الإحكام في البيان القرآني

الإحكام في البيان القرآني

من برنامج تدبر مع القرآن - د. محمد داوود (قناة أهل القرآن يوميًا الساعة 9 صباحًا بتوقيت مكة ويعاد يوميًا الساعة و8.10 مساء)

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

نتدبر الإحكام في البيان القرآني، الإحكام على مستوى الآية بين كلمات الآية، الإحكام على مستوى السورة بين بداية السورة والآيات التي تليها، الإحكام على مستوى السورة صلة بداية السورة ونهايتها، الإحكام والترابط والتماسك بين سور القرآن الكريم.

على مستوى الآية

تدبر قول الله عز وجل في صدر سورة هود (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿١﴾) تدبر ترابط الكلمات ينادي بعضها بعضًا، الكلمات في علاقة وثيقة وترابط وإحكام ومناسبة وتناسق بينها وبين بعض. حين نتدبر قول الله عز وجل (أُحْكِمَتْ) الإحكام يحتاج إلى حكيم لذلك ذُيّلت الآية (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)

قول الله عز وجل (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) التفاصيل والدقائق تحتاج إلى خبير فقال ربنا عز وجل (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) انظر إلى هذا التماسك بين كلمات الآية. ولذلك كلمات القرآن لا يمكن أن تستبدل كلمة بكلمة أخرى حتى من داخل القرآن. لا يمكن أن تأتي بكلمة من أسماء الله الحسنى داخل القرآن وتضعها مكان كلمة حكيم أو كلمة خبير، لا تسدّ على نحو الدقة المتناهية في هذا المكان إلا كلمة حكيم وإلا كلمة خبير. سبحان من هذا كلامه! هذا لون من الإحكام، الترابط، التماسك الذي تتفرد به لغة القرآن وعربية القرآن.

الإحكام بين الآية والآية التي تليها

حين يقول ربنا سبحانه وتعالى (الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَفِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾) قد يسأل سائل من المتقون يا رب؟ تأتي الآيات التي بعدها لتفسّر (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ ﴿٣﴾وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَوَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَوَبِالْآَخِرَةِ هُمْيُوقِنُونَ ﴿٤﴾أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَهُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾) هذا بيان كلمة المتقين.

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾) من هم المؤمنون يا رب الذين حكمت لهم بالفلاح؟ تأتي الآيات بعدها لتبين.

(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿١﴾ البينة) يسأل سائل: ما البيّنة يا رب؟ تأتي الآيات التي بعدها (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴿٢﴾ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴿٣﴾) فالرسول هو البيّنة وما معه من صحف وكتب هو البيّنة.

الإحكام بين بداية السورة وداخل السورة وختام السورة

في سورة الرحمن لما أمرهم الله سبحانه وتعالى أن يسجدوا للرحمن قالوا (وما الرحمن؟) لم يكن هذا الاسم مشهورًا في البيئة العربية فأنزل الله عز وجل سورة الرحمن لتعرّفهم وتبين لهم صفات الرحمن (الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾) بهذه الصفات يتصف الرحمن فكل آيات السورة بعد ذلك بيان لصفات الرحمن. الصلة بين بداية السورة وختام السورة أنه في نهاية ذلك قال ربنا سبحانه وتعالى (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿٧٨﴾) هذا ثناء على اسم الله الرحمن المتّصف بكل هذه الصفات المتجلي بكل هذه الآلآء.

الإحكام بين سور القرآن

ومن الإحكام ومن التماسك الذي تتفرد به لغة القرآن الإحكام الذي يكون بين سور القرآن الكريم.

آخر سورة الواقعة قول الله عز وجل (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٩٦﴾) بعدها بداية سورة الحديد يقول ربنا سبحانه وتعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾)

أيضًا ما يكون في آخر سورة الإسراء التي فيها أمرٌ بالحمد (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴿١١١﴾) بعدها بدأت سورة الكهف بقول الله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾) هذا إحكام وتماسك وتواصل.

في سور القرآن كله لو سرت على هذا المنوال ستجد أن الصلة قد تكون مباشرة أو غير مباشرة لكن القرآن قائم على الوصل وليس على الفصل. لذلك لو تدبرنا آخر كلمة في القرآن كلمة (النَّاسِ) هنا نقف ولكن تجد أن كلمة الناس تحتها كسرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن بأنه الحالّ المرتحل أنه بعد أن يختم سورة الناس بكلمة الناس يصل ختمته بقرآءة جديدة فيصل الناس بقرآءة الفاتحة وبداية سورة البقرة. هذا كله يبين التماسك والترابط الذي يكون بين الآيات في القرآن الكريم، فسبحان من هذا بيانه! سبحان من هذا قرآنه!

القرآن يحتاج إلى أن يجلس الإنسان متدبرًا ليقف على سر العظمة. لكن هنا سؤال: البعض يقول إن كان القرآن بهذا التماسك والإحكام وأنه لا يمكن حذف كلمة ولا استبدال كلمة بأخرى فما رأيكم في سورة الرحمن والتكرار الذي ورد فيها (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تكرار كثير جدًا 31 مرة، ألم يكن يكفي مرتين أو ثلاث؟! لمَ هذا التكرار؟ التذكير بالنعم كان يكفي أن تقولوا في ختام النعم (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) نقول له إن كلام الحكيم كله حكمة ومن ورائه حكم عظيمة. ما الحكمة في ذلك؟ قال لأن الآيات فيها تعداد للنعم فمع كل نعمة وجَب التذكير بهذه النعمة لأن هذه النعمة تختلف عن النعمة التي تليها فوجب التذكير بعد كل نعمة لأن النعمة الواحدة الخلق كلهم عاجزون عن إحصاء أفضال الله في نعمة واحدة وهذا السر في قوله سبحانه وتعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٨﴾ النحل) المفرد لا يُعدّ، النعمة لا تُعدّ، الذي يُعدّ هو الجمع لكن القرآن يقوم على الإيجاز في التعبير كما في قول الله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا (82) يوسف) أنت لا تسأل القرية ولا تسأل ذات القرية وإنما أنت تسأل أهل القرآن، ناس القرية لكن القرآن يقوم على الإيجاز. فالمفهوم هنا (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ) إن تعدوا آثار نعمة الله في نعمة واحدة، أفضال الله في نعمة واحدة أنتم عاجزون عن إحصاء أفضال الله تعالى في نعمة واحدة لذلك مع كل نعمة وجب التذكير بعدها لما كنا في باب تعداد النعم وتنوع النعم وجب التذكير بعد كل نعمة.

 

ويبقى سؤال آخر بعضهم يقول التذكير بعد كل نعمة من النعم التي فيها النعيم واضح فهذا شيء تُقرّه العقول لكن ما رأيك حين تأتي (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) بعد آية عذاب (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴿٣٥﴾)؟! بعد العذاب يأتي التذكير بالنعمة؟! اقتضت حكمة العقلاء أن من ذكّرك بالشرّ وحذّرك منه قبل وقوعه فقد أنعم عليك، لو قال لك أحدهم انتبه هناك رادار على الطريق ستدفع غرامة فلما أقول لك هذا فأنا أحذّرك منها وتحذيري لك من العقوبة قبل وقوعها فهذا خير وشيء تشكر عليه لذلك ربنا سبحانه وتعالى حين يذكّرنا بالشرّ قبل وقوعه فقد أنعم علينا فيذكّرنا بنعمة التذكير بالشرّ قبل وقوعه حتى لا نقع فيه فنستحق العقوبة فيقول (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). سبحان من هذا كلامه وهذا بيانه وما يعقلها إلا العالمون وما يذّكّر إلا أولو الألباب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل