الرحمن علّم القرآن - التوكل

الرحمن علّم القرآن

التوكّل

 سؤال: ما هو المعنى الحقيقي للتوكل؟ 

الدكتور محمد هداية :

من أصعب الكلمات في التعريف كلمة التوكل وذلك حتى عند أهل اللغة لان معناها عند العرب قبل الإسلام إظهار العجز والاتكال على الغير فلما جاء الإسلام ومن علاماته التوكل على الله بمعنى الكلمة عند أهل التحقيق إظهار العجز لله تبارك وتعالى والتوكل عليه الأولى كانت تسمى عندهم  الاتكال وهي التي فيها شيء من التواكل لكن في العلاقة بين المولى سبحانه وتعالى وعبده لا بد مع إظهار العجز لله جل شانه والاعتماد عليه أن آخذ بالأسباب في الأرض وأنا متوكل عليه هذه العملية تسمى التكلان بالنسبة لله جل وعلا لأننا لما نتوكل عليه فإننا نختار من نعتمد عليه بدقة وهو الله خالق كل شيء المهيمن بكل صفاته الكاملة

لكن مهما حاولنا شرحها فلن يتبين لنا ذلك إلا من خلال مثال تطبيقي.

تكلمنا في حلقات سابقة عن الإسراء والعروج وقلنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا دخل له في هذه القضية بدليل"سبحان الذي أسرى بعبده" لكن لما جاءت الهجرة كان الوضع مختلفا تماما فرسول الله عليه السلام يأخذ بالأسباب بدقة ويتوكل على الله تبارك وتعالى أيضا بدقة بمعنى انه اختار الصحبة (أبو بكر الصديق) وطلب منه التزود للرحلة بدابتين شديدتين واتى بدليل يعرف الطريق جيدا  وأعطاه أجره ولم تثبت أي رواية عن كفر أو إسلام هذا الدليل ولما تبعهم الكفار تسللوا إلى الغار واختبئوا فيه كل هذا يعتبر أخذا بالأسباب فالرسول يعلم أصحابه ذلك يسال أبا بكر وعمر ما تركتم في أولادكم فيجيب الأول تركت لهم الله ورسوله ويقول الثاني تركت لهم نصف مالي كان عليه السلام يخطط بكل دقة ويعلمهم الأخذ بالأسباب

في الغار يقول الصديق لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا فيجيبه الرسول عليه السلام لا تحزن إن الله معنا بماذا بالتوكل. فهو يأخذ بالأسباب متيقنا أن الذي سيستره عن أعينهم هو الله سبحانه وتعالى.

 في الهجرة بان جيدا كيف توكل على الله سبحان، بالأخذ بالأسباب من احتياط وتدبير وتخطيط لذلك في بعض الروايات انه صلى الله عليه وسلم لما خرج من بيته  بمكة اخذ حفنة من التراب وقال شاهت الوجوه ورماها فأخذتهم سنة من النوم ولم يراه احد منهم كل ذلك بفعل من المولى سبحانه وتعالى الذي توكل عليه الرسول عليه السلام وهو آخذ بالأسباب.

سؤال: النصر ربطه المولى سبحانه وتعالى بمعادلة فيها الاخذ بالاسباب ويتجلى ذلك في قوله"ان تنصروا الله ينصركم " 

الدكتور محمد هداية: يجب ان نعلم أولاً  أن  القاعدة الاصولية "وما النصر إلا من عند الله" وهذه حقيقة ولكن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة فالمولى سبحانه وضع الشرط الذي يجلب النصر علماً أن النصر من عند الله ولا يمكن أن ينكر ذلك احد لكنه وضع الشرط في أيدينا شرط الاستجلاب"إن تنصروا الله ينصركم" فالذي لم يُنصَر (بضم الياء وفتح الصاد) فحتماً أنه لم يَنصُر (بفتح الياء وضم الصاد) الله تعالى وتبارك ، صحيح أن النصر من عند الله "وما النصر إلا من عند الله" فالنصر  عند المولى كمخزون في القضاء والقدر  لكن ماذا فعلت لينصرك الله؟ فأنا إن عملت بما أوجبه الله علي في الاسلام أكيد سينصرني الله. قد يتساءل المرء كيف ننصر الله؟

تنصره بأن تقوم بكل ما امرك به في الاسلام سواء في العبادات أو المعاملات أو التعاملات وفي العلاقات بين الرئيس والمرؤوس وفي بر الوالدين واحترام الجار وتربية الاولاد، كل هذا من عوامل نصر الله تبارك وتعالى إن أنت قمت بها على الوجه الذي يرضيه سبحانه ينصرك جل شانه من أوسع الأبواب.

والمولى لخص مسالة التوكل في حديث لرسول الله عليه السلام في القرآن الكريم "وتوكل على الحي الذي لا يموت"  لأنك قد تتوكل على مخلوق فان ومتغير  لكن المولى سبحانه حي لا يموت والآية الثانية "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" لان هذا شرط العمل "فهو حسبه" يعني أن نكون آخذين بالاسباب والمولى لم يقل سألبّي ولكن قال سأجيب "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" ولم يقل أُلبي لكم. 

سؤال في مسالة النصر  نعلم أنه في الايام الاولى  للدعوة تعرض المسلمون لأذى الكفار والمشركين لكن في معركة بدر إنتصر المسلمون وهم قِلّة وبالمعايير الاستراتيجية والعسكرية قد يصعب ذلك فهل مسالة التوكل حسمت الموقف في هذا المكان؟. 

الدكتور محمد هداية: هذه المسالة يمكن أن نفهمها عندما نستعرض بدر وأُحُد عندها نعلم أن المسألة أخذ بالأسباب وتوكل على الله  ولي ملاحظة هامة أريد أن أسوقها وتدخل في باب الرد على بعض المستشرقين الذي حاولوا أن يهاجموا الإسلام من حكاية  معركة أُحد ونقول أننا لو كنا انتصرنا في أُحد رغم أن المسلمين لم يسمعوا كلام رسول الله عليه السلام ولم ينفذوا تعليماته فستكون مصيبة بالنسبة للاسلام فالهزيمة في أُحد كانت رداً على الذي حصل في بدر لأن الذي نصر في بدر هو الله سبحانه لأنهم توكلوا عليه حق التوكل إنما في أُحد ورغم أن إمكانيات النصر كانت أكبر لكنهم لم يطيعوا رسول الله ، فصحيح أن المسلمين انهزموا في أُحد لكن الله ورسوله والاسلام انتصروا. فعدم الطاعة مصيبة كبرى والهزيمة كانت علامة من علامات وجوب طاعة الرسول وتنفيذ كل أوامره فإن لم نفعل فإنه لن يحصل الذي حصل ببدر ولكنه سيحصل الذي حصل في أُحد والاثنين يوضحان أن التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب علامة من علامات الإيمان واستجلاب النصر من عند الله عز وجل . 

سؤال: هل يمكن أن نشرح مسالة الرزق وأهمية السعي لجلبه؟ 

الدكتور محمد هداية: كان لرجل حكيم إبن عاصٍ يرفض العمل بعلة أن الله ضامن له رزقه فأخذه في رحلة فرأوا أسداً ينقضّ على فريسة فيأكل منها ويترك الباقي وإذا بثعلب أعمى يخرج من جحره ويأكل مما تبقى فيقول الولد يا أبي ألا ترى الله قد ضمن لهذا الثعلب رزقه من دون تعب ولا كلل؟ فيجيبه الحكيم بجملة لو فهمناها حق الفهم لأدركنا المعنى الحقيقي للتوكل في مسالة الرزق يقول : إنما أردتك أسدا يأكل من سعيه الثعالب لا ثعلباً يأكل فتات الاسود. إذن فبالسعي أنت تعمل لنفسك كياناً ووضعاً ومركزاً وهيبة .



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل