حلقة خاصة مع الدكتور عبد الصبور شاهين حول كتابه أبي آدم

حلقة خاصة مع الدكتور عبد الصبور شاهين حول كتابه أبي آدم

افتتح الدكتور هداية الحلقة بالترحيب بالدكتور شاهين وقال إن هذه الحلقة هي لإجلاء حقائق غابت عن الأمة ونحن نعرض لقضية وقعت بها الأمة الإسلامية بيقين وهي قصة الخلاف. السلف الصالح عرفوا معنى الاختلاف واختلفوا في أمور لا يصح فيها الاختلاف لكن ساعة الخلاف كان يحترم بعضهم بعضاً ويقدّرون لكل عالم اجتهاده وهناك كتاب للدكتور عبد الجليل عيسى بعنوان "ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين". وقضية اليوم قضية الاجتهاد وعرض الرأي الآخر والشافعي كان يقول رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وعلى هذا نجتهد والخلاف ليس في الأصول أوالعقيدة وأنا أُحذّر أنه يوجد في القرآن كلمات فُهمت خطأ واعتدنا عليها فإذا جاء من يتكلم بصحيحها نختلف معه.

ويبدأ الدكتور عبد الصبور شاهين حديثه فيقول: القضية أي الكتاب أبي آدم قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة عمرها ثمانية أعوام أثار الكتاب مجموعة من المشكلات منها ما ذهب إلى القضاء ورُفضت وكان عماد رفضها لدى القضاء بناء على تقرير مجمع البحوث الاسلامية "والكتاب لا يتكلم في أصول العقيدة وإنما هو اجتهاد ومن حقه أن يجتهد" فجاءت الأحكام موافقة لظهور الكتاب. ثم أُثيرت هذه المسألة مؤخراً وتجدد الحديث عنها وكأن الكتاب يظهر لأول مرة.

يجب ملاحظة التالي: ينبغي أن نعلم أننا نتحدث عن قضية نصفها معنا ونصفها في غيب الله تعالى (ولا يعلم الغيب إلا الله) (فلا يُظهر على غيبه أحدا) والنصف الذي يهمنا أن آدم هو أول الأنبياء نحن نعرفه نبياً كما قرر القرآن (إن الله اصطفى آدم ونوحاً) وعندما يقول الله تعالى اصطفى يعني اختار وعندما قال تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) كانت إشارة إلى ما قدّر الله تعالى بمرحلة التكليف الديني بآدم u وعندما تفوق آدم على الملائكة في الحوار الذي جرى (وعلّم آدم الأسماء كلها) هنا ثبت تفوق آدم النبي على الملائكة (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) وقد نختلف في أن هناك مفردات مشتبهة (وأُخَر متشابهات) هذا المتشابه يجتهد العلماء في فهمه (والراسخون في العلم يقولون آمنا به).

ما معنى كلمة خليفة؟ وما معنى علّم آدم الأمساء كلها؟ علّمه الغنم والبقر والبعير في بعض التفاسير فهل يكون هذا موضوع قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها)؟ كان المظهر واضحاً وكانت الملائكة ترى ما يُحدثه هذا المخلوق من سفك للدماء فهل يسفك دماء لموجودات لا يعرفها؟ مستحيل، فعندما حاولت أن أفهم كلمة خليفة إرادة الله تعالى شاءت أن تبدأ مرحلة جديدة في حياة البشر هذه المرحلة هي مرحلة بداية الحضارة الانسانية لأنه لا حضارة بلا دين . وعظمة آدم أنه أوّل نبي بدأ دعوة التوحيد لله فلا شك أن الأسماء التي تعلّمها آدم متصلة بوظيفته كونه خليفة ونبي وتكون الملائكة حينها سجدت لآدم الرسول النبي الذي اصطفاه تعالى من دون خلقه جميعاً وليس لآدم المخلوق. هذا ما حاولت أن أفهمه وأنا لا أفرض فهمي لكن لا نعيش دون أن نبدي رأينا ونحن لا نعيش مع القرآن في طلاسم بل سيظل معطاء يُسفر عن معاني غيبية (وما أُوتيتم من العلم إلا قليلا) سنظل نؤتى العلم قطرة قطرة حتى تقوم الساعة.

أرجو لمن يقرأ كتابي أن يأخذه على أنه تجربة جديدة لمحاولة فهم قصة اختلطت فيها الحقائق والأساطير والكثير من التفاسير القديمة مختلط فيه الاسرائيليات بالحقائق الدينية ولا ينبغي أن نستسلم. ولقد قمت بالاشراف على رسالة ماجستير عن الاسرائيليات في تفسير الطبري وكنا نظن أنها من التفاسير وجاءت بأصول هذه الاسرائيليات ثم اتصلوا بالباحثة ليأخذوا منها حق نشر الكتاب وكأنهم يريدون أن يقولوا أن هذا الاسلام الذي يدّعون أنه جديد ما فيه جديد غير ما اقتبسوه من العهد القديم فيجب أن ندافع باجتهادنا والشرط ان ى نسكت ونُمسِك عن الكلام لأن القدماء والسلف قالوا. وهناك بعض العقول المتجمدة التي لا تريد أن تتزحزح مع العلم أن زحزحتها تفيد في تنوير الفكر الاسلامي.

بداية آدم نتفق فيها جميعاً نبياً ورسولاً لكن ما قبل آدم، كيف خُلِق؟ من أي زمن كان؟ بعضهم يقول من عشرة آلآف سنة ووضعوا جدول وهذا كلام ثابت في العهد القديم ونحن لا نصدق العهد القديم ومنهم من يقول من مئة ألف سنة. ما سنده وما دليله؟ وليس من حق أحد أن يقطع بهذا الأمر وإنما يظن فالمسألة تُلقى على سبيل الاحتمال ولا يُلقى كلام قطعي ونحن جميعاً نجتهد والرسول r "قال من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد".

سؤال من الدكتور هداية: هل كان هناك بشر قبل آدم وحواء؟ وهل كان الاصطفاء من بين بشر؟

الجواب: الاجتهاد في هذا الموضوع بدأ من النصّ القرآني (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) (إذا) في منطق الاجتهاد الذي قمت به ظرف لما يستعجل من الزمان والقدرة الإلهية الذي يقول للشيء كن فيكون لكنه فُرِض علينا أن نفهم الأمور عكس هذا الفهم فهو خلق البشر لكن هناك مدى يتم فيه التسوية في إطار فائدة. يمكن أن تكون (إذا) مساحتها الزمنية ثانية واحدة (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) وقد تكون ملايين السنين والعلم الذي تلقيناه عن بعض العلماء وإن كان بعضهم يخرج للأساطير حتى ينضج الانسان ويستوي عقله ويصل إلى درجة يتقبل فيها الرسالة ويتفهم فيها مفهوم الألوهية والربوبية والوحدانية مضت عليه ملايين السنين هذا كلام قالوه وهناك إثباتات جيولوجية. أنا رجل لغوي وأنا أعلم أن اللغة التي نتحدثها الآن واحدة من ثلاثة آلآف لغة . متى نشأت وكيف نشأت وكيف نعلم الجوّ الذي نشأت فيه اللغة الأولى ثم كيف تعددت اللغات إلى أن أصبحت ثلاثة آلآف وهو كتاب سأنشره. أنا كلغوي أفهم القانون اللغوي وحتى يشيع في المجتمع يحتاج إلى مئات السنين . تتماشى لغتنا الفصحى مع لغة القدماء وهناك من يتمنى زوال اللغة الفصحى ويقولون نحتاج إلى لغة بسيطة سهلة غير معقدة. وأقول أن أبسط اللغات هي أكثرها تعقيداً الفرنسية مثلاً هي أكثر تعقيداً من العربية ومع ذلك نجد من يصفها بالبساطة والجمال واللغة العربية ينهال عليها التهم. يكفي أن يُقال أن أصناف تصريف الفعل في الفرنسية 13 طريقة لتصريف الفعل بينما في العربية يوجد ثلاث طرق الماضي والمضارع والأمر ومع ذلك يريدون أن يزيلوا العربية وهي خطة لمحاربة الاسلام. ومن يتعوّد الحديث بلغة يتحدثها بسهولة واللغات تحتاج لقرون حتى تتكون.

(قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف بدأ الله الخلق) نحن مطالبون بالسير في الأرض والبحث عن الخلق. في كتاب فتح الباري للعسقلاني عندما وجد بعض الأحاديث تتحدث عن شكل آدم عندما خُلِق (كان طوله ستون ذراعاً وعرضه أربعة أذرع) قال وفي هذا إشكال عندما ننظر إلى ديار ثمود في شمالي الجزيرة العربية ونرى جثثاً قديمة متحجرة وقال عندما ننظر إلى أجساد الثموديين (قوم ثمود) نجدها كأجسادنا والمسافة الزمني بين آدم وثمود أقل منها بيننا وبين ثمود فكيف نفسّر هذا الإشكال؟ نتركه لله تعالى وهذه عظمة العلماء السابقين يتوقفون عند ما يُشكِل عليهم ومن الأدب أن لا نقول فيما لا نفهمه شيئاً.

وهناك مسألة ثانية وهي فكرة الجنة وأن آدم خُلِق في الجنة وأنه أُهبِط منها إلى الأرض. حاولت أن أفهمها فلم أستطع إلا بضوء القرآن: الله تعالى يربط الخلق بالأرض (منها خلقناكم وفيها تعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) (فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تُخرجون) نحن مرتبطون بهذه الأرض والجنة يستخدمها القرآن بمعنيين : معنى غيبي وهو جنة الخُلد ومعنى دنيوي أرضي وهو الحديقة (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه) (جعلنا لأحدهما جنتين) (كما بلونا أصحاب الجنة) لم تُذكر جنة الآخرة حتى تُذكر جنة الدنيا. وُجِد آدم في جنة هيأها الله تعالى وقال له ولزوجه احذرا من الشيطان (لا يخرجنّكما من الجنة فتشقى) ثم يصف تعالى الجنة (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) خواص الجنة هذه ستوفر له الأكل والشرب والظِلّ والكسوة. أين هذا من وصف الجنة الأخروية (وإذا رأيت ثمَّ رأيت نعيماً وملكاً كبيرا) (مثل الجنة التي وُعِد المتقون)؟ جنة الدنيا فيها الطعام والشراب والكسوة والظل معنى ذلك أن آدم على الأرض فوسوس لهما الشيطان (فقال هل أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى) معنى هذا أن معلوماتهما وتجربتهما الحياتية أعطتهما فكرة عن الخلود والمُلك الذي لا يبلى وأنها أمنية يتمنيان أن يصلا إليها ويعدما بها الشيطان. الحالة التي كانوا فيها في الجنة متواضعة والشيطان أغواهما ولا شك أنهما رأيا تجربة الموت وانظر إلى حوار ابني آدم فلو كانت أول تجربة للقتل لما قال ما قال (لأقتلنّك) (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) هذه تجارب حياتية حيوية ومع ذلك فهو اجتهاد ولا يختلف مع أصول العقيدة وثوابتها ويمكن أن يصل بعض المجتهدين إلى أن الجنة في زُحل أو المشتري أو غيره من الكواكب ولا أحد يستعلي على العلم ويكبر على المعرفة أما أن تتحجر العقول فيصل بعضهم في الإسفاف إلى حدّ التكفير ومع ذلك فلقد مرّت وكأن لم تكن بالأمس وحسمها القضاء من ناحية ومجمع البحوث الإسلامية من ناحية وأعتقد أن الله تعالى سيتولى إسكاتها تحقيقاً لأمنيتي أن ينصر الله الحق ويخذِل الباطل.

سؤال من د.هداية: من الواضح في الكتاب التركيز على بشر وإنسان والكتاب أنا أراه مستوفياً هذه الجزئية لكن بعض المشاهدين لم يطّلعوا على الكتاب وأرجو أو توضح الفرق بين بشر وإنسان والتركيز على كلمة خليفة وقد ثار جدل حول ما قلناه سابقاً حول هذه الكلمة. فبعض الكلمات استقرت في الأذهان على مفاهيم خاطئة فإذا شرح أحدنا فهمه للنصّ يُكفّر.

الجواب: كان المنطلق إلى هذه القصة بداية سورة ص باعتبار أن النص في السورة هو أول نص تناول هذه القصة والمهم والغريب أن نص سورة ص لم يذكر آدم إطلاقاً إنما اقتصر على بشر (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وهنا مسألة غريبة جداً يسوقها بعض المعارضين يقول إن الله عز وجلّ يقص علينا قصة خلق آدم (قال يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) ويتخيلون الله تعالى كما يتخيلون أنفسهم نحن نعلم أن اللغة العربية تستخدم كلمة يد للدلالة على القدرة بالاضافة (أول يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ) فليس الخاق بيدي الله تعالى مقتصر على آدم لكنه سارٍ في فهمنا لخلق الأنعام (يُنبت لكم) (هو الذي أنزل من السماء) بقدرته وبيديه هذه مسألة يجب أن نحسمها ونهندس فكرة المشاهدين عن ألفاظ القرآن ومن ناحية أخرى ما جاء في سورة ص. المدخل هنا يتحدث عن بشر ثم جاء قصة البشر وآدم (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) و(ثم) كما نعلم تفيد الترتيب والتراخي وجب أن يفسر القرآن بعضه بعضاً وأنه لا نتوقف أمام رؤية محددة وإنما يتعاون النص القرآني على الفهم. هنا عندما ذُكِر آدم وهو في الواقع كما قلنا ونحن موقنين بهذا أنه أول نبي وهو بداية الدين ومرحلة النبوة وبداية الحضارة الإنسانية فالإنسان المكلّف هم بنو آدم الذين شاء الله تعالى لهم أن يتلقوا علم الدين وحضارة السماء عن طريق نبوة آدم. كيف حدث هذا في خطواته الأولى؟ هذا شأن الله تعالى لكن المهم أن آدم البشر دخل في مرحلة الإنسانية فصار إنساناً بشراً ولذلك يصح أن يقول القرآن للنبي r (قل إنما أنا بشر مثلكم) بحسب الأصل أي أنا من البشر الذين خلقهم الله للتكليف وإنما الدين لينقلكم من المرحلة البشرية إلى المرحلة الإنسانية وقد جئت خاتماً للنبوات وداعياً إلى توحيد الله بالإسلام دين كل الأنبياء وهذه قضية أخرى لكن المهم أننا لا نتناقض مع آيات القرآن ولا مه فهمنا للقرآن ولا نفتري على القرآن وإنما نتحدث حديثاً منطقياً مع القرآن وسائراً مع معانيه ببساطة ومن كان له رأي آخر فليقله كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما نزل قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) قال عمر: من كان له شيء بعد ذلك فليقله. أنا أعرض اجتهادي ولا أزعم أني ملكت الحقيقة وحدي وإنما أعلم أن أناساً قبلي أفضل كثيراً مني قالوا مثل هذا الرأي أنه قبل آدم كان هناك أوادم كثيرة منهم وفي مقدمتهم محي الدين العربي وهو فيلسوف وله نظرية اجتهادية ولا نستطيع أن نخطّئه فمن أراد أن يُخطّئ فما هو دليله؟ وأنا اعتمدت على القرآن وهو يغنيني عن الكثير ولا يوقعني في التفسيرات المتضاربة.

أنا بشر وأنا إنسان ولم أفقد بكوني إنساناً أني كنت بشراً وسأُبعث يوم القيامة بشراً وإنساناً في نفس الوقت.

كلمة خليفة: (وإذ قال ربك للملائكة إن جاعل في الأرض خليفة) خليفة بأي معنى؟ هل هو خليفة عن الله؟

في الواقع وهذا فيما أرى مذهب سائغ في الفهم لا يمكن أن يسلّم لأن الله تعالى لا يغيب حتى يتخذ خليفة (وهو معكم أينما كنتم) (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) حتى الملائكة التي وُصِفت بأنها حفظة (إنا عليكم حافظين) ليسوا خلفاء ولا يوصفون بأنهم خلفاء وإنما هم موظفون في خدمة النبي وذريته من بني آدم ويكفي أن يقتصر النداء في القرآن على (يا بني آدم) لنعرف كيف خصص الله تعالى هذه الذرية بهذا التعظيم وكيف ذكرهم بهذا التخصيص وحدهم. إننا لا نستطيع أن نقول من كان يعمر الأرض قبل آدم أو ما زال يعمر الأرض بعد آدم كل هذا علمه عند الله تعالى. وعلينا أن نتعلم الأدب من القرآن عندما يأتي بقصة من التاريخ يقول تعالى (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) على إخوة يوسف (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك) الأدب أن نكِل علم ما لا نعلم لله تعالى فنحن بيد الله عز وجل وما نتلقاه من علم الله نقول به ونتلقاه بالحمد والشكر والتواضع لله تعالى (وما أُوتيتم من العلم إلا قليلا) فعندما نقرأ (إني جاعل في الأرض خليفة) خليفة أي رسول موظف وظّفه الله تعالى وعندما يقول خليفة على الذين وصفتهم لملائكة بأنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء وهذا دليل على وجود خليفة مع أنها قراءة شاذة لكني لا آخذ بها ولذلك خليفة تعني موظفاً ونبياً سيقوم بتبليغ دعوتي وكل الأنبياء مرسلون من قِبَل الله تعالى (وتلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) الرسل كلهم من خلفاء الله تعالى أي ممن اختارهم الله تعالى لحمل رسالته هذا ما يؤدي إليه اجتهادي في فهم خليفة.

من عام 1967 إلى 1998 كنت أعيش الفكرة وأناقش نفسي فيها والذين يناقشون الكتاب لم يقرأوه ومن يناقش يناقش بانطباع وفِكر اللحظة فذكرت أمام أحد الفضلاء عندما كنت في المدينة المنورة  وهو الاستاذ محمد المجذوب رحمه الله سمع مني كلمة خليفة وظنّ أنني أقول أنه خليفة عن الله فقال كيف تقول هذا؟ هل الله يغيب حتى تقول خليفة عن الله فشكرته لأنه فتح علي فهماً جديداً وقلت له لقد علّمتني شيئاً لم أكن أعلمه وهذا ما ينبغي أن يكون سلوكنا.

سؤال من الدكتور هداية: أطلب عرض الفكرة كاملة هل كان لآدم أب وأم؟ فهل طُرِح هذا في الكتاب؟

الجواب: لو أني سرت مع البشر عندما خُلِقوا وسرت معهم وهم ينالون تسوية الله لخلقهم ثم سزت معهم في نفخ الله تعالى من روحه ومنحهم العقل الذي هو مقصود بقوله (ونفخت فيه من روحي) الروح هنا ليست روح الحركة في تفسير الكتاب لأن الحركة موجودة في كل كائن ولكن من نِعَم الله تعالى أنه نفخ فيه من روحه ثم أتخيل وأنا لغوي كيف اهتدى الإنسان إلى توظيف صوته وكيف استخدم الصوت وكيف خصّه بالمعنى وكيف كوّن التركيب الأول ليقل بابا وماما وهي من أقدم الكلمات وهي كلمات فصحى ثم بعد ذلك تطوّر توظيف الصوت عبر القرون ومن جيل إلى جيل ومن قبيلة إلى قبيلة ومن لغة إلى لغة ومن لغة إلى لهجة كل هذا أيمكن بكل بساطة أن أفهمه أنه تمّ بين لحظة وأخرى؟ كلا فلا بد من الزمان لأن الزمان قانون الله وسنة الله في الخلق.

وهنا كانت مداخلة للدكتور محمد المسيّر أستاذ العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر:

شكر الدكتور المسيّر للدكتور هداية استضافة الدكتور عبد الصبور شاهين وبدأ مداخلته فقال: أرسطو يقول : أفلاطون حبيب إلى نفسي ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع.

بالنسبة للقضايا توجد مسائل ليست محل خلاف نشأة عمر الدنيا، نشأة الدين وموقفنا من الإسرائيليات. لكن القضايا الأساسية هي محور الخلاف: هل آدم فرد أم نوع؟ إذا قلنا أن آدم نوع هذا يتعارض مع النصوص الشرعية فآدم فرد.

هل الكائنات نشأت عن طريق تطوّر الأنواع كما هو مذهب داروين؟ أظن أن الدكتور شاهين نفسه يرفضه فأين الخلق المُستقل إذا كان آدم نشأ من البشر؟ أنا لا أجد فرقاً بين نشأة آدم من البشر ونشأة الإنسان من الخليّة الأولى.

هل تفاصيل صفة آدم والنشأة الأولى هي مسألة علمية تجريبية أو مسألة دينية؟

المسأة دينية (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض) العلم يقول كلمته لكنها تبقى ظنّية ولن تكون تعينية. التفرقة بين البشر والانسان أرى أنها مصطنعة فالألفاظ المترادفة كثيرة جداً في اللغة ما صدق واحد كما نقول في المنطق. كلمة بشر لها دلالة وكلمة إنسان لها دلالة من حيث المفهوم لكن ما يصدق عليه اللفظ هو واحد. ثم القول أن البشرية كانت صمّاء بكماء عمياء ثم جاء منها آدم، فهل آدم فرد أو نوع؟ هل خرج من هذه البشرية نوع فرد واحد هو آدم أم أنه تحوّل إلى أوادم؟ القول أن آدم نشأ من البشرية وهو وحده أظن أن هذا بعيد جداً ويتنافى مع نصوص القرآن الكريم. فقضية أنه يوجد مشروع لبناء الانسان وإن هذا المشروع مرّ بمراحل أعتقد أنها من الخيال الجامح عند الدكتور وأظن أن الدكتور رفض الخرافة لكن لديه خيال الشعراء فخيال الشعراء جمح به إلى هذه المعاني كلها.

ثم إن جنة آدم هل هي في الأرض أو في الملأ الأعلى أظن أن إطار القصة يضعها في إطار الملأ الأعلى فهل عندما علّم آدم الأسماء كلها كان في الجنة الأرضية وهل سجد الملائكة لآدم في الجنة الأرضية؟ فما الفرق بين البستان الأرضي وبقية الأرض؟

أنا أتصور أن ظواهر القرآن تُحترم ما لم يكن هناك صارف عقلي أو علمي يدفعني لذلك.

مسألة خليفة الله لها أكثر من معنى ومستحيل أن تكون خليفة عن الله. خليفة بمعنى حاكم ويخلق الكائنات الأخرى التي سبقت لآن آدم خاتمة الخلق الإلهي لأن كل الكائنات خُلِقت قبل آدم (وعلّم آدم الأسماء كلها) قال تعالى (إني خالق بشراً من طين) ليس المقصود آدم وإنما المقصود به ذرية آدم (يسفكون الدماء).

 الجواب:

هل هي مسألة دينية أم مسألة علمية؟ هي بين الاعتبارين هنالك ما يتصل بالفهم الديني والعنصر الديني وفي نفس الوقت هنالك أمور تتصل بالعلم ربما نفيده من بحوث العلم في تاريخ الخلق على الأرض والموجودات على الأرض وأظن أن هناك معايير الآن لقياس زمن الوجود وتكوّنه عن طريق الإشعاعات النووية وهذا ليس من اختصاصي وإنما يقول به بعض العلماء المسلمين. أنا أعتبرها مسألة يتعاون فيها الفكر الديني مع العلم لتكوين فكرة جديدة متكاملة عن حقيقة هذا الأمر.

جنة آدم: يقول الدكتور المسيّر أن جنة آدم في السماء أوقع من أن تكون على الأرض  هذا اجتهاده وأنا لا أُصادر عليه وربما استدل بقوله (اهبطوا منها جميعا) تفسير أنها نزول من السماء إلى الأرض وهنالك من يفسرها وأنا منهم أفسرها على أنها هبوط منزلة ودرجة كما قال موسى لقومه (اهبطوا مصر) والقرآن يتحمل هذا المعنى.

خليفة: اتفق معنا الدكتور المسيّر بأنه لا يمكن أن يكون خليفة عن الله وهذا ما اخترناه في تفسير قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) ولكن البعض تكلم أن من يقول أن آدم ليس خليفة الله فقد كفر فما رأيكم في هذا؟ الله تعالى أعلم بما يفعل وبمُراده بذلك فمن تصور أن آدم ليس خليفة عن الله فهو كافر. أما خليفة بأي معنى فنحن نكِل هذا إلى عِلم الله تعالى ونحن ننزّه الله تعالى أن يكون له خليفة أو أن يغيب عن خلقه لحظة واحدة (وهو معكم أينما كنتم) لكن آدم خليفة من الله وليس خليفة عن الله؟

هل آدم فرد أم نوع؟ آدم رسول من الله ولا يمكن تحويله إلى نوع إلا بعد ذلك وإنما صار بعد ذلك أصل النوع الإنساني المدعو إلى الدين والتكليف. قبل آدم لم يكن هناك تكليف ولا دين وكانوا قبله يفسدون ولا تكليف لكن لما جاء آدم أصبح هناك تكليف وقُلتُ أنه لا حضارة بلا دين وأن آدم بُعِث بالدين بالإسلام الذي هو دين الله وهو الاسلام. فلا دين من آدم إلى محمد إلا الاسلام هذه هي عقيدتنا وكل حرف جاء به نبيّ فهو جزء من تعاليم الاسلام الذي هو دين الله (إن الدين عند الله الاسلام).

هل المسألة في وجهة نظرك دينية أم علمية أم مزيج بين الاثنين؟ هي قضية دعوة للعلم وليس فخراً أني ارتبطت بالعمل في مجال الدعوة منذ عام 1943 عندما كان عمري 13 عاماً ولم أفارق المنبر منذ ذلك التاريخ حتى الآن حتى أنني أتخيل أحياناً أني من فوق المنبر اخِرُّ  في رحلتي إلى ربي. ارتباطي بالدعوة عرّضني للكثير من مناقشة قضايا الخلق والتفسير وقد خطبت على المنبر إحياء علوم الدين كاملاً والترغيب والترهيب كاملاً وحفظته وصحيح البخاري ومسلم كاملاً عرّضني لمناقشة كثير من القضايا والأسئلة وعندما بدأت أعمل في سنّ النضج والثقافة بدأتُ سنة 1957 السنة التي تخرّجت فيها من دار العلوم وبدأت أقدّم لقرّاء العربية كتباً إسلامية لأنني فيما أُبلِغت أني لا مستقبل لي بعد التخرّج في عمل مدرّس أو مُعيد ولا أي وظيفة في البلد فقررت أن أعمل مترجماً وتعلّمت الفرنسية وساق الله تعالى لي فيما قدّره المفكّر الإسلامي مالك فترجمت كتبه وهي متصلة بمشكلات الفكر الاسلامي منها الظاهرة القرآنية طُبع منه أربعون طبعة إلى الآن وهو أعظم كتاب صدر في القرن العشرين وهو كتاب متميز وقدّم له الدكتور محمود شاكر وهو أكثر من طه حسين والعقّاد ديناً. وتقلّبت في كثير من الكتب ويكفي أن أقول شيئاً سألت الله أني عندما ألقاه أن يؤتيني يوم القيامة نسخة من كتاب دستور الأخلاق في القرآن للدكتور محمد عبد الله دراز حتى تكون شفيعاً لي بين يدي ربي. هذه مسألة أفخر بها واشتغالي بالترجمة فتح لي الأفكار ورقّ عقلي. المسألة دعوية أساساً وفي كتاب اسمه تاريخ القرآن الذي طُبِع منه 35 طبعة ويُدرّس الآن مقرراً على كثير من الكليات في معهد الدراسات الإسلامية وكتبت في القراءات القرآنية وأدخلتها في مجال دراسات التخصص الأكاديمية في الماجستير والدكتوراه. فهل يمكن أن أُتّهم في عقيدتي أو أنني أفرِّط في عقيدتي فأنا أفتديها بحياتي.

سؤال من الدكتور هداية: رأيكم في خلق حواء هل خُلِقت من ضلع آدم أو من تراب؟

الجواب: قرأت بحثاً نُشر أن هذه القضية متداولة في بعض الأساطير والحكايات في وسط آسيا وأنها وُجِدت في كتب العهد القديم ويصفون أن آدم جلس فنام ثم فتح عينيه فرأى حواء وكلها أساطير وشاعت حكايات ثم تبناها الكثيرون على أنها منطلق عقدي. أيهما أكثر منطقية أن يكون آدم وحواء خُلِقا مخلوقين بسُنّة الله تعالى وبالقاعدة الخلقيّة من سلالة البشر (من سلالة من طين) أم يُقال آدم بمساحة 240 متراً مربعاً ثم تصاغر وتصاغر وأن حواء خُلِقت من ضلعه مع أن عدد الأضلاع متساوية عند الرجل والمرأة ويُقرُّ بذلك العلماء. أنا لا أُفسّر الغيب ولا أزعم أني أعرفه ولا أفرض أني وصلت للحقيقة لكني أفرض احتمال الحدوث على هذا النحو ولكن في النهاية الله أعلم.

 

بُثّت الحلقة بتاريخ 4/7/2004م



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل