طريق الهداية - كُنه الموت وآيات الموت في القرآن

موضوع الحلقة: كُنه الموت وآيات الموت في القرآن

نلخصّ في بداية الحلقة ما أوردناه في الحلقة السابقة حول الفهم الخاطيء للكثيرين الذين يقولون أن آدم خليفة الله على الأرض وهذا الأمر شاع خطأ بين الناس وكأنهم يتقولون على الله تعالى وحاشا لله أن يكون له خليفة في الأرض أو في غيرها. وتوصيف الله تعالى ليس كمثله شيء فإذا صحّ لأي مخلوق أن يكون له خليفة لا يمكن أن يكون لله خليفة حاشاه سبحانه. ومن المؤسف أننا سمعنا أحدهم يقول هكذا قال الله تعالى ويستشهدون بآية سورة البقرة فنقول له أن هذا خطأ شائع وانظر إلى الآية في سورة البقرة فقد جاء فيه قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) ولم ترد في الآية أنه تعالى قال خليفة لي أو نحوه وإنما قال خليفة في الأرض فعندما تبيّن له خطأه بكى واستغفر ربه. لذا يجب علينا أن نعيش الآية كما أرادها الله تعالى ولو ظنّت الملائكة أن الله تعالى سيجعل خليفة له فهل تتجرأ وتتساءل أن هذا الخليفة سيفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإذن توصيف الخليفة في منتهى الخطورة وبعضهم يقولون أن آدم خليفة الله كما كان الصّديق خليفة للرسول r فكأنهم يشبّهون الصدّيق بآدم u والرسول r بالله تبارك وتعالى سبحانه وتعالى عما يقولون.

ومعنى خليفة كما أوضحنا في حلقة الأسبوع الماضي هو إما أن يكون خليفة على رأس ذرية يخلف بعضها بعضاً أو خليفة لمن سبقه من الجنّ لذا قالت الملائكة (أتجعل فيها من يُفسد فيها)ويمكن أن يكون ما قالته الملائكة في نفسها (ليخلق الله تعالى ما يخلق سنكون أكرم على الله من هذا الخلق) لذا أدخلهم الله تعالى في الإختبار الحقيقي عندما سألهم عن الأسماء بعد أن علّمها لآدم u ولم يعلّمها لهم (وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة) فلم يعلموا وقالوا (سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا) وقلنا أن قولهم هذا يُعتبر بمثابة توبة إنابة وأكدوا على قوله تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون).

ويأتي السؤال لماذا قال تعالى (وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم) فلماذا قال تعالى عرضهم ولم يقل عرضها؟ وقلنا أن من الكلام ما ليس إسماً وقلنا أن الأسماء تشمل الكلام كلّه فالأفعال والحروف والأسماء هي أسماء (توصيف الفعل إسم وتوصيف الحرف إسم). أراد الله تعالى الكلمة بيقين فعلّمه كل شيء كما جاء عن ابن عباس. وهذا التعليم آدم u يصل إلينا إلى الآن مصداقاً لقوله تعالى (علّم الإنسان ما لم يعلم) والذين يصلون إلى الفضاء الخارجي والقمر وغيره لم يصلوا إلا بفضل الله تعالى ولذلك يجب علينا أن لا نصف العلماء بأنهم اخترعوا وإنما الأصح أن نقول اكتشفوا. مثلاً من علِم أن الحديد مطاوع لم يخترع شيئاً وإنما اكتشف هذه المعلومة والحديد مطاوع قبل أن يكتشفه أحد، فالفضل كلّه راجع إلى الله تعالى بآية (وعلّم الأسماء كلّها).

ويسأل مقدّم البرنامج إذا كانت الجنّ مخلوقات من نار وكانت تسكن الأرض قبل آدم فما معنى تسفك الدماء للجانّ؟ هذا تعبير مجازي وبعض العلماء يؤكدون وجود آدميين على الأرض قبل آدم ولكننا سنعود لهذه النقطة بالتفصيل في حلقات قادمة في تفسير القرآن الكريم من القرآن نفسه والسنّة الصحيحة (وننوه هنا أن الدكتور هداية لا يستشهد إلا بالقرآن الكريم و بالأحاديث الصحيحة فقط).

ونسأل كيف جاءت الذرية من آدم وحوّاء ؟ بعدما هيّأ الله تعالى السموات والأرض خلق تعالى آدم ثم حوّاء ثم الذرية. الزواج من الإخوة لا يجوز لكنه في بداية الخلق كان جائزاً حتى يتم إعمار الأرض بالذؤية. وقد حملت حواء بعشرين بطناً  فيهم أربعون ولداً (والولد تطلق على الذكر والأنثى) في كل بطن ذكر وأنثى وكانت الحكمة الإلهية أن يتزوج ذكر البطن الأول من أنثى البطن الثاني والعكس بالعكس وهذا سبب مشكلة قايبل وهايبل، فقابيل أراد أن يتزوج أخته من نفس البطن أما هابيل فأراد أن يطبّق ما حكم به آدم وهو التزوج بالخلاف وهذا ما سبب أول عملية قتل على وجه الأرض. وزواج الإخوة هذا هو استثناء ليبدأ إعمار الكون لأن الفطرة السليمة ترفض هذا الأمر ثم استقرّت الأمور بعد ذلك في عهد سيدنا ابراهيم u واتضحت الأمور أكثر في الإسلام قوماً بعد قوم وصولاً إلى عهد الرسول r حيث حُددت الأمور كلها . فالإسلام دين وديانة والإسلام دين الله تعالى من آدم إلى رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً وأراد الله تعالى أن يختتم الديانات لأهل الأرض فسمّى ديانته باسم الدين العام فالشرع العام عند الله الإسلام. وإسلام الأنبياء قبل محمد r هو دين فقط فاليهودية ديانة دينها الإسلام والنصرانية ديانة دينها الإسلام، وقد جاء موسى u وكانت ديانته اليهودية والدين الإسلام والكتاب التوراة والمعجزات تسعة منها العصى واليد والجراد والدم ةالضفادع، وعيسى رسول ديانته النصرانية ودينه الإسلام وكتابه التوراة ومعجزاته إحياء الموتى بإذن الله و إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، أما محمد r ديانته الإسلام ودينه الإسلام وكتابه القرآن ومعجزته القرآن ورسالته القرآن، فالإسلام دين وديانة يظهر عنده الإسلام بكامل صورته من حيث الدين والديانة أما ما سبقه فالدين هو الإسلام والديانة تختلف وكذلك الرسالة والكتاب والنبوءة. وقد أرسل تعالى 124 ألف نبي منهم 115 رسول منهم خمسة من أولي العزم على رأسهم محمد r.

كُنه الموت وآيات الموت في القرآن الكريم:

قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ {2} سورة الأنعام) هذا عين الإبتلاء، فإذا عرف الإنسان أنه سيموت في تاريخ محدد فسيلعب ويلهو إلى ما قبل موعد موته فيعمل صالحاً ويُحسن العبادة ولو استعرضنا القرآن بهذا الترتيب المعجز بجمعه للقرآن نصّاً وفعلاً لتأكدنا أن الله تعالى هو الذي جمع القرآن وحفظه. في بدايات سورة البقرة يقول تعالى (الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4}) هذا الغيب فيه غيبيات خمسة استأثر بها الله تعالى لا يُطلع عليها أحد من خلقه وهذه الغيبيات وردت في ختام سورة لقمان (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {34}‏) وحتى يصحّ إسلام أي مسلم يجب أن يؤمن بهذه الغيبيات الخمسة وهذا هو الغيب المقصود في آية سورة البقرة. وفي مؤتمر عقد في عام 1985 أو 1986 تحدثوا فيه عن السونار (وهو جهاز يكشف المولود في رحم الأم) ودائماً هناك من يتطاول على الإسلام فقال أحدهم أن هذه الآية عن الغيبيات التي تتحدثون عنها خطأ ولم تعد صالحة لأننا الآن بهذا الجهاز يمكن أن نعرف ماذا في رحم الأم، فقلنا له أنت لم تعرف الآية فقد قال تعالى (ويعلم ما في الأرحام) ولم يقل (من) وأنت بهذا الجهاز تعرف من في الرحم. (ما) هنا هي ما المبهمة شاملة ولا يعرف أحد عن الذي في الرحم هل هو شقي أو سعيد، غني أو فقير، مسلم أو كافر إذن أنت تعرف جزئية واحدة فقط من (ما) التي جاءت في الآية ولو عرفت كطبيب ما نوع المولود فلن تعرف أكثر من ذلك فبقية ما يعرفه الله تعالى لا يعلمه سواه وهذا من الغيبيات ومن تمام الغيبيات. (ولا تدري نفس بأي أرض تموت) حتى المعاد غير معروف وليس فقط المكان، ولو أقررنا أن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى يجب أن نفطن إلى أدق الآيات عن الموت وهي قوله تعالى (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ {19} سورة ق) وهذه الآية هي الآية المحورية عن الموت. قيل في هذه الآية كلام كثير لكن عجباً نسمع من كلام الصًدّيق عندما يُفسر هذه الآية يقول رضي الله عنه وجاءت سكرة الموت بالحيق وجاءت سكرة الحق بالموت وهي تساوي بعضها فاعتبر أن الموت حق فمهما كان التعبير فالمعنى واحد. وهذا التفسير تفسير رجل فهم كُنه الموت بدليل ما جاء بعدها (ذلك ما كنت منه تحيد). من المخاطب هنا في الآية؟ قسم من المفسرين قال المخاطب هو الكافر فقط وقسم آخر قالوا أن المخاطب هو الإنسان على وجه الإطلاق. وهذه الآية تحدث أمامنا كل يوم يحدث موت ويحث لطم وشق جيوب وصراخ. فما معنى كلمة (بالحق) وما هو الحق الذي يأتي به الموت؟ الحق هو كل ما رفضه أو غاب عنه أو كفر به الإنسان وكأن الموت حين يأتي يأتي لصاحبه بالحق وإن كان صاحبه على كفر فيعلم أنه كان على خطأ فيقول (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ {100} سورة المؤمنون) لماذا يقول هذا الكلام؟ لأنه في هذه اللحظة عرف الحقيقة فتمنّى أن يعود للدنيا فيعمل وهذه الآية توضح أن الله تعالى لا يظلم أحداً بدليل أن هذا الكافر أو المشرك عندما يتبين له الحق عند الموت يقول (لعلّي أعمل صالحا) ولا يقول (سأعمل صالحاً) وهذا دليل على أنه لو عاد فسيعمل كما كان يعمل سابقاً مع أنه علم الحق وهذه توضح أن الله لا يظلم أحداً سبحانه وهو سبحانه ليس بظلاّم للعبيد وهذه حقيقة لأنه لو عاد الذي مات لعمل ما كان يعمله سابقاً بنفس الأسلوب وطبعاً لو أنه أراد أن يتعظ لاتعظ من غير ذلك،  ويردّ تعالى عليه (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ {100} سورة المؤمنون) ولم يُرد تعالى أن يكلّمه وإنما تكلّم عنه وقضى الأمر (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). فالآيتان في سورة ق وسورة المؤمنون تؤخذان مع بعضهما .

الموت هو في الحقيقة نقيض الحياة وتحدثنا في الحلقات السابقة عن كيف بدأ الخلق وأخذنا مثالاً على ذلك وهو خلق آدم وقلنا أن سهم الموت يسير بعكس سهم الحياة فالروح التي هي آخر ما يدخل إلى الجسد في مرحلة الحياة تكون أول ما يخرج من الجسد في حالة الموت. وتدخل الروح في الصلصال الذي كالفخار فيتحول إلى جلد ودم وعظم والجسد البشري كما نعرفه أما في الموت فتخرج الروح أولاً ثم ينشف الجسد ويتصلّب (صلصال كالفخار) ثم يطرى فيتحول إلى حمأ مسنون إذا تُرك من غير دفن فينبتن فإذا دُفن تحول إلى طين ثم يتحلل الطين إلى تراب وماء. والروح تخرج من الرجلين أولاً ثم تصعد ‘لى الركبة ثم الصدر ثم الحلقوم ثم تخرج وإذا كان هناك من يحتضر وجاءه الطبيب يتأكذ من احتضاره بشكّه بإبرة في رجليه فإذا لم يشعر بها يعلم أن الروح قد غادرت الرجلين ثم يشكّه في ركبته وهكذا ويعلم أن المحتضر سيموت بعد ساعات قليلة أو كثيرة، ويقال أن أول ما دخلت الروح في آدم من رأسه عطس.

وفي القرآن الكريم آيتين تحسمان هذا الموقف للبشر وهما آية سورة الواقعة (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ {83} وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ {84} وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ {85} فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ {86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {87}) وآية سورة القيامة (كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ {26} وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ {27} وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ {28}). وهاتات الآيات تقضيان بعجز الإنسان في موقف الموت عن أخيه الإنسان وآية سورة الواقعة (فلولا إذا بلغت الحلقوم) (لولا) هنا للتحضيض مثل هلاّ ستصل إلى الحلقوم آجلاً أو عاجلاً وأنتم تنظرون إلى المتوفّى ولا تبصرون وهذه تدل على عجز الإنسان الذي يقطع به الله تعالى حتى يستعدّ الإنسان للموت إذا حضر وفاة أحدهم. والبصر هنا من البصيرة كأنك ترى ولا تُبصر ببصيرتك ولا تتعظ فأثبت تعالى البصر في هذه الآية ولم يُثبت الرؤية، وقد يكون من بين الحاضرين للوفاة رجل مكفوف لكنه يُبصر ويعلم حقيقة الأمر وأن هذا الأمر أي الموت حق وأنه آت لا محالة فكم يذهب الناس في جنازة أحدهم ثم يعودون وينسون ما كان وهذه هي المشكلة فالميّت أفضى إلى عمله أما الذي يبقى على قيد الحياة يجب أن يتعظ ويقول بعد رجوعه من الجنازة: الحمد لله الذي نجّاني في هذا اليوم وأبقاني على قيد الحياة حتى أتوب إلى الله وأرجع إليه وأصحح أعمالي وأتذكر قوله تعالى (قال رب ارجعون) وأن الذي يموت يتمنى أن يعود ليعمل صالحاً. والذين يبكون على الميت حين وفاته قال كثير من علماء النفس إنهم إنما يبكون على أنفسهم إذا آلوا إلى نفس هذه اللحظة لأن القضية خطرة جداًَ فلو كان البكاء على فقد المتوفى فعلاً لا يعود الإنسان بعد دفن الجثة فيتزوح مثلاًوهذا يحصل في حياتنا وعلى المسلم أن يتعلم واجب الأحياء تجاه الأموات التي أمرنا بها الرسول r من تلقين الميت وغسله وتكفينه والصلاة عليه ثم دفنه والدعاء له بالتثبيت وهذا ما سنتناوله في حلقة قادمة بإذن الله. والموت مخلوق يترقب كل حيّ وقلنا أن النفس هي جماع الروح والبدن والتي تخرج ساعة الموت وساعة الوفاة هي الروح وسنتكلم في حلقة الوفاة عن تلقّي ملك الموت للروح والفرق بين روح المؤمن وروح الكافر من الحديث الصحيح الذي ورد بهذا الخصوص. وفي آية سورة الواقعة قوله تعالى (فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين) أي لو لم تكونوا خاضعين لله ترجعونها إن كنتم صادقين فمن يستطيع أن يُرجع الروح وإلى أين يرجعها؟ إلى البدن؟ هذا غير ممكن لأنها تكون كعملية الخلق أو يرجعونها إلى جسد المتوفّى وهي ما زالت في الحلقوم وهذا أيضاً غير ممكن فطالما أنكم غير قادرين فأسلِموا وآمنوا وهذا هو مراد الله تعالى في تحقيق آيات الموت في القرآن.

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته            فإنه على آلة حدباء منقول

فإن حملت اليوم إلى القبور جنازة            فاعلم بأنك بعدها محمول

أما في آية سورة القيامة اختلف المفسرون فيها قسم قالوا قيل مَن، وقسم قال قيل مَن. وأهل اللغة يوقولون طالما لم يقل قالت أو قال وبيّن الفعل ولم يسمي الفاعل يكون بمعنى مَن أهل المحتضر من يرقيه أو يشفيه والرقية عند العرب تشفي وتُذهب المرض (أي من يرقي هذا الميت المحتضر؟) والميّت تُطلق على الذي مآله إلى الموت والذي تحضره الوفاة (إنك ميّت وإنهم ميّتون) والخطاب كان للرسول r وهو ما زال حيّاً، أما الميت بتسكين الياء فهو الذي مات ودّفن. ويقال للمحتضر ميّت وللذي خرجت روحه ميت بتسكين الياء.

حينما نقرأ في آية سورة القيامة (كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ {26} وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ {27} وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ {28}) هذا الظنّ هو بمعنى العلم لأن مراحل الإدراك عند الإنسان أربعة:

  1. العلم وهو إدراك اليقين وهو أن ألعلم حقيقة كنه قضية ما مئة في المئة وهذا لا يكون للبشر وإنما لله تعالى فهما علَم الإنسان من قضية ما لا يمكن أن يصل إلى معرفتها بكامل نواحيها مئة في المئة. فإذا علمت قضية مئة في المئة أكون قد أدركت اليقين واليقين بإطلاق هو الموت وهو الحقيقة المؤكدة مصداقاً لقوله تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) وكما قلنا هذا مستحيل للبشر وإن بدا لنا ذلك وإحاطة الأمر لا يكون إلا لله رب العالمين الذي له العلم المطلق سبحانه بدليل قوله تعالى مخاطباً رسوله r (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) استخدام ألم تر تعني أن الله تعالى سيخبر نبيّه r عن هذه الأمور التي جرت إخبار من رأى بل هو إخبار الله تعالى الرائي الأعظم وكأنك يا محمد حاضر.
  2. الشك وهو مرحلة تساوي بين الطرفين: إذا تساوي علمي وجهلي بقضية ما يُسمى الشك فإذا علمت قضية بنسبة 50 في المئة وجهلتها بنفس النسبة أكون شاكاً.
  3. مرحلة الوهم وهي مرحلة إدراك الطرف المرجوح كأن يكون جهلي بقضية ما بنسبة 60 أو 70 في المئة وعلمي بها بنسبة 40 أو 30 في المئة أي أن نسبة الجهل أكثر من نسبة العلم فأقول أنا أتوهم القضية.
  4. مرحلة الظنّ وهي مرحلة إدراك الطرف الراجح: فإذا كانت نسبة العلم بالقضية 60 أو 70 في المئة ونسبة الجهل 40 أو 30 في المئة أكون ظانّاً أي أن نسبة العلم أكبر من نسبة الجهل بالقضية وهذا هو توصيف القرآن لكل علم البشر كما في قوله تعالى (وظنّ أنه الفراق) لا يقول علِم أنه الفراق فهو تعالى يستعمل أقرب نسبة للعلم وهي الظنّ فجاء التعبير بلفظ ظنّ وكذلك في قوله في سورة الحاقة (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ {19} إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ {20}) الذي سيأخذ كتابه بيمينه لا يقول إني علمت أني ملاق حسابيه ولا يمكن أصلاً أن نقول علِمت بحضرة علاّم الغيوب أدباً فيأتي بأقرب نسبة للعلم وهي الظنّ. وهكذا فعل تعالى بالموت(من راق) من الموجودين حول الميت من يرقيه؟ لا يستطيع إنسان ذلك لأن هذا يتطلب إرجاع الروح إلى الجسد فلذا قال في الآية (وظنّ أنه الفراق) إما مفارقة الحياة وإما مفارقة الروح للبدن وفي الحالتين سيموت. و(من راق) يحتمل أن تكون كلام ملك الموت بمعنى من يرقى بهذه الروح إلى بارئها فإن كان مؤمناً ترقى به ملائكة الرحمة وإن كان كافراً قتتلقاه ملائكة العذاب ومن رائحته النتنة لا يمرون على سماء إلا إلا قالت الملائكة قيل من صاحب هذه الروح الخبيثة ويُطلقون عليه أقبح ما كان يطلق عليه في الدنيا من ألقاب.

 ولأننا عاجزين عن إرجاع الروح لجسد المتوفّى علينا أن نعود إلى الله تعالى وكم سمعنا عن أناس عادوا إلى الله تعالى بعدما حضروا وفاة أحدهم لأنهم تخيلوا أنهم قادمون على مثل هذا الموقف الكبير الذي لا يقدر عليه أحد لذا كلام الرجل في قبره لملائكة الحساب ينمّ فعلاً عن صدق الله تعالى في الآيات الأولى من سورة البقرة (الذين يؤمنون بالغيب وبالآخرة هم يوقنون) تيقنت من الآخرة بداية بالموت أولئك على هذى من ربهم وأولئك هم المفلحون فمن تيقن بالآخرة ثم الموت والحساب عليه أن يعمل لها بدليل قوله تعالى في سورة الإسراء (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا). واليقين سُمي الموت (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق المطلق هو ضد الباطل وعندما تأتي سكرة الموت بالحق فالذي على باطل يعلم تماماً الحق عندما يأتيه لأنه ضد ما كان هو عليه تماماً كأنك لو لم تذق المالح لا تعرف طعم السكر والضدّ يُظهر حسنه الضِدُّ. فيجب أن نعيش هذه اللحظة وكيف أن الله تعالى أعجزنا أمام أنفسنا وساعة حضور الوفاة ساعة قاطعة وأسأل الله عندها أن نعيش هذه اللحظات ثم نعرف أنه بخروج الروح من البدن ستبدأ حياة جديدة خاصة بالأموات سمّاها تعالى حياة البرزخ كما في قوله تعالى (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وهو حاجز بين عالم الأحياء وعالم الأموات.

أسئلة المشاهدين خلال الحلقة:

سؤال: سأل أحد المشاهدين أن والده توفي منذ سنة ونصف في 12 رمضان بعد صراع مع مرض السرطان على مدى عامين فهل هذا يعتبر كفارة للذنوب؟

الجواب إن شاء الله نسأل الله تعالى له الرحمة فكما قال الرسول r (حتى الشوكة يشاكها) تكون تكفير ذنوب ورفع درجات ومن مات أفضى إلى عمله لكن نأخذ من السؤال عبرة ودرساً لنا ونرى كم يتألم هذا الإبن على أبيه حتى يطمئن على مصيره ونحن نحسبه على خير إن شاء الله ونأخذ من هذه الأسئلة عبرة لآنه رغم علمنا أن الموت قادم لا محالة هناك من ينصرف عن هذا المعنى ثم فجأة يداهمه الموت فيقول كالذي ذكره تعالى في القرآن (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون) فإذا جاءه الموت لا يستقدم ساعة ولا يستأخر ساعة. وضربنا مثلاًفي الحلقة السابقة لما جاء ملك الموت لموسى u. إذن علي أن أعمل صالحاً في كل شيء من حيث العبادات والمعاملات حتى إذا جاء الموت أكون مستعداً له لأن الموت سيدركنا حيث كنا (يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيّدة).

سؤال: وعد الله تعالى المؤمنين الصالحين بالحور العين في جنات النعيم فهل للمؤمنات الصالحات حور عين؟

الجواب: هذا أيضاً خطأ شائع فمن قال أن الحور العين للرجال. ولا يمكننا أن نصنّف الحور في جنس ما لأن القرآن لم يحدد وهم ليسوا إناثاً بل أن القرآن الكريم نفى أن تكون الملائكة إناثاً ولا يعتبر الحور العين إناثاً وسنثبت ذلك في الحلقات التي تتحدث عن الجنة وما فيها.

سؤال: سألت إحدى المشاهدات عن أنهم سابقاً كانوا يجهلون أن شق الجيوب ولطم الخدود لا يجوز أنهم قد عملوا هذه الأمور فما الحكم في ذلك وهل يُعذّب الأموات بهذا؟

الجواب: لا أريد أن ألوم أحداً أو أعاتب لأن الله تعالى وسعت رحمته كل شيء (لمّا خلق الله الخلق كتب فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي) لكن لا يليق بالمسلم أن يُغضِب رب العالمين وكما علّمنا رسول الله r أن الصبر عند الصدمة الأولى كما في حادثة المرأة التي كانت تلطم فقال لها الرسول r اصبري قالت دعك عني لأنها لم تعرفه فانصرف عنها ولما علمت أنه رسول الله r ذهبت إليه لتعتذر وتستغفر الله فقال لها إنما الصبر عند الصدمة الأولى. فالموت ابتلاء للكل ما عدا الميّت (هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فالحياة ابتلاء للكلّ والموت ابتلاء للأحياء وليس للميت. ومن هنا أسأل الله تعالى أن يثبتنا جميعاً وكم من مسلم يموت أعزّ إنسان عنده لكن يقينه بالله تعالى يجعله يقول: الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون. وكما قلنا سابقاً أن علماء النفس قالوا أن الإنسان يبكي على حاله عندما يموت أحد ما والبكاء يجب أن يكون في حدود عدم خروج الصوت أو النحيب كما علّمنا رسول الله r (إن القلب ليخشع وإن العين لتدمع) فدلّ على أن الحزن في القلب. ونقول للأخت عفا الله عمّا فعلوه وهذا يحتاج إلى التوبة والتوبة هي الندم وطلب المغفرة فالمسلم الحقّ يحزن أكثر حتى أن منهم من يموت حزناً على فقد أمه أو أبيه أو ولده. لكن يجب علينا التسليم لله تعالى ولهذا اختار الرسول r توصيف حالة القلب (إن القلب ليخشع) التي هي أسمى مراحل التسليم لله تعالى.

والسؤال هل يشعر المتوفى بها نقول لا تزر وازرة وزر أخرى لكن فقط يجب الإستغفار لأن بعض ما يحدث في الجنازات يحتاج لتوبة وإنابة وإلى تجديد إيمان فمنهم من يكفر بالله في تلك الحالات والعياذ بالله. ولا يصح أن نقول أن الميت يتألم ببكاء الآخرين فما ذنب رجل صالح توفى إن كان في جنازته من أساء التصرف.

سؤال: ما رأيكم فيمن يشتري كفنه ويزمزمه (أي يبلله بماء زمزم)؟

هذا لا أساس ولا أصل له ويجد خلاف بين الفقهاء فيه. واليقين في الموت حقيقي وهو المفروض لكن الباقي لا أصل له ولن يقدم أو يؤخر.

سؤال: هل يعتبر الميت إكلينيكياً متوفّى؟

طالما أنه موجود في المستشفى فهو حيّ وهذه الأجهزة التي يعيش عليها هذا المريض هل تعيد الحياة لمن مات؟ بالطبع كلا إذن فهو حيّ مهما طالت مدة مكوثه في المستشفى على الإجهزة.

سؤال: هل السحر حقيقة أم لا؟

سنتناول في حلقات قادمة السحر في مفهومه في القرآن والسنة. إا اعتقد مخلوق أن الساحر يستطيع أن يفعل كذا وكذا خارج أمر الله فقد كفر (من اعتقد في السحر إلى هذا الحد فقد كفر). فالقول هناك سحر لكن هل السحر يستطيع أن يمنعني من أن أتزوج مثلاً أو يجعلني أطلق زوجتي فمن اعتقد هكذا يكفر بالله والساحر غالباً هو أتعب خلق الله فلو أنه قادر عليّ فلماذا لا يصلح نفسه ويقدر عليها وينفع نفسه. (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) والساحر لا يتعامل إلا مع المغفلين وطالما هناك مغفلين فالنصابين بخير. وسؤال هل إذا وقع السحر أفكه بسحر هذا يحتاج إلى شرح لكن علينا أن نجعل عقيدتنا في الله توجد آيات للرقية والذي يجري الآن كذب وضلال وبهتان.

سؤال: هل قبل خلق آدم كان إسم الرسول r مكتوباً على كرسي العرش؟ هذا الكلام ليس له أصل لا في القرآن ولا في السنة.

سؤال: أيهما خُلق قبل: السموات أو الأرض؟ وردت السموات في القرآن قبل الأرض وهذا سنوضحه في حلقات قادمة من خلال آيات القرآن.

سؤال: متى خلقت الملائكة؟ لها توصيف في القرآن أنها مخلوقة قبل آدم.

سؤال: هناك طلبات من المشاهدين بتخصيص حلقات عن موضوع الجنة: ستؤخذ بالتفصيل بعد تمام حلقات الموت والحساب ثم يعقبه نعيم أو عذاب وسنعرض الجنة في القرآن والسنة الصحيحة.

سؤال: ما هو عالم الذر؟ قال تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم) أخذ الذرية وأشهدهم على أنفسهم بوحدانية الله تعالى قبل أن يوجد الإنسان على الأرض أعلن التوحيد لله تعالى كما ورد في الحلقة السابقة.

سؤال: كيف نفرّق بين اتباع الشيطان واتباع النفس الإمارة بالسوء؟

إذا كانت الوسوسة تصر على المعصية بعينها فهي من النفس وإذا اختلفت تكون من الشيطان (اسرق، اقتل، لا تصلي،..)

سؤال: هل الإنسان مسيّر أو مخيّر؟

الإنسان مسيّر في أمور ومخيّر في أمور العبادة والعقيدة بدليل الآيات (لا إكراه في الدين) و (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

سؤال: هل الشيطان والجن نفس المخلوقات؟ هي أصناف مختلفة فهناك الشيطان والجن والعفريت وكلها أصناف والعفريت هو الجن الشاطر القوي الأسرع (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) وفي التوصيف العام (إن كيد الشيطان كان ضعيفا).

سؤال: هل الدعاء يردّ القضاء؟ الدعاء يرفع البلاء بقدر فإذا رفع البلاء يكون قدر الله وقضاؤه ولا دعاء يغيّر قدر الله تعالى. تحتاج ليقين وعقيدة عند المسلم يجب أن يكون شعاره ما قضى الله به لن يتغير وهذه قضية تحتاج إلى حسم.

سؤال: خلق الله تعالى الشيطان وهو من أليب إبتلاء الإنسان فلماذا يدخل النار طالما أنه يؤدي وظيفته؟ لا ينفع أن أقول لله لماذا خلقت الملائكة ولماذا خلقت الجن أو الإنس فهذا لا يجوز ونكتفي بقوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).

سؤال: ما الفرق بين القبر واللحد؟ القبر هو لو وضعت الجثمان على وجه الأرض أو قُبر الإنسان في طيارة أوأي مكان غرقاً في البحر ولا يوجد جثة فقبره هو مكان ما هو فيه. أما اللحد فهو أن تشقّ الأرض وتدفنه فيها وتواريه التراب ولا يكون شيء فوق الأرض.

سؤال: هل جنة الخلد هي الجنة التي سكنها آدم ؟ كلا الجنة التي سكنها آدم هي بستان على الأرض فهم الناس أنها في السماء من قوله تعالى (اهبطوا) لكن ورد في القرآن الكريم مخاطباً اليهود (اهبطوا مصرا) وهذا ليس دليل الهبوط وإنما هبوط درجة . أما جنة آدم فهي جنة ابتلاء وأول إخبار عن آدم كان في قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة).

 

سؤال: يقال أنه في رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار فهل الذي يموت في رمضان يدخل الجنة؟ من قال أن أواب النار تقفل هذا كلام غير صحيح.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل