ظاهرة الإفراد والجمع في القرآن الكريم

ظاهرة الجمع والإفراد في القرآن الكريم

من برنامج تدبر مع القرآن - د. محمد داوود (قناة أهل القرآن يوميًا الساعة 8.30 صباحًا بتوقيت مكة ويعاد يوميًا الساعة 4.30 عصرا و8.30 مساء)

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

من اللافت للانتباه في آيات القرآن الكريم في ظاهرة الإفراد للجمع أن القرآن الكريم أفرد النور وجمع الظلمات (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ (40) النور) (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (35) النور) ولم يرد النور في القرآن الكريم في آيات القرآن إلا مفردًا. هل لذلك من معنى ودلالة؟ النور مصدره واحد هو الله عز وجل أما الظلمات الباطل متعدد له وجه وألف وجه لذلك جمع الله الظلمات لأنها متعددة ظلمات النفس ظلمات الباطل ظلمات الشرك هذه كلها ظلمات، الظلمات متعددة أما النور أما الحق فهو واحد لذلك أفرده الله عز وجل. وحين نتأمل في دلالة ذلك النور أن كل نور هو يعود إلى الله عز وجل، النور منبعه ومصدره واحد (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) نوّرهما بالنور الحسّي بالشمس، بالقمر، بالنجوم وهو القائل في قرآنه (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴿٦١﴾ الفرقان) الشمس والقمر والنجوم من نور الله سبحانه من صنع الله سبحانه من خلق الله سبحانه. وكما نور الله السموات والأرض بالنور الحسي نوّرهما أيضًا بالنور المعنوي بالرسل بالكتب الهادية ويعبر الله عن هذه الحقيقة وعن هذا المعنى بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) النساء) النور المبين هنا هو القرآن الكريم (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) المائدة) إذن هذا كله يؤكد أن الله هو منبع وأصل ومن بركاته ومن فضله ومن خلقه النور الحسي كالشمس والقمر صنع الله ومن خلق الله والنور المعنوي هو من عند الله سبحانه وتعالى أيضًا. لذلك يبين ربنا سبحانه وتعالى أن سبل تحصيل ذلك النور هو طريق واحد هو أن تلجأ إلى الله وإلى الإيمان بالله يقول الله عز وجل (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) البقرة) إلى نور الله عز وجل.

ثم يأتي بعد الإيمان العمل الصالح في المرتبة الثانية (رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (11) الطلاق)

كما يشير القرآن الكريم إلى أن تقوى الله عز وجل ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم من أقوى السبل لتحصيل نور الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) كفلين أي نصيبين أي حظين (مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (28) الحديد)

والقرآن الكريم نفسه هو نور فيأخذ بيدك إلى نور الله إن اتبعته واستجبت لآياته واهتديت بهديه يقول الله عز وجل (الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) القرآن، الاستجابة لآيات القرآن أن يهتدي الإنسان بهديه يُخرجه من الظلمات إلى النور. إذا استجاب المؤمن لهذه الأنوار ولنور الله عز وجل فمن ثمراته أنه ينقل الإنسان من حياة الشر والحرمان والخسران والضلال إلى حياة الهداية والنعيم والسكينة ومن ذلك قول الله عز وجل (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) الأنعام) يروى في بعض الآثار أنها نزلت في سيدنا عمر رضي الله عنه لتبين أن ميتًا إنما تطلق على إنسان له مكانة اجتماعية بين قومه وله قوة جسدية يعترف بها بين قومه ولكنه محروم من نور الله فأطلق القرآن عليه ميتا (فَأَحْيَيْنَاهُ) بنور الله الإسلام نور، القرآن نور، هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته نور. (فَأَحْيَيْنَاهُ) المحروم من نعمة الإيمان بالله تعالى في حكم الميت والذي أُكرم بنعمة الإيمان واهتدى بهدي الله واستن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبت له حياة وأخذ حظًا وافرًا من هذا النور فيقول ربنا (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) الإنسان يمشي بين الناس لكن القرآن يقول هنا (يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (في) تفيد الظرفية هل هو يمشي في داخل الناس؟ يعني كلامه يكون مقبولًا في العقول وفي القلوب يكتب له القبول والإقناع ويرضى الناس بصحبته يسعد الناس بصحبته وينعمون به وهذا من نور الله سبحانه وتعالى إذا أقبل الإنسان على ربه وأصلح ما بينه وبين ربه فالله يُصلح ما بينه وبين خلقه وهذا من دلالة قوله تعالى (يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) أنت في قلوب الناس، في عقول الناس، في داخل الناس، سبحان من هذا بيانه وهذا هديه وهذه عظمته!

أما عن ثمرات ذلك النور فإنه في يوم القيامة للمؤمن من نور الله بركة وفضل وحظ ونعيم نتبينه من قول الله عز وجل (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم (12) الحديد) فالنور يسبقك في يوم القيامة، النور يهديك في الدنيا ويؤمّنك في الدنيا من الشرور والمعاصي وغضب الله سبحانه وتعالى وأن تكون في عداد الضائعين والهالكين وفي يوم القيامة فإن ذلك النور يجعل لك منزلة أنك تكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم فتجوز الصراط وتكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ولذلك الذين يتحدثون عن التنوير، تنوير العقل وتنوير الفكر، التنوير الحقيقي أيها العقلاء الذي يعود في هديه وفي جنباته إلى نور الله في هدي القرآن، إلى نور الله في هدي السُنّة فإذا خرج الإنسان بعيدًا عن ذلك النور فليس هذا من باب التنوير وإنما من باب الإظلام! ندلل على ذلك من واقع تاريخي عشنا جزءا منه، الشيوعية حينما قامت وكانت تدعي أنهم يحررون الناس وينيرون عقولهم تحت وهْمٍ كاذب وضالٍّ جدًا أنه "لا إله والكون مادّة" وحاولوا أن ينشروا ذلك في الدنيا وبعد حين وعشرات السنين سقطت النظرية وسقطت الشيوعية وسقطت بما كانت تدعو إليه من محاربة الفقر ويعيش الناس في بحبوحة من العيش فقالوا نأسف اكتشفنا أن النظرية خطأ وضاعت أعمار وضاعت أجيال مع هذا الضلال والإضلال. العقل يخطئ ويصيب أما مع الله فأنت في الأمان المطلق، أنت مع النور الحقيقي في قلبك وفي عقلك لذلك أفرد الله النور وجمع الظلمات. النور له مصدر واحد، الله، هديه في القرآن، آياته في القرآن ولذلك التنوير الحقيقي هو الذي ينتمي إلى نور الله عز وجل والخروج عنه خروج إلى الظلمات وليس ظلمة واحدة وسبحان الله القائل (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40) النور)

ليس هنالك طريق آخر ولا سبيل آخر إلى ذلك النور، إلى التنوير الحقيقي الذي هو نور الله ونور الله في قرآنه، في الإيمان بالله، في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا ومن فوقي نورا ومن تحتي نورا ومن فوقي نورا اللهم اجعلني نورا.

 

اللهم نور قلوبنا وعقولنا بنور القرآن وسبحان من هذا كلامه وهذا وحيه وبيانه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكّر إلا أولو الألباب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل