طريق الهداية - الموت وآيات الموت في القرآن - 2

الموت وآيات الموت في القرآن - 2

تحدثنا في الحلقة السابقة عن الموت والروح والنفس والوفاة وكنه الموت والخلق من بدء خلق السموات والأرض وخلق آدم وتحدثنا عن آيات الموت والغيبيات الخمسة ومسألة الإدراك بأنواعها الأربعة وآلية خروج الروح من الجسد البشري. ونريد أن نستعيد بعض ما ذكرناه في اللقاء السابق عن الغيبيات الخمسة التي استأثر الله تعالى بعلمها ولا يستطيع مخلوق أن يصل إلى معرفة كنهها كما جاءت في ختام سورة لقمان (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {34})  وقد قال تعالى في مطلع سورة البقرة (الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5}) وفي هذه الآيات يوصّف الله تعالى أحوال المتقين وأول حال من أحوالهم أنهم يؤمنون بالغيب فهو إذن ركن ركين عند كل مسلم من آدم إلى أن تقوم الساعة والحقيقة أن ترتيب الآيات في كتاب الله ترتيب معجز فسورة البقرة التي هي أول سورة بعد الفاتحة في الترتيب كانت هي الآية 87 في التنزيل وهي أول سورة مدنية وترتيبها فبعد الفاتحة هو قمة الإعجاز من الله تعالى. وقوله تعالى (هدى للمتقين) فكأن الذي يؤمن بالغيب يأخذ صفة المتقين التي هي أعلى من صفة الإسلام والإيمان بالله رب العالمين. ويجب أن نعرف حقيقة معنى الإسلام والإيمان في القرآن فلو سألنا إنساناً عادياً أيهما أعلى الإسلام أو الإيمان لقال بالفطرة السليمة أن الإيمان أعلى ولكن في الحقيقة أن الإسلام قد يكون أعلى من الإيمان. كيف ذلك؟ هناك فرق بين إسلام العقيدة وإسلام الوجه لله تعالى وعندما ندقق في آيات القرآن نجد في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) هنا مطلوب الإسلام بعد الإيمان. ونأخذ الموضوع على وجه التقريب ليتضح المعنى فنقول: إسلام الرسالة أو العقيدة يأتي أولاً ثم الإيمان بالتطبيق ثم التقوى ثم الإحسان ثم الإسلام لوجه الله وهذا ما جاء في الآية السابقة التي هي نداء من الله تعالى للمؤمنين فلا يصح في هذه الآية أن نقول أن الإيمان أعلى من الإسلام لأنه يوجد إسلام أعلى من الإيمان وهو إسلام الوجه لله رب العالمين أما إسلام العقيدة فهو أقل من الإيمان.

والإحسان هو مرحلة أعلى من التقوى ونأخذ مثالاً على ذلك ما جاء في توصيف المحسنين في القرآن الكرم في قوله تعالى (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) فالإحسان إذن له مواصفات خاصة أعلى من التقوى. وعندما نأخذ الآية في سورة البقرة (هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب) نقول أن الغيب كثير لكن الله تعالى يصف خمساً منها فقط في آية سورة  لقمان. ولا يمكن لأحد من المخلوقات أن يطّلع على كنه هذه الغيبيات الخمسة او يصل إلى حقيقتها. (والإشارة إلى علم الساعة موضوع طويل سنتحدث عنه إن شاء الله في نهاية حلقات الموت) لكن يكفينا الآن أن نتذكر حديث رسول الله r عندما سأله رجل يا رسول الله متى الساعة؟ فماذا كان جواب الرسول r؟ قال له ماذا أعددت لها؟ ولم يجبه أنها في يوم كذا في ساعة كذا وهو الإجابة المتوقعة على سؤال السائل وهذا ليعلمنا رسول الله r أن المهم في موضوع الساعة أن نكون مستعدين لها لأنه لا فائدة من معرفة موعدها فهذا لن يغير شيئاً تماماً كالطلاب في المدرسة أو الجامعة منذ بداية السنة الدراسية وهم يعرفون موعد الإختبارات النهائية ومع ذلك ترى الكثيرين منهم من لا يستعد لها وعندما يحين موعدها يطلب التأجيل أما المجتهد فهو يستعد لها منذ البداية وهكذا علينا نحن البشر أن نعمل لها ونكون مستعدين لها في أي وقت جاءت. ولنعلم أن لكل إنسان قيامتان وساعتان وأجلان إحدهما عندما يحين أجله ويموت والآخر عندما ينفخ في الصور ساعة القايمة للجميع. فساعة الموت هي قيامة بحد ذاتها ولذلك كان الرسول r يتعوّذ من موت الفجاءة.

سؤال: ويسأل المقدّم عن دلالة الغيب في قوله تعالى (وينزّل الغيث). والجواب أنه تعالى قال الغيث ولم يقل المطر أو الطلّ او الودق مع أنه ورد في القرآن وذلك لأنه عند الغيبية يذكر الغيث فهو أول الرزق (وبنزّل لكم من السماء رزقا) والرزق بشكل عام غيب بالنسبة للإنسان وما تكسب غداً هو الغيث فالمطر أو الغيث هو الذي يسوق الرزق وعندما نستعرض في القرآن آية المطر (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ {48}  الروم) نجد في حياتنا أن المطر ينزل على الأرض فتكون في منطقة جافة وتنتقل إلى منطقة مجاورة نزل فيها المطر بكثافة وهذا كله غيب لا يعلمه إلا الله تعالى فالرزق إذن غير معلوم بالنسبة لبني آدم.

وننتقل إلى قوله تعالى (ويعلم ما في الأرحام) وقلنا أن الآية جاءت ب(ما) ولم يقل (من) وكما اشرنا في الحلقة السابقة أن الأطباء بإجهزتهم الحديثة يمكن أن يعرفوا من في بطن المرأة لكنهم لا يعلمون ما في بطنها وهل هذا المولود شقي أم سعيد ولا كم أجله وغيره من الأمور الغبية المتعلقة بهذا المولود لا يعلمها إلا الله تعالى. فما المقصود بشقي أو سعيد؟ في الدنيا إذا رأى الناس فقيراً يقولون عنه شقي لكنه قد يكون أسعد المخلوقات فكلمة شقي وسعيد لها مفهوم عند الله تعالى غير ما يفهمه البشر والمعيار هو أن يكون شقياً أو سعيداً في الآخرة فإما أن يكون في الجنة فيكون سعيداً وإن بدا شقياً في الدنيا وإما أن يكون في النار فيكون شقياً وإن بدا سعيداً في الدنيا وكل نعيم سوى الجنة حقير وكل عذاب سوى النار هيّن. وفي الآخرة كما ورد في الحديث أغلبية أهل الجنة من الفقراء. وقد عُبّر عن الآرة في القرآن بالحيوان (إن الدار الآخرة لهي الحيوان) رمزاً للإستمرارية وهي تدل على الحياة الحقيقية التي ليس بعدها موت فهي إما جنة أبداً وإما نار أبداً، أما الحياة الدنيا فهي التي يأتي بعدها موت وقد يكون شقاء الإنسان في الدنيا وصبره على ذلك هو سعادته الأبدية في الآخرة.

وقوله تعالى (وما تدري نفس بأي أرض تموت) طالما لا أعلم المكان فلا أعلم الزمان أيضاً وهذه من الغيبيات التي لم يطلع الله تعالى عليها أحداً من خلقه ولا حتى أنبياؤه ورسله ولا الرسول r. وحتى قبل وفاة الرسول عرف الصحابة من ألفاظ رسول الله أنه خُيّر بين الدنيا وما عند الله ففهمها أبو بكر فقال قرُب أجل رسول الله r وكان من الممكن أن يعيش الرسول r بعدها سنوات عديدة لك يكن أحد ليعلم كما جاء في قوله تعالى منذ نزل القرآن على الرسول r منذ 1425 عاماً قوله تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) ولا يعلم أحد موعدها.

سؤال: ويسأل المقدّم في موضوع الرزق فيقول يقول الناس أن الله تعالى عدل في عباده وقد يكون لكل واحد منا نسبة مختلفة من النعم لكن مجموعها يكون مساوياً لكل البشر فكيف إذن نقول عن الطفل الذي يموت في بطن أمه أنه استوفى أجله ورزقه؟ وهل يُبعث يوم القايمة على هيئته البشرية أم على صورة ملك؟

الموله عزّ وجلّ هو الذي عمل الأجل لكل المخلوقات ونحن لا نعلم أجل هذا المخلوق ولكن حكمة الله تعالى تقتضي أن يكون أجله هكذا وهذا ما قدّره الله تعالى وقد يكون هذا الطفل إختباراً وابتلاء لوالديه ليرى تعالى إن كانوا سيصبروا أم لا. ونقول أن هذا الطفل قد استوفى أجله الذي كتبه الله تعالى له وهذا الأجل لا يُقدم أو يُؤخر أبداً كما قال تعالى (ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده) وهذه قضية محسومة.

ومن الخطأ أن نفهم أن الرزق يعنب المال فقط فكلمة المال تعني كل ما لك من صحة وسعي وعمل وعلم وغيرها ومن الرزق مثلاً أن تعمل أو لا تعمل فالصحة رزق والعلم رزق والأموال رزق والذكاء رزق والله تعالى جعل فروقاً بين البشر من حيث العطايا لكن مجموع العطايا كلها بالنسبة لكل شخص متساوي فقد يكون لأحدنا نسبة 80 في المئة في الصحة ولغيره 60 في المئة ثم يكون النسب معكوسة في الأموال مثلاً بحيث تتساوى مجوع العطايا. ومن الممكن أن يكون الإنسان صحيحاً في جسده لكنه لا يوفق في العمل أو في الذكاء أو السعادة أو الرضى أو الصبر وكل هذا رزق.

ويستطرد المقدّم فيسأل إذا كان الرزق كما تقول فكيف نفسر التفريق في قوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)؟

قلنا أن المال تعني ما لك من رزق وصحة وتُخصص للنقود وعندما يقول تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا فهذه حقيقة ولمّا تدبّر ابراهيم u الحياة الدنيا والآخرة قال (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) فهل الرجل الذي لا يُنجب استغنى عن زينة الدنيا ويمكن له أن يصل إلى سعادة الآخرة بما عنده كما قال ابراهيم ِu، وهذه الزينة التي وردت في الآية ي زينة مؤقتة متعلقة بحياة منتهية وكم ممن كان له زينة في الدنيا من أموال وأولاد يأتي يوم القيامة ولم ينفعه شيء من هذه الزينة فما ينفع هو من أتى الله بقلب سليم. وطالما وردت كلمة زينة فهي تجر للتفاخر ثم الإبتلاء وقد يكون المال ابتلاء لصاحبه وسر شقائه وكذلك البنون قد يكونون سر الشقاء وهذه قضية يجب أن ينظر إليها الإنسان على أنها ابتلاء من الله تعالى فإما أن تكون نعمة وإما أن تكون نقمة.

نعود للسؤال هل يشفع الطفل الذي مات في بطن أمه لوالديه؟ إن صبر الوالدان يشفع لهما ونستدل بحديثين أحدهما حيث قبض صفيّ العبد (إذا قبض الله صفيّ العبد وصبر فلا جزاء له إلا الجنة) وقد يموت الإنسان كمداً على صفيّ له مات وهو صابر وقد ورد في قصة يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام أن يعقوب ابيضت عيناه من الحزن فأصبح كظيماً وكثير يفسرون هذه الآية أن يعقوب ابيضت عيناه من كثرة البكاء على يوسف لكن الحقيقة أن عيناه ابيضت من كتم حزنه. ونقول أقفل باب الحزن بمفتاح الرضى والصبر وكن راضياً. والحديث الآخر حديث قدسي يسأل تعالى ملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ يقولون نعم يا رب، قبضتم ثمرة فؤاده فيقولوا نعم يا رب، فيقول ماذا قال عبدي؟ يقولون حمدكَ واسترجع (أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون) فيقول تعالى ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة سمّوه بيت الحمد. فهذ الشخص إذن بحمده لله تعالى صار الحمد عنواناً للسعادة يوم القيامة. وعلينا أن نركّب على هذا المعنى عندما نتكلم عن الموت ولا ننكر أن هيبة الموت فوق كل عقل ولكن علينا كمسلمين أن نرضى بما قسمه الله تعالى لنا في الدنيا وأن نصبر على ما يأتيهم من أحداث والله تعالى يجزي على ذلك خير الجزاء. وعل سبيل المثال من صبر على فقد إحى عينيه أو كلتاهما فلا جزاء له إلا الجنة. وهناك امتحانات وابتلاءات تحتاج منا لتوقف فكيف أكون مسلماً وأجزع؟

 (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ {75} وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ {76}) فهل في هذه الآية قسم أم لا؟

قال تعالى في سورة الواقعة (فلا أقسم بمواقع النجوم) . فلا أقسم: الفاء هي للتفريع أي لتفرّع ما قبلها. ولا أقسم هو قسم منفي بيقين. لا أقسم قد توحي أنها نفي للقسم لكن جاءت في الآية التالية قوله تعالى (وإنه لقسم لوتعلمون عظيم) فهل هو قسم أم لا؟ قد يبدو الأمر متناقضاً للبعض ولكن علينا أن نعلم أن لغة القرآن تختلف عن لغتنا العامية واللغة المكتوبة فالقرآن له لغة عربية خاصة منه أُخذت قواعد الصرف والنحو وعلينا أن ندقق في لغتنا ونأخذها من اللغة الفصحى وليس العامية. وعندما نقرأ القرآن نجد الآية (أفلا يتدبرون القرآن) وحتى أتدبر القرآن يجب أن أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) ولن يفهم أحدٌ القرآن إلا إذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم.

وقد وردت آيات القسم في القرآن على هذا النحو المنفي (لا أقسم بمواقع النجوم) وقوله تعالى في سورة البلد (لا أقسم بهذا البلد) وقسم واضح (والشمس وضحاها) (والسماء والطارق) وغيرها. ود قال البعض أن القسم المنفي يدل على نفي القسم فنقول لهؤلاء فلماذا جاء قوله تعالى بعدها (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)؟ والواقع أن القم المنفي هو أقوى من القسم غير المنفي. ولله تعالى أن يُقسم بما شاء كيف شاء أنّى شاء ولنا نحن البشر أن نقسم بالله فقط.

وحتى نعلم قيمة القسم المنفي لا بد أن نُقرّ أنه قسم وهذا بنصّ القرآن (إنه لقسم لوتعلمون عظيم) لأن القسم المنفي ما جاء في القرآن إلا لأمر يشهد عليه الناس فلم يكن محتاجاً لقسم أصلاً. فالله تعالى يُقسم على أشياء ما كانت تحتاج لقسم لولا إنكار المنكرين وجحود الجاحدين ونحن نستعمل هذا النوع من القسم في حياتنا اليومية كأن نقول لأحد ما (ليس لك علي يمين أن هذا الأمر حصل مثلاً). ونأخذ مثالاً قوله تعالى في سورة البلد (لا أقسم بهذا البلد ) إلى قوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والإنسان هو أكثر من يشهد أنه خُلق في كبد ولك يكن يحتاج أصلاً إلى قسم ولكن بما أننا نحتاج لقسم جاء القسم منفياً. وكذلك في آية سورة الواقعة (فلا أقسم بمواقع النجوم) إلى قوله (إنه لقرآن كريم) والقرآن لا يحتاج إلى قسم والكل يشهد أن هذا القرآن كريم حتى اعداء الإسلام يحاولون الدخول في تشويه القرآن وتضعيفه ثم بعد ذلك يحتجّون به عند مناقشتهم ويرجعون إليه ليستشهدوا بآياته.

الفرق بين القرآن والكتاب

والمُقسم عليه في هذه الآية (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) وهذا دليل تعظيم القرآن. وهنا علينا أن نتوقف عند الفرق بين القرآن والكتاب. فالقرآن هو كا نزل منجّماً على رسول الله r أي آيات القرآن ولا يطلق لفظ القرآن إلا على ما نزل متفرقاً أي الآيات. أما الكتاب فلا تطلق إلا على المصحف (إذا انتهى القرآن وأصبح كتاباً). ونستعرض الآيات في سورة البقرة (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وفي نفس السورة جاءت الآية (شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس) وقد وردت كلمة الكتاب مرة والقرآن مرة أخرى ووردت كلمة (هدى) في المرتين. كلمة هدى في آية الصيام جاءت للناس (هدى لمن؟ للناس) لأنه ما زال القرآن يُنزّل ولم يرفضه الناس أما هدى في الآية الأولى من سورة البقرة فجاءت للمتقين (هدى لمن؟ للمتقين) وهنا تدل على أنه أصبح كتاباً واكتمل ولا يكون هدى إلا للمتقين الذين يريدون التقوى من المسلمين وليس لكل الناس وهذه الآية تبيّن الفرق الذي استغرق بحوثاً طويلة وكثيرة حول قوله تعالى (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) فالكتاب هو يضم ويحوي القرآن لأن القرآن نزل مفرّقاً. ونسأل هنا هل نزل الكتاب مرة واحدة؟ كلا وكلمة أنزلناه في آية سورة القدر (إنا أنزلناه في ليلة القدر) تعني أنزلناه كله فما هي حقيقة التنزيل؟ قال تعالى (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) قهما إذن تنزيلان الأول من الله تعالى إلى السماء الدنيا وهذا إنزال للكتاب، والثاني تنزيل للقرآن متفرقاً على الرسول r. إذن الكتاب نزل مجملاً بالترتيب الذي بين أيدينا اليوم والذي نعرفه إلى السماء الدنيا ثم نزل منه القرآن آيات متفرقات على الرسول r. وهناك فرق بين ترتيب القرآن بالنزول وترتيب الكتاب ونسأل من الذي جمع الكتاب؟ والجواب هو الله تعالى بنصّ القرآن الكريم بدليل قوله تعالى عندما كان الرسول r يتعجل ليحفظه عندما ينزل به جبريل (لا تحرّك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه) فالله تعالى هو الذي جمعه ساعة شاء أن يكون لهذه الأمة كتاب والخطأ الشائع بين المسلمين أن عثمان وأبو بكر هما الذين جمعا القرآن مقولة خطأ فهما لم يجمعا القرآن وإنما كتبوه فجاء موافقاً للجمع الذي جمعه تعالى للكتاب لأنه لا يمكن لبشر أن يجمع القرآن.

فالكتاب إذن هو ما حواه اللوح المحفوظ بإجماع علماء علوم القرآن أن الكتاب الذي أنزله تعالى إلى السماء الدنيا ساعة شاء أن يكون لهذه الأمة كتاب هو كتاب بالترتيب الذي معنا في المصحف ومنه نزل القرآن متفرقاً على رسول الله r لذا جاءت الآية (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون). والكتاب المكنون هو ما يقابل اللوح المحفوظ وهناك خطأ شائع آخر في قوله تعالى (لا يمسه إلا المطهّرون) لأن المفسرين فسروا الآية على أنه لا يجوز لغير المتوضئ أن يمس القرآن وهذا مفهوم خطأ لأنه لو علمنا معنى كلمة المطهّرون لعرفنا أن المقصودين في هذه الآية هم الملائكة الحفظة الذين كانوا في حراسة جبريل وكلمة مطهّرون هي اسم مفعول ولهذا تختلف عن كلمة متطهرون التي هي إسم فاعل فالبشر عندما يتوضأ أو يزيل عنه النجاسة فقد أصبح متطهراً وليس مطهّراً لأن الملائكة هم مطهّرون بفعل الله تعالى فالآية لا تشهد لنا وإنما للملائكة ولو كان المقصود البشر لقال تعالى لا يمسّه إلا المتطهرون.

واللوح المحفوظ هو ما كتب الله تعالى فيه كل شيء ساعة خلق القلم وقال له اكتب في الذكر كل شيء قبل خلق السموات والأرض (إرجع إلى الحديث في الحلقة السابقة وحديث أهل اليمن).

كنه الوفاة قبل الموت: نعود للآيات التي تحثنا عنها في الحلقة السابقة والتي تتكلم عن الموت في القرآن الكريم وهي آياة سورة ق (وجاءت سكرة الموت بالحق) وقوله تعالى في سورة الواقعة (فلولا إذا بلغت الحلقوم) وهذه الآيات تشرح آلية الموت وكيف يحدث ويتحدث المولى تعالى بإعجاز للبشر عن قضية خوج الروح من الجس دوهذا لأنه قال في آية أخرى وقضى في كتابه (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم) وجاء ذكر الروح في قوله تعالى (ونفخت فيه من روحي) وقلنا أن هذه الروح المنسوبة إلى الله تعالى هي قوام الحياة. والآية في سورة الواقعة (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ {83} وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ {84} وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ {85} فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ {86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {87}) أريد أن أوجهها للكافرين وأطرح السؤال هل يستطيع أحد أن يُرجع الروح إلى البدن بعد أن تخرج منه؟ بالطبع لا وقلنا أن هذه الروح التي دخلت الجسد آخراً تخرج منه أولاً عند الموت (يمكن العودة للحلقة السابقة للتفصيل) وقلنا أن آلية الحياة هي عكس آلية الموت والموت نقيض الحياة والحق تبارك وتعالى يقول لنا (فلولا إذا بلغت الحلقوم) أو (حتى إذا بلغت التراقي) وهلتان الآيتان يجب أن نقف عندهما بيقين لنقف عند إعجاز الله تعالى في البشر فيا من كفرتم بالخالق الأعظم هذا هو التحدي مفتوح أمامكم إلى قيام الساعة فانظروا إلة أنفسكم وأنتم تجتمعون حول من حضرته الوفاة وجاءه الموت وهذا قمة التحدي أن يرجعوا روح الميت إلى بدنه ليس بعد خروجها من الجسد كله وإنما يرجعونها وهي ما زالت في الحلقوم أو التراقي وعند هذا الموقف العظيم يجب أن تكون ساعة وفاة أحد منا ساعة عودة وتوبة لمن كفر بالله تعالى فالآية فيها تعليق ثم إعجاز. ويقول تعالى أنه طالما وصلنا لهذه اللحظة فكأنها درجة من درجات توفّي النفس وقلنا أن كل موت وفاة وليست كل وفاة موتاً لآنه توجد وفاة تتعلق بالنوموما دام تكلمنا عن الوفاة فيجب أن نتكلم عن كنه الوفاة قبل الموت لأن الله تعالى يوصّفها بطريقة بديعة لنفسه وذاته ولملك الموت وللملائكة القائمين بقبض الروح وخروجها. وفي آيات يوم القيامة أراد تعالى أن يشرح لنا هذا على أعلى مستوى (كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق) وقلنا أن (من راق) تحتمل معنيين أولهما أن يكون القائل هم أهل الميت يسألون هل من يرقي هذا المحتضر ويشفيه أو أن القائل هو ملك الموت يقول من يرقى بهذه الروح لأن الملائكة تختصم عند خروج الروح الخبيثة من يرقى بها من نتن رائحتها (وبناء الفعل لمن لم يُسمّى فاعله يفيد التوسع في المعنى ويحتمل المعنيين)، أما النفس الطيبة فالملائكة تتسارع من يرقى بها إلى السماء وهذا جاء بنصّ القرآن الكريم في قوله تعالى (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) ونسأل ما دلالة سائق وشهيد؟ نقول قد يكونا من الملائكة أو من أعضاء الجسد التي تشهد على الإنسان أو عمله ولو تدبرنا هذه الآية حق التدبر لما جلس أحد منا عن الصلاة أو الصيام أو الزكاة وسيجد كل إنسان أن لا شيء ينفعه مهما كانت درجة إسلامه إلا عمله وساعة تنفرد في القبر لا يبقى إلا عملك وعندما تسمع قوله تعالى (وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ {21} لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ {22} ق)

يا من بدنياه انشغل          وغرّه طول الأجل

الموت يأتي بغتة             والقبر صندوق العمل

ونعود لقوله تعالى (وظنّ أنه الفراق) وقلنا أن مراحل الإدراك أربعة هي العلم والظن والشك والوهم (انظر الحلقة السابقة) وقلنا أن العلم هو إدراك اليقين وهو مختص بالله تعالى ولا يمكن لبشر أن يصل إلى درجة العلم، أما الظن فهو إدراك الطرف الراجح وهي أقرب نسبة للعلم يمكن أن يصل لها الإنسان ولآنه في حضرة علاّم الغيوب لا يصح لبشر أن يقول علمت (إني ظننت إني ملاق حسابيه) والأمر الآخر أنه يجب على المؤمن أن يعمل للآخرة من بداية الظن ولا ينتظر حتى يصل للعلم لأنه لن يصل إليه (وظنّ أنه الفراق) بمعنى علِم لكن هذه هي أقرب نسبة علم يمكن للبشر الوصول إليها والدليل من القرآن قوله تعالى (قال رب ارجعون لعلّي أعمل صالحاً) قالها بعدما تأكد أنه الفراق.

موضوع توفّي النفس: هناك فرق بين الموت والوفاة والموت هو وفاة لكن الوفاة قد لا تكون موتاً وحتى نفهم كلمة الوفاة أثبت الله تعالى التوفّي لذاته ولملك الموت والملائكة في ثلاث مراحل ولا تنافض بين الآيات. فالنسبة للوفاة توجد وفاة بمعنى الموت ووفاة بمعنى انفصال الروح من الجسد مؤقتاً بالنوم فالأولى عنوان والباقي مراحل بمعنى (الله يتوفّى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) فهناك مرحلتي توفّي النفس بالنسبة لله تعالى فهو إما يتوفاها وهي نائمة وإما يتوفاها بعد الموت، وقد عُبّر عن الروح هنا بالنفس ولم يقل الروح لأن الآية يدخل فيها النوم أي فيها انفصال مؤقت،  وحين موتها بعد انتهاء التوفّي من ملك الموت والملائكة. وقوله تعالى (فيمسك التي قضى عليها الموت) هذه وفاة بعد الموت أي انفصال دائم وقوله تعالى (ويرسل الأخرى) هذه وفاة عند النوم وهي انفصال مؤقت.

وقوله تعالى في الآية (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم في النهار) تؤكد هذا المفهوم لأنها تشير إلى الوفاة البعيدة عن الموت والتي هي خروج الروح  مؤقتاً في النوم بدليل قواه (ويعلم ما جرحتم في النهار) الذي قبل النوم. وفي النوم يحصل أحد أمرين إما يمسك التي قضى عليها الموت أو يرسل الأخرى.

ثم يثبتها لملك الموت كما في قوله تعالى (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكّل بكم) وهذه تشير إلى قبض الروح عن طريق ملك الموت والتوفّي يكون بفعل الله تعالى.

ثم يثبته للملائكة في قوله تعالى (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا وهم لا يفرطون) وهذه تشير إلى خروج الروح عن طريق الملائكة التي تنزع الأرواح.

وإذا قلبنا هذه الأحداث حصلنا على كنه الوفاة ومراحلها فعندما دخلت الروح الجسد صار فيه حياة فكيف تخرج الروح من الجسد؟ أولاً إذا نام الإنسان للموت أو مات فجأة تخرج روحه من بدنه بفعل الملائكة ثم بفعل ملك الموت ثم يتوفاها الله تعالى. والوفاة سابقة على الموت وهي مراحل خروج الروح وعندما تخرج الروح نهائياً نسميها موتاً وإذا خرجت مؤقتاً نسميها نوماً أو وفاة. والله تعالى يتوفّى في حالة خرو الروةح نهائياً (الله يتوفّى الأنفس حين موتها) ولم يقل عنها روح لأنه قد يعقب هذه الوفاة موت وقد يعقبها استيقاظ بعد النوم. والروح هي قوام الحياة التي في البدن وبدونها لا يكون حياة وبخروجها يُسمّى الجسد ميتاً بيتسكين الياء. وسميت كلها وفاة لأن الوفاة سابقة على الموت وكل كلمة تُطلق على ملك الموت والملائكة تُسمة وفاة وفي حالة الموت تأتي الآيات (الله يتوفّى الأنفس)، وساعة خروج الروح من الجسد يصبح جثة هامدة هذا الخروج يسمى الموت لكن خروج الروح عند النوم يسمى وفاة فالموضوع كله وفاة وفيها وفاة يعقبها موت أو وفاة يعقبها استيقاظ وهي النوم.

إذا حدث الأجل المسمى تبقى الحياة مستمرة لكن ساعة يتحقق فيه يأتي الموت فتأتي الملائكة تنزع الروح ثم يقبضها ملك الموت ثم يتوفّاها الله تعالى حتى تصبح موتاً.

الفرق بين النائم والميت: وهل يقبض ملك الموت روح النائم؟  ما ذُكرت الوفاة بحق ملك الموت والملائكة إلا بالموت أما الوفاة فلم تُذكر إلا مع الله تعالى. (يتوفاكم ملك الموت) (حتى إذا جاء أحدكم الموت توقته رسلنا) تدل على الوفاة التي يعقبها موت أما قوله تعالى (الله يتوفى الأنفس) فتدل على الوفاة التي يعقبها استيقاظ (ويرسل الأخرى) وعلى الوفاة التي يعقبها موت (فيمسك التي قضى عليها الموت) وهنا خروج نهائي لا رجوع بعده. فتوفّي الملك يعقبه توفي من الله تعالى.

الكلام هذا يتعلق بإعجاز الله تعالى في آية واحدة هي آية سورة الواقعة (فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين) وقوله تعالى (فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون) ونسأل عن دلالة كلمة حينئذ؟ نحن ننظر في كل الأوقات لكن هذا الوقت يختص بإعجاز وهذه الآية تشترك مع آية ثانية هي قوله تعالى في سورة ق (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وفي الواقعة قال تعالى (ونحن أقرب إليه منكم) فما هو حبل الوريد؟ هذا من باب عطف العام على الخاص كأنه يقول تعالى ونحن أقرب إليه من حبل هو الوريد وهذا هو العرق الذي في جانب العنق والذي إذا قُطِع لا بد من الموت. فما الفرق بين الموت والقتل؟ الموت هو خروج الروح من الجسد بعد انقضاء أجلها فيه أما القتل فهو هدم الجسد الذي هو وعاء الروح فلا يعود صالحاً لاستيعاب الروح فتخرج منه وأقرب شيء إلى القتل هو قطع الوريد فإذا قُطِع لا بد أن تحصل وفاة ولا بد أن تخرج الروح كما في الشنق أو الخنق. فالله تعالى أقرب إلينا من الروح التي بين جنبينا وإن كانت الروح هي قوام حيلتنا وهو أقرب إلينا من روحنا يكون هو بالتالي المنحكم في الروح فهل حدث أن استطاع مخلوق أن يمنع الموت عن نفسه أو عن غيره؟ (ترجعونها إن كنتم صادقين).

وعندما يشفى المريض لا يظنن أن الطبيب قد شفاه وإنما هو سبب من أسباب الشفاء وأسباب بقاء الحياة التي أرادها الله تعالى بقدره وإذا لم نحضر الطبيب للمريض فيكون هذا من قدر الله أيضاً. والطبيب ليس السبب وإنما هو من الأسباب فإن كان في عمر المريض بقية يكتب الله تعالى له الشفاء. وهكذا يجب أن نفهم الآية (ترجعونها إن كنتم صادقين) ويعقب هذه الآية فأما وأما وأما (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ {88} فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ {89} وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ {90} فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ {91} وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ {92}) وفي آية سورة ق (حتى إذا بلغت التراقي وقيل من راق) يعقبها (فلا صدّق ولا صلّى) وهذا موضوع حلقتنا القادمة إن شاء الله.

بُثّت الحلقة بتاريخ 21/3/2004م



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل