إعجاز جرْس الحروف في القرآن

إعجاز جرْس الحروف  في القرآن:

حسن عيّــــــــــاد (بتصرف يسير)

 في سورة يوسف الآية 18 قوله الله تبارك وتعالى (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴿١٨﴾)

وفي الآية 83 قال الله سبحانه وتعالى (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٨٣﴾)

الحوار بين يعقوب عليه السلام وأبنائه لم يكن باللغة العربية – كان بالآرامية - لكن القرآن لنا نقل هذا الحوار بإعجاز. من المعروف في لغات العالم صعوبة ترجمة الأدب ونقل وتصوير الأحاسيس الإنسانية  في الرواية، وهذا متفق عليه عند كل المترجمين. نحن هنا في قصة يوسف أمام رواية وأيّة رواية!

ما وجه الإعجاز في هاتين الآيتين؟

في الآية الأولى (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)

وفي الآية الثانية (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)

تكررت هاتان العبارتان في كلا الآيتين وهذا التكرار يُقصدُ به التعبير عن حالة الهدوء والسكينة التي كانت عند النبي يعقوب عليه السلام وقت سماع خبر المصيبتين، حيث تكررت في العبارتين الكلمات (سولت، أنفسكم، صبر) إن إيقاع حرف السين مرتان وحرف الصاد توحي بالهدوء والسكينة فهذه الحروف لا تدخل في كلمات الغضب والضجر والثورة.

ثم جاءت كلمة (جميل) مرتين لتكمل إيقاع حرف السين لأنها توحي بالحُزن في استعمال حرف الياء كحرف للمدّ قبل الحرف الأخير، وكأنه صار القرار، هذا أول إعجاز.

نهاية الآية الأولى 18: (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) 18 تكرر فيها حرف العين في كلمتين (المستعان، على)

ونهاية الآية الثانية 83: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) تكرر حرف العين ثلاث مرات (عسى، جميعًا، العليم)

إن موسيقى الحرف عين يوحي بالدمع والبكاء إذا تبعته حروف المد، فحال يعقوب عليه السلام في الآية الثانية أكثر حزنًا من حاله في الآية الأولى وذلك لفقدانه هنا ولدين، لهذا كان تكرار حرف العين ثلاث مرات لتصوير عمق حزنه المكنون في جوفه.

من ناحية أخرى كلمة (أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ) فهي تعني أن يأتيا إليه لأنه طاعن في السن لا يقدر أن يذهب إليهما وكان بالإمكان استعمال كلمات بديلة بدلًا منها مثل "أن يرجعهما" أو "يبعثهما" أو "يعيدهما" ولكن مثل هذه الكلمات ولوجود حرف العين وجرسه الحزين لا تصح لأن في عودة الغائبين فرحا وليس حزنًا. فهل يقدر بشر على دقة اختيار الكلمة هذه "يأتيني بهم"؟!

كذلك في (أَنْ يَأْتِيَنِي) فالحرفان (أن) وبعدهما ياء وألف مهموزة (يأ) تنقل لنا صوت تقطع بكاء النبي وهو يدعو، كما نلاحظ تحريك حرف الياء الذي تكرر في (نأتي) ثلاث مرات حتى لا يصير حزنًا في موسيقاه فتصير العودة مفرحة. ومن ناحية ثالثة في اختلاف الجرس في نهاية الآية الثانية عن الأولى حيث قال(إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فالجرس في (إنه هو) توحي بثقة النبي في ربه وعندما يلفظ بعد ذلك (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) واستخدامه للحرف الياء الساكن الذي يوحي بعمق حزنه لتكرار الياء مرتين واجتماعه بحرفي العين والحاء فلم يقل عن ربّ العزة (العلام) لأن التشديد في اللام وحرف المد ألف توحي بالقوة مع أن"العلام" و"العليم" من صيغ المبالغة فجرس الكلمتين "العليم الحكيم" يوحي بحزن يعقوب وتدلان في ذات الوقت على إيمان يعقوب بقدرة الله الفائقة، فسبحان من أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين، كتاب لا ريب فيه.

 

من يستطيع من البشر أن ينقل أحاسيس الإنسان بدقة من خلال جرس الحروف؟ إنه إعجاز رباني لأنه الله تبارك وتعالى هو المطّلع على أعماق النفس الإنسانية فهو خالقها يعلم كيف تعمل وكيف تشعر فيختار الكلمة لتبين معناها بدقة وهذه هي بلاغة القرآن الكريم ودقة معانيه وروعة بيانه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل