنجدين تتواءم مع السورة من حيث القوة والمشقة والمكابدة. ومن معاني النجد: الثدي. وما عليه عامة المفسرين وعن الرسول r (لا يكن نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير) وهذا الأقرب. إذا استخدمت الهداية مع النجدين فهي تكون بمعنى الدلالة على الطريقين طريق الخير وطريق الشرّ (تبصرة للطريق فقط) أي يرشده إلى الطريق، لأن الطريق قد تكون مودية إلى الجحيم. إذن هي تبصرة للطريق فقط (كتب عله أنه من تولاه فأنه يُضله ويهديه إلى عذاب السعير).

آية (11)-(12):(فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12))

نظرة عامّة على هذه الآيات: هذه الآية هي بعد قوله تعالى (وهديناه النجدين) والنجدين كما أسلفنا هو الطريق المرتفع في الأرض ثم قال بعدها (فلا اقتحم العقبة) والعقبة هي طريق في الجبل وعِر أو الجبل الطويل بعرض الطريق (طويل صعب شديد) هذا في العقبة أما الإقتحام فهو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقّة (والقحمة هي الشدة والمهلكة) . فلو لاحظنا اختيار العقبة مع اقتحم وبعد النجدين لوجدنا أن النجد وهو الطريق المرتفع يؤدي إلى العقبة من حيث سلوك الطريق، والعقبة تقع عادة بعد النِجاد أو في المرتفعات من الأرض إذن وضع العقبة بعد النجدين ومع كلمة اقتحم هو وضع طبيعي حداً وهو من الناحية البلاغية البيانية الفنية ذروة البلاغة من حيث الإختيار. ثم إن الله تعالى فسّر العقبة بما يتبعها من آيات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فكلمة اقتحم هي من أنسب الألفاظ لهذا الوصف لأن الإقتحام يتناسب مع العقبة والشّدة ولو قال اجتاز أو عبر مثلاً لما أعطى المعنى المطلوب واختيار كلمة اقتحم هو للدلالة على أن الأمر مخيف وشديد ومُهلك وليس سهلاً يسيراً وليس من العقبات التي تُجتاز بسهولة ويسر وإنما تحتاج إلى اقتحام وفيها شدة وصعوبة. فلو لاحظنا (فلا اقتحم العقبة) ومن قبلها (وهديناه النجدين) لوجدناها متناسبة ومرتبطة بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وقد قلنا أن من معاني الكبد المشقة والقوة واقتحام العقبة فيه مشقة ووتعب ويحتاج إلى قوة وفيها ارتباط بمعنيي الكِبِد (المشقة والقوة). (لقد خلقنا الإنسان في كبد) يتناسب مع ما سيأتي من آيات في تفصيل معنى العقبة من المشقات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة).

لا: أية لا هذه وما حكمها؟ نظر المفسرون في (لا) هذه والمعروف في قواعد اللغة العربية أن (لا) إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد النفي كما في الفعل المضارع. و(لا) لا تنفي الفعل الماضي إلا إذا كُررت مثل قوله تعالى (فلا صدّق ولا صلّى) ولا نقول في اللغة لا ذهب بمعنى لم يذهب وإنما يقال ما ذهب للدلالة على نفي الفعل الماضي. إذن لا يصح ولا يجوز القول لا مع الفعل الماضي للنفي. لكن يبقى السؤال هل (لا) في هذه الآية نفي؟ قسم من المفسرين قال قد تفيد النفي واستشهدوا على ذلك ببعض ما ورد في أشعار العرب مع أنها على غير سنن العرب (وأيّ أمرٍ سيء لا فعل)، ومنهم من قال إنها تفيد الدعاء وليس النفي، كما يقال: لا فضّ الله فاك أو يقال لا عافاك الله، لا ردّه الله سالماً وغيرها، وقد تكون للدعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة فهذا الشخص الذي أنفق ماله في غير وجه خير دعا عليه بأن لا يقتحم العقبة إذن اعتبرها قسم من المفسرين على أنها للدعاء وليس للنفي.

وقسم آخر رأوا أنها تفيد نفي الإستقبال: في العربية إذا كان الفعل الماشي يفيد الإستقبال يجوز استخدام (لا) ويجوز نفيه بـ (لا) كقولنا (والله لا فعلت ذلك أبداً) بمعنى لا افعله، فإذا كان الفعل للإستقبال يجوز أن تدخل عليه (لا) باعتبار الدلالة الزمنية (تالله لا عذّبتهم بعدها سقر). فلا اقتحم العقبة تفيد إذن في هذه الحالة نفي الإستقبال بمعنى لا يقتحم العقبة في المستقبل.

ومنهم من قال إنها استفهام وقد حذفت همزة الإستفهام (ألا اقتحم العقبة) وكأن هذا الإستفهام للتوبيخ على ما حصل وللحضّ على اقتحام العقبة. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة حذفت منها همزة الإستفهام (مثل قوله تعالى مرة في سورة الشعراء: أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين) وفي آية أخرى (إن لنا لأجراً). وحذف حرف الإستفهام خاصة الهمزة كثير في الشعر والنثر عند العرب .

وخلاصة القول أن (لا) في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) قد جمعت كل هذه المعاني التي ذكرنا وفيها احتمالات النفي والدعاء والإستقبال والإستفهام وهذ ما يُسمّى في اللغة باب التوسّع في المعنى فكل المعاني مُرادة سواء كان للصنف أم للشخص الذي أهلك مالاً لُبدا لم يقتحم العقبة ولا يقتحمها في المستقبل ودعاء عليه بأن لا يقتحمها إلا إذا أصلح حاله وتوبيخ على أنه لا يقتحمها فقد جمعت كل هذه المعاني معاً ولو جاء بأي حرف آخر مثل (ما أو لم) لما أمكن جمع كل هذه المعاني وأي حرف آخر كان أُوّل إلى معنى النفي فقط ولكن (لا) جاءت بأربع أو خمس معاني كلها مقصودة.

(وما أدراك ما العقبة) : لماذا التكرار في كلمة العقبة؟

التكرار في اللغة مشهور وله أغراض قد يكون منها التهويل والتعظيم والتحسّر والتفخيم والتحبيب. وفي هذه الآية جاء التكرار للتفخيم والتهويل والتعظيم لأمر العقبة وما سيفسرها فيما بعد وقد ورد التكرار كثيراً في القرآن الكريم كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و (الحاقة ما الحاقة).

ما الحكمة من استخدام صيغة الفعل الماضي في قوله (وما أدراك) وقد استخدم فى القرآن صيغة الفعل المضارع كما في قوله تعالى (وما يدريك لعلّه يزّكى) وقوله (وما يدريك لعلّ الساعة)؟ في القرآن كلّه أسلوب محدد إذا استعمل (يدريك) بصيغة المضارع لا يفصّل بعدها ولا يجيب على السؤال ويبقيه مبهماً (وما يدريك لعلّه يزّكى) لم يأتي بعدها تفصيل أو إجابة وإنما بقي مبهماً، وإذا استعمل (أدراك) بصيغة الماضي يتبعها بالتفصيل كما في قوله تعالى (والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق* النجم الثاقب) وقوله (وما أدراك ما العقبة* فك رقبة* أو إطعام في يوم ذي مسغبة)  نلاحظ التفصيل بالجواب بعد أدراك. والقرآن الكريم له خصوصيات في الإستعمال والتعبير يختصّ بها عن قواعد اللغة العربية تماماً كما اختصّ كلمة العيون (لعيون الماء) والأعين (لأداة الإبصار) في القرآن كله وكذلك الصوم (الإمتناع عن الكلام) والصيام (الإمتناع عن الطعام والشراب).

لماذا تكرر لفظ العقبة في هذه السورة؟ وقد ورد في سورة أخرى (فأمّه هاوية* وما أدراك ما هي* نار حامية) استخدم الضمير (هي) لمعنى الهاوية.

هناك قاعدة في اللغة العربية أن الاسم الظاهر أقوى من الكناية أو الضمير ولذلك فإن الضمير لا يؤكدّ الظاهر. معنى ذلك أن الأمر في سورة البلد أقوى من التكرار بالضمير (هي) في سورة القارعة فالسياق والموطن أقوى ولذا جاء بتكرار الاسم الظاهر وليس بالضمير. في سورة القارعة فسّر الهاوية بنار حامية وفي سورة الهمزة (كلا لينبذنّ في الحطمة * وما أدراك ما الحطمة* نار الله الموقدة * التي تطّلع على الأفئدة* إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) هنا جاء بـ (نار الله) وفي القارعة (نار) فقط فوصف النار في سورة الهمزة غير الوصف في سورة القارعة لذا كرر كلمة (الحُطمة) كما في سورة البلد كرر كلمة (العقبة) فالسياق والموطن هو الذي يدعو إلى اختيار الظاهر على الضمير أو اختيار الضمير على الظاهر.

 آية (13):(فك رقبة )

ما معنى فك رقبة؟ قال الله تعالى فيما سبق من الآيات (فلا اقتحم العقبة* وما أدراك ما العقبة) ثم بدأ يوضّح كيف تُقتحم العقبة فبدأ بقوله تعالى (فك رقبة) وهو تخليصها من الرِّق وغيره وليس المقصود بها تحرير الرقبة فقط (وقد ورد ذكرها في الكفارات بلفظ تحرير) وفي عصرنا الحالي ليس هناك رقيق ولا عتق رقاب بمعنى تحريرها من الرِّق. إذن فك رقبة تعني تخليصها من الرِّق كالغارم والمطلوب لأمر ما بمعنى التخليص من هذا الأمر، والفك لغة هو حلّ القيد والعتق يُسمى فك أيضاً. أما التحرير فهو خاص بالعتق أما الفكّ فهو أشمل لأي قيد وهذا مرتبط بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وكل هؤلاء المقيدين هم في كبد.

وفكّ الرقبة هي عقبة من عقبات المجتمع قديماً وحديثاً ومسقبلاً ويدخل فيها مثلاً رقبة الشعوب المستضعفة ونصرتهم وإغاثتهم وهذا يدخل في الرقبة وفي القيد، وهي دائمة مستمرة ما دامت البشرية فلا يمكن أن تأتي آية في القرآن ولا يكون لها تطبيق لكل زمان ومكان. حتى في المجتمع الواحد (الفرد للفرد والسلطة للشعب) يستذلّ الفرد غيره بشيء ما أو الحاكم يذل شعبه أو نحوه وهذه من العلاقات الكبيرة في المجتمعات ولذا بدأ بها وهي لا تختص بالعتق ولكنها تدخل فيها والفك مستمر لا ينقطع.

*ما الفرق بين فك رقبة وتحرير رقبة؟

تحرير رقبة تقال في الرّق والاسترقاق وهذا غير موجود الآن لذلك تحرير الرقبة لم يأتي إلا في الفِداء (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (3) المجادلة). فك رقبة يعني تخليصها من إعسار، من قَوَد، من أسر وغيره يعني فك عسرها أنت تفكها مما هي واقعة فيه وهذه باقية إلى يوم الدين (فَكُّ رَقَبَةٍ (13) البلد) أما تحرير رقبة فليست موجودة الآن ولا تأتي تحرير رقبة إلا في الفداء وهي بمعنى العتق أما فك رقبة تخليصها من عسرها إما من مغرمة أو عسر أو دين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل