حلقة الموت (11) – تتمة حديث خروج الروح

حلقة الموت (11) –  تتمة حديث خروج الروح

ضيوف الحلقة الدكتور محمد. هداية والشيخ عمرو عطية

بدأ الدكتور هداية الحلقة بشكر الدكتور عبد الصبور شاهين على حضوره في الحلقة السابقة للحوار حول ما جاء في كتابه أبي آدم وأشاد الدكتور هداية بطريقة عرض الدكتور شاهين للفكرة والتوضيح والتلقّي والتفكّر. وكيف أنه ضرب لنا مثالاً في يجب الاستفادة منه وهو أنه استمرفي فكرته يتدبر فيها ويقلبها بين آراء العلماء منذ عام 1967 إلى عام 1998 وسيناقش الدكتور هداية الفكرة مع الدكتور شاهين بعد أن يلتقيه خلال الأسبوع المقبل ثم يعرض رأيه الخاص فيها في الحلقات المقبلة بإذن الله تعالى. ومن اللافت أن ننبه أن الدكتور شاهين لم يتعرض أو يجتهد مع نصّ أو في أمر انتهى إليه أهل الأصول وإنما هو اجتهد في موضوع ووضع رأيه بين آراء المفسرين ليبحث فيها المعاصرون واللاحقون. والموضوع الذي طرحه الدكتور شاهين لا يخص العامّة من الناس وإنما يخص الخاصّة وبعضاً من العامّة الذين يبحثون في هذه المواضيه ولهم شأن بها. لهذا نقول أن الدكتور شاهين ليس في موضع اتهام أصلاً وإنما اجتهد كما اجتهد غيره من علمائنا في هذا العصر أمثال الدكتور رمضان عبد التةاب وعبد الله شحاته رحمهم الله تعالى فقد أثروا المكتبة الاسلامية. وإذا أخذنا مثالاً على ما نقول نجد في تفسير قوله تعالى (ونحن أعلم ما توسوس به نفسه) فسّر الكثيرون بل حوالي 90% منهم كلمة الوسوسة على أنها الصوت الخفي ونحن لا نُعيب هذا التفسير لكننا نقول أن لهؤلاء العلماء قالتهم ولعلماء هذا العصر قالتهم أيضاً ولولا ما قالوه ما احتهدنا ولا قلنا ما لدينا من آراء. وأنا أقول كرجل لغة أن كلمة الصوت الخفي لا أساس لها من الصحة وليس هناك ما يُسمى صوت خفي فالصوت صوت والضوء ضوء والصوت أُذن والضوء عين فلة قصد العلماء الحديث الخفي لكان هذا مقبولاً لغوياً لأنه كما قلنا لا يوجد صوت خفي وإنما نقول الوسوسة هي حديث النفس أو حديث الشيطان وسُمّي وسوسة لأنه حديث لا يُسمع فعل إذا قلنا هذا نكون قد ضيّعنا اجتهاد العلماء السابقين كالبيضاوي وغيرهم؟ أقول لا مانع من أن نجتهد نحن كما اجتهد العلماء السابقون والدكتور شاهين اجتهد وأسأل الله أن يكون له أجران أجر الاجتهاد وأجر الاصابة. والإصابة ليس معناها الوصول إلى الحقيقة لأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى الحقيقة حتى إن وصل لها فهو لا يعلم أنه وصل لها. لكن الإصابة كما أراها أن يكون صادقاً في إخلاصه وفي اجتهاده في العمل. ولو كان هناك تفسير واحد واجتهاد واحد لآيات القرآن الكريم لكان الرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس به ولكان وضع لنا تفسيراً واحداً للقرآن إلى أن تقوم الساعة. ولولا الاجتهاد والتأويل لضيّعنا قيمة القرآن ويجب على كل أهل زمان أن يكون لهم قولتهم فقوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم) فسّرها الأعرابي الذي سمعها منذ قرون أنها من قدرة الله تعالى وجاء العلم الحديث وشرح لنا الدكتور زغلول النجار هذه الآية من وجهة نظر علمية فالأعرابي فهمها بدافع إيمانه والتسليم للنص القرآني ولا بد في كل زمان أن يعجز أهل ه عن الوصول إلى الحقيقة المطلوبة, ولا يمكن لأحد أن يصف الله تعالى الإله الحق فكنا مؤمنون به لكننا نعجز عن وصفه " لايستطيع مخلوق لله أن يصف الإله الحق كل الحق حتى إذا صادف قوله الحق لا يدري هو أنه وصل إلى الحق". وبما أنه يصعب وصف الله تعالى فبالتأكيد يصعب وصف كلامه تعالى لأن الكلام وسيلة التفاهم بين المتكلم والمستمع ونحن في حياتنا اليومية لا نستطيع أن نصف إنساناً ما إلا بعد أن نسمع كلامه فنصفه أنه مؤمن، كافر، جاهل، عالم، متعلم أو غيره. ومن المهم أن يجتهد كل منا في القرآن الكريم قدر امكانه في زمانه ثم يأتي بعدنا آخرون يقرأون ما اجتهدنا فيه فيأخذون منه ويضيفون عليه ويقرّون بعضه ويردون بعضه وهذه عظمة القرآن الكريم لكن مع هذا كله علينا أن نعترف بآراء الآخرين ونُقرّ اجتهادهم ونضع كلامنا إلى جانب كلامهم للبحث فيه. وعلى المجتهد أن يكون عالماً بعلم الأصول والفقه والتفسير وأن يكون دارساُ للغة عالماً بها ومن هنا أقول أن الدكتور عبد الصبور شاهين على رأس من له حق بالاجتهاد في التفسير.

قرأ الشيخ عمرو عطية آيات مباركات من سورة ق:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)

لو تأملنا في آيات القرآن الكريم لوجدنا أن كل مجموعة آيات تتحدث عن خروج الروح تُذكر كلمة قرآن. ويجب أن نتوقف عند سورة ق طويلاً لأنه من الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأها يوم الجمعة وفي العيدين ولو قرأنا السورة بتدبّر وقرأنا كيف ردّ الله تعالى على ما قاله الكفار في بدايتها لوجدنا عجباً. فالسورة تنقسم إلى أقسام هي:

من الآية 1 – 3: يعرض الله تعالى لما قاله الكفار ولِما تعجّبوا له من إرسال الرسول ومن البعث بعد الموت (ذلك رجع بعيد).

الآيات 4 – 15 و 16 – 37  و 38 -45 يردّ الله تعالى على القضية التي ادعاها الكفارفي ثلاث فقرات تبدأ كل منها بـ (قد، ولقد، ولقد) ولقد ردّ الله تعالى عليهم بأن إعادة الشيء أهون من بدئه وخلقه هذا عمليناً وتجريبياً بالنسبة للبشر أما بالنسبة لله تعالى فقدرته سبحانه لا تُناقش وهو تعالى ليس كمثله شيء. وتعرض الآيات إعجاز الله تعالى في خلق السموات والأرض وغيرهما وفي وسط هذا يأخذ ملمحاً (ولقد خلقنا الانسان) ليمحو تعجُّب الكفّار من البعث.

معنى كلمة ق: قلنا أنه كلما يأتي ذكر لخروج الروح يأتي كلام عن القرآن أو تحدي بالقرآن أو كلمة القرآن قبلها. أول السورة يبدأ بـ (ق والقرآن المجيد) فإذا سألت ما معنى ق؟ أقول أن هذا السؤال لا أصل له ولا علم للسائل به لأنه ليس للحروف معاني فمن سأل ما معنى الحرف يعني أنه لا يفهم اللغة لأن الحرف في حد ذاته ليس له معنى إنما قد يكون له مدلول أو إشارة. وأقول أن الحروف المقطعة لها أسرار وليس لها معاني وتجدر الاشارة أن (ق) هي أول حرف مقطّع نزل من القرآن في ترتيب النزول. وقد قال أبو بكر الصديق لا تسألوا عن معنى ق أو كهيعص أو ألم أو يس أو طه لأنها من أسرار الله تعالى في القرآن. وقلنا سابقاً أن الكلام يصف المتكلِّم فعجزُنا عن وصف الله تعالى يُعجزنا عن وصف القرآن الذي هو كلام الله تعالى. ونحن نفهم القرآن على قدر طاقتنا وعلى قدر ما فتح الله تعالى به علينا وعلينا أن نفهم القرآن على مُراد الله تعالى فيه ونسأله تعالى أن يوفقنا لفهمه. ونلاحظ أنه عندما نزلت الحروف المقطعة لم يُذكر في السيرة أو في الأحاديث أن أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم أو الكافلاين أو المنافقون سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ما معناها مع أن المنافقين كان يمكن أن يتعرضوا للقرآن من هذا الباب لكنهم لم يفعلوا. ومن حكمة الله تعالى أن جعل سورة الفاتحة بداية الكتاب والسورة التي تليها مباشرة أي سورة البقرة تبدأ بالحروف المقطهة مع أن ترتيبها في النزول كان 57 وهذا من مُراد الله تعالى الذي لا نعرفه. واجتهادي الشخصي وفي توصيفي أنا أرى أن الناس على اختلاف فئاتهم (مؤمنين ومنافقين ومشركين) انقسموا قسمين منهم من فهم مدلول الله تعالى في هذا الحروف فسكت ولم يسأل ومنهم من لم يفهم ولم يسأل من قوة إيمانه. وتبقى هذه الحروف المقطعة سِرّاً من أسرار الله تعالى ومن أسرار حفط القرآن (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون) وهذا سِرٌّ معجز ولو أن الناس عرفوا مدلول هذه الأحرف لجاؤوا بمثلها ووضعوا قرآناً. وأنا أقرأ سورة ق تذكرت بيتاً من الشعر للوليد بن المغيرة يقول فيه: قُلت لها قفي فقالت ق. وق هنا بمعنى وقفت أو أنا واقفة. ولقد استخدم العرب الأحرف المقطعة للدلالة على كلمات، وعندما سُئل الشاعر عن المعنى عرف مدلول الحرف لكن عندما يقول الله تبارك وتعالى ق نسمع الآراء الكثيرة وكأنها أسرار لا تقف على مدلول واحد.

فالحروف إذن ليس لها معاني في القرآن وإن دلّت في القرآن على شيء فهي تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ قراءة السّماع وليس قراءة الكتابة. فالقرآن يصف الرسول الكريم بالنبي الأمّي ولقد تحدثنا سابقاً عن معنى الأمي وقلنا أن ابن منظور قال في عرضه عن فحول اللغة أن الأمي هو الذي لا يكتب. والقرآءة تنقسم قسمين: قراءة عن  سماع وقراءة عن كتاب فالذي تعلّم حروف الهجاء في المدرسة وكتبها يعرف القراءة والكتابة وهو يقرأ لأنه كتب أما الرجل الأمي الذي لم يذهب إلى مدرسة لو أجلسته مع شيخ يقرأ عنه سماعاً لكنه لا يكتب وهذا هو مُراد الله تعالى في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم إقرأ. وكيف نعرف أنه صلى الله عليه وسلم قرأ ؟ من الأحرف المقطّعة لأنه علِم اسم الحرف ومسمّى الحرف أيضاً أما الذي يعرف فقط مسمّى الحرف لا يمكن أن يُهجئ كلمة واحدة لأنه لا يعلم إسم الحرف. ولهذا دأب القرآن أن نقرأه ونتلقّاه سماعاً  لأننا لو قرأناه كتابة قد نُخطئ. ومعنى كلمة قرآن من قراءة والقرآءة من سماع فلمّا اكتمل القرآن سمّاه الله تعالى كتاباً ولذلك لم تظهر كلمة كتاب إلا بعد استقرّت القراءة وأعلمهم أسماء الحروف وكتابة الآيات فأصبح اسمه كتاباً (ذلك الكتاب لا ريب فيه).

(ق والقرآن المجيد) الله تعالى أنزل القرآن تحدياً للكفار الذين استعملوا ق في شعرهم ثم يتكلم سبحانه وتعالى عن اعتراض الكفار على بعثة الرسول وعلى البعث فيردّ الله تعالى عليهم في ثلاث فقرات (ولقد خلقنا الانسان) أي أن الذي خلق قادر على البعث وله الحق بارسال الرسول. وحبل الوريد كما جاء في السورة هو العِرق الذي إذا قُطع مات الانسان فوراً وحبل الوريد تحتمل معنى حبل هو الوريد وهذا من باب عطف الخاص على العامّ أو الصفة على الموصوف. تكلم تعالى عن خلق الانسان أولاً ثم انتقل إلى الكلام عن سكرة الموت ثم ينتقل فجأة إلى يوم القيامة ولا يتكلم عن خروج الروح أو عن القبر والحكمة من عدم الكلام عنهم في سورة ق أنها فترة أقلّ من أن نتكلم فيها في هذه السورة أما في سورة القيامة وسورة الواقعة سيكون الكلام مفصّلاً. فالفترة في القبر قليلة مهما طالت بدليل ما جاء في سورتي الكهف في قصة أهل الكهف الذين بقوا ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعا وقصة العُزير الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه هؤلاء جميعاً لمّا سُئلوا كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو لعض يوم. فالأيام تُحسب بطلوع الشمس وغروبها وليس في القبر شمس فالميت يكون في انقطاع من الدنيا واقبال من الآخرة وبينهما فترة انتقالية مقطوع فيها الزمان وحتى لو سألنا رجلاً مات من عهد آدم كم لبثت لقال يوماً أو بعض يوم أيضاً. أما في سورة الواقعة فقد تكلم سبحانه وتعالى عن خروج الروح وعن إعجاز الله تعالى فيها (فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم وأنتم نتظرون ) (فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين) وكذلك في سورة القيامة (حتى إذا بلغت التراقي وقيل من راق) من راق بمعنى من يُشفق عليه ويُعيد روحه؟ وكان التعقيب (فلا صدّق ولا صلّى ولكن كذّب وتولّى) كذّب عكس صدّق وتولى بمعنى نأى وبعُد عكس صلّى فكأنما الذي يصلي يقترب من الله تعالى فصدق تعالى في قوله (كلا لا تطعه واسجد واقترب) فكلما سجد الانسان وصلّى كلما اقترب من ربه تعالى ورحم الله تعالى الدكتور عبد الجليل عيسى الذي قال في تفسير كلمة (صدّق) أن الله تعالى صعّفها ليجمع فيها معنى الصِّدق والتصدّق وهي كلمة تحتمل المعنيين.

سؤال: في القرآن 14 موضعاً للسجود فما الحكمة في ذلك؟

أولاً لا يجب لأن نقول ما الحكمة في أنها 14 موضعاً أو ما شابه لأنها لو كانت أكثر أو أقل لكنا سألنا نفس السؤال لكن علينا أن نطرح السؤال بشكل مختلف وهو لماذا نسجد عند قراءة هذه الآيات بالنحديد؟ ونقول أن السجود له معنيان المعنى اللغوي وهو الخضوع والخشوع والتذلل لله تعالى معنى اصطلاحي وهو أن تسجد بهامتك على الأرض بحيث يكون الرأس والرجلين على استقامة واحدة وهذا اعلان بمنتهى الخشوع والتذلل بين يدي الله تبارك وتعالى فعلينا أن نكون خاضعين لله تعالى خضوعاً تاماً (فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين) وهل يوجد أكثر من أن يموت للانسان شخص يحبه وهو واقف أمامه لا يستطيع أن يفعل له شيئاً؟! فالاسلام لله تعالى من كل من في السموات والأرض (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً أو كرهاً) وهذا اسلام خضوع. المسلم مسلمٌ طواعية وغير المسلم مسلمٌ كراهية لأنه لا يملك كل يوم عندما يستقيظ من أن يفعل ما لم يكتبه الله تعالى له فهو بهذا مسلم ٌ رغماً عنه. والسجود كذلك هو منتهى الخضوع لله تعالى ومنتهى الخضوع أن ترى حبيبك أو صفيّك روحه تصعد وأنت لا تستطيع أن تفعل له شيئاً فهو ميت ميت ولهذا لم يعقّب الله تعالى على هذه الآية وإنما ذكر بعدها أصناف الموتى الثلاثة (المقرّبين، أصحاب اليمين، المكّذبين) ومسألة خروج الروح هي أوقع وأعظم من أن يتكلم عنها القرآن لأنها واقعة واقعة تكلّم عنها أم لم يتكلم وعندما تكلم فيها في سور أخرى كان ذلك من باب الاعجاز ثم ترك تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ان يتكلم عنها في الحديث الشريف عن توصيف خروج الروح الذي بدأنا باستعراضه في الحلقة ما قبل السابقة. وكأن السُنّة النبوية والأحاديث الشريفة هي بمثابة مذكّرة إيضاحية للقرآن لكن لها حدود فالرسول صلى الله عليه وسلم لمّا تحدث عن الجنة في أحاديثه الشريفة قال:" فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" فكأنه عليه الصلاة والسلام يعجز عن وصف الجنة مع أنه رآها. وعليه فإن القرآن الكريم يتحدث في أمور ويترك أخرى للرسول صلى الله عليه وسلم ليتحدث بها.

قلنا سابقاً أن القرآن الكريم ما تكلم عن خروج الروح بطريقة الاعجاز هذه إلا وذكر كلمة القرآن قبلها. ففي سورة ق  قال تعالى (ق والقرآن المجيد) وقلنا سابقاً أن النفس هي جماع الروح والبدن، وفي سورة الواقعة (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) ثم قال تعالى (فلولا إذا بلغت الحلقوم) ونسأل بلغت تعود لمن؟ للروح؟ أي روح؟ هل هي الروح بمعنى القرآن في السورة كما أوردنا في حلقة سابقة عن معاني الروح السِتّ المختلفة في القرآن كما قال الدكتور عبد الصبور شاهين في قوله تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) الروح هنا ليست قوام الحياة وإنما هذه الروح منسوبة إلى الله تعالى والضمير في روحي يحتاج لوقفة طويلة، والوحيد الذي أخذ روحاً منسوبة إلى الله تعالى هو الانسان.

وفي سورة القيامة (حتى إذا بلغت التراقي) بلغت هنا تعود للروح وليس صُدفة أن تكلّم عن الروح والقرآن فكأن الله تعالى يريد أن يقول أن للمقرّبين والسابقين وأصحاب اليمين روحان روح هي القرآن (روحاً من أمرنا) وروح هي قوام الحياة وهو يختلفون عن المكذبين الضالين الذين ليس لهم روح إلا روح هي قوام الحياة. فالذي لم يكن مسلماً عندما يقرأ القرآن بعد إسلامه تتغير حياته فيصلّي ويصوم ويصبح له روحان روحه التي بين جنبيه والروح التي هي القرآن. فليس صدفة أن يتكلم تعالى عن القرآن ثم يتكلم عن خروج الروح (ق والقرآن المجيد) (إنه لقرآن كريم) (لا تحرّك به لسانك لتعجل به) أي القرآن. والمقرّبين كُرّموا بتكريمهم للقرآن والكفار كذبوا بالكتاب الذي هو كتاب أوامر ونواهي وفيه تكليف والنفس البشرية من طبيعتها أنها لا تحب التكليف. وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم في توصيف خروج الروح يوصّف لنا ما جاء في الآيات السابقة التي عجزنا عن فهمها. فمسألة الحلقوم هي المسألة السابقة لخروج الروح وفي سورة القيامة (إذا بلغت التراقي وقيل من راق) كأنه لو قيل من راق قبل التراقي تنفع. قال تعالى (وهو الذي قضى أجلاً وأجلٌ مسمّى عنده) معناها أنه يوجد أجلٌ للدنيا كلها وأجلٌ لكل واحد منا على حدة وأنا أعيب على الذين يقولون حينما يتوفى أحد الناس صغيراً سؤالهم هل مات ميتة ربه؟ فكأن هناك ميتة ربه وميتة غير ذلك! حاشا لله  فالمولى تعالى لا يحتاج لأسباب للموت لكن مفهومنا نحن البشر ضيّق ومحدود.

ونصّ الحديث الشريف عن البراء بن عازب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ولمّا يُلحد وفي يده عود ينكت في الآرض ففك رسول الله طويلاً ثم رفع رأسه وقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر ثلاثاً ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة تأتيه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس يجلسون منه مدّ البصر ثم يأتي ملك الموت ويجلس عند رأسه ويقول: يا أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من ربك ورضوانه وفي إحدى الروايات (النفس الطيبة) (وهنا استخدم كلمة النفس لأن الروح ما زالت في الجسد) وعندما تصعد الملائكة بالروح في السماء تسأل ملائكة السماء ما هذا الروح الطيّب؟

مناجاة:

أناجيك يا إلهنا لعلّك تسمع نداءنا، فقد عظُم جُرمنا وقلّ حياؤنا وحتى متى وإلى متى نقول لك العتبى ثم لا تجد عندنا صدقاً ولا وفاء. لولا لم يكن إلا الموت لكفى، كيف وما بعد الموت أعظم وأدهى فيا غوثاه بك يا إلهنا من هوى قد غلبنا ومن دُنيا قد تزيّنت لنا ومن نفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربُّنا فيا ربّاه إن كنت رحمت مثلنا فارحمنا، إرحمنا إذا ودّعنا الأهل والاحباب وحُثي علينا التراب وبليت أجسادُنا ونُسيت أسماؤنا وهُجرت قبورنا فلم يزرنا زائر وم يذكرنا ذاكر. إرحمنا يوم يأتيك كل منا فرداً شاخصاً إليك بصره مقلَّداً عمله وقد تبرّأ جميع الخلق منّا، ارحمنا إذا ظهرت منّا المآثم واستولت علينا المالم وطالت شكاية الخصوم وانتصرت دعوة المظلوم، إرحمنا إذا ذهبت أيام لذتنا وبقيت مآثمنا وتبِعاتنا فإن لم ترحمنا فمن يرحمنا ومن يُؤنس في القبر وحشتنا ومن يُنطِق ألسنتنا إذا خلونا بأعمالنا وسألتنا عمّا أنت أعلم به منا، فإن قُلنا نعم فأين المهرب من عدلِك؟ وإن قُلنا لم نفعل قلت اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، فعفوك يا الله عفوك يا أرحم الراحمين.  

 

بُثّت الحلقة بتاريخ 11/7/2004م



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل