الدقة في المفردة القرآنية على المستوى الدلالي-6

الدقة في المفردة القرآنية على المستوى الدلالي

من برنامج تدبر مع القرآن - د. محمد داوود (قناة أهل القرآن يوميًا الساعة 8.30 صباحًا بتوقيت مكة ويعاد يوميًا الساعة 4.30 عصرا و8.30 مساء)

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

الدَلالة والهداية

من الكلمات القرآنية التي تستوقفنا وتلفت انتباهنا الدلالة والهداية، شيء مدهش وعجيب حين تعلم من اللغة أن الدَلالة وهي الوجه الأفصح الدِلالة وجه جائز والدَلالة هو الوجه الأفصح كما بين ابن منظور في لسان العرب. الدَلالة في اللغة هي البيان والتعريف، مجرد البيان والتعريف بالشيء الذي تريد أن تدلّ غيرك عليه، من ذلك قوله تعالى (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴿٤٠﴾ طه) مجرد البيان والتعريف، وقوله تعالى في سورة طه في شأن وسوسة الشيطان وبداية رحلة الإغراء والإغواء لآدم، قال ابليس عليه اللعنة (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴿١٢٠﴾ طه) أدلّك مجرد البيان والتعريف إلى آخر الآيات التي وردت فيها كلمة دلّ، يدلّ، أدلّك، وكلها تدور حول معنى البيان والتعريف، مجرّد البيان والتعريف.

لكن إذا انتقلنا إلى الهداية تجد (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴿١٠﴾)، فتجد قول الله عز وجل في سورة الكهف (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴿١٧﴾) ما معنى الهداية؟ (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿٥٠﴾ طه) (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿٢﴾ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴿٣﴾ الأعلى) ما معنى هذه الكلمات التي تدور حول الهداية؟ الهداية فيها دلالة، فيها تعريف، فيها بيان، ولكن يزيد ملمح دلالي يميّز الهداية عن الدلالة وهو ملمح اللُطف، فالهداية بيان بلطف، تعريف فيه لطف، دلالة يصاحبها لطف، الهداية أن تأخذ من تريد له الهداية شيئا فشيئا، أن تأخذ به برفق، أن تأخذ به ببيان يليق به، فالهداية دلالة فيها لطف، وهذا ملمح يميز الهداية. لذلك تجد أن القرآن الكريم إنما جاء بالهداية، هذا القرآن فيه هدى للمتقين وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٢﴾ الشورى)، العلماء والأئمة (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴿٧٣﴾ الأنبياء) (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴿٢٤﴾ السجدة) الهداية مطلب عظيم جدًا لكن ينبغي أن نقف من خلال آيات القرآن على هذا المعنى اللطيف أن الهداية ليست مجرد الدلالة وليست مجرد البيان وليست مجرد التعريف بالشيء ولكنها بيان فيه لطف، تعريف فيه لطف، دلالة يصاحبها لطف، سبحان من هذا كلامه!

حمير وحُمُر

نستمر في رحلة التدبر لكلمات القرآن الكريم فنقف على استعمال مدهش وتمييز بين كلمتين: حمير وحُمُر. القرآن يقول في سورة النحل (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨﴾) تعداد النعم وبيان نعم الله سبحانه وتعالى. (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ) الحمير هنا يراد بها الحمار الأهلي المستأنس الذي نركبه ونضع عليه الأحمال والأثقال ويمسكه الصبي الصغير ويسير به ويركبه الرجل ويسير به ، مستأنس. لكن في سورة المدثر يقول ربنا سبحانه وتعالى (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿٤٩﴾) في سياق الذم (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ) حُمُر جمع حمار ولم يقل حمير (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ). من طبيعة الحمار الوحشي أن ثورانه وتباعده وهيجانه شديد، ففي سياق الذم للمعرضين يريد أن يصفهم بأنهم مثل الحمار الوحشي فميّز بين الحمار المستأنس وجعل جمعه (حمير) وجعل للحمار الوحشي الذي لا يُستأنس وهو من طبيعته الهيجان الشديد فقال (حمر) ولم يجمعه على حمير ليفرّق بين الحمار المستأنس والحمار الوحشي. سبحان من هذا كلامه!

اختلاف ضيغ المشتقّات

الرازق والرزّاق

ونستمر في رحلة التدبر لكلمات القرآن الكريم من باب اختلاف صيغ المشتقات الرازق والرزاق، تجد مثلاً في سورة المائدة (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١٤﴾) (الرازقين) تأتي في الأعمّ الأغلب مضافة إلى (خير) (خَيرُ الرَّازِقِينَ) يُفهم من المعنى أن هناك رازقون آخرون لكن في سياق التخصيص لا تأتي كلمة الرازقين أو الرازق (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾ الذاريات) حين يأتي الرزّاق يكون خاصًا بالله تعالى. حين تأتي على العموم لتشمل ربنا سبحانه وتعالى والأسباب التي أتاحها للخلق في مسألة الرزق فيأتي (خَيرُ الرَّازِقِينَ). فإذن نتعلم من هذه الدقة القرآنية أن الرزّاق خاصٌّ بالله سبحانه وتعالى وسبحان من هذا كلامه!.

ساحر وسحّار

في السياق نفسه كلمة ساحر وسحّار. في سورة الأعراف (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿١١١﴾) في شأن قصة سيدنا موسى وأخيه هارون عليهما السلام وفرعون والملأ من قومه والتحدي القائم (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴿١١٢﴾) للمواجهة والتحدي الذي سيقام، يرسل في المدائن حاشرين من ينادي ويستجلب كل ساحر ماهر عليم قال (سَاحِرٍ عَلِيمٍ). في سورة الشعراء والسياق متشابه جدًا (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿٣٦﴾ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ﴿٣٧﴾) ولم يقل ساحر لأن سبقها التحدّي بالسحر (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿٣٥﴾) فلما سبق ذكر السحر ناسب أن يأتي المبالغة (سَحَّارٍ) بالمبالغة والتشديد لأن للتغلب على السحر هنا لا يريد ساحرًا أمام ساحر فيغلب هذا مرة وهذا مرة إنما هو يريد تفوقًا منقطع النظير أو كما نقول في التعبير المعاصر مباراة صِفرية فريق يغلب والثاني لا يسجل أي شيء فهم يريدون ساحرًا قويًا في السحر لا يمكن للآخر مغالبته فقال (سَحَّارٍ عَلِيمٍ) وسبحان من هذا كلامه!

ضيّق وضائق

 

في السياق نفسه تستوقفنا كلمة ضيّق وضائق في الاستعمال القرآني لكلمات القرآن الكريم. قال تعالى في سورة الأنعام (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢٥﴾) ضيّقًا، هذا خطاب ووصف للمشركين للضالين الذين لم تنشرح صدورهم للإيمان فقال ضيقًا. لكن في خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة هود (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٢﴾) ضائق ولم يقل ضيّق. ضيّق وضائق بينهما فرق أن ضائق هذه الصيغة تدل على أن الضيق إنما هو ضيق عابر يحدث مرة ثم ينتهي ويزول، أما ضيّق فوصف ملازم، فبين أن الضيق الذي بصدور المشركين إنما هو ملازم لهم لبعدهم عن الإيمان أما ما يتعرض له صدر النبي صلى الله عليه وسلم فإنما هو أمر عابر سرعان ما يزول بفضل الله. وسبحان من هذا كلامه وما يعقلها إلا العلمون وما يذّكر إلا أولو الألباب. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل