الرحمن علّم القرآن - التقوى

الرحمن علّم القرآن

التقوى

 سؤال : يقول المولى عز وجل " يا أيها الذين آمنوا إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم" فما هي معايير التقوى وتوصيفها وتطبيقاتها؟

الدكتور محمد هداية: التقوى منهج من مناهج حياة المسلم بل هي حياة المسلم.التقوى هي أن تجعل بينك وبين الله تبارك وتعالى وقايةٌ أو أن تجعل بينك وبين النار وقايةٌ لأنّ القرآن جمع هذين الأمرين فثمّة آياتٌ تقول "اتقوا النار" وأخرى تقول "اتقوا الله" ولو فكّرنا في الأمرين سنجد أنّ النتيجة واحدةُُُُ، فإن  أنت صنعت بينك وبين محارم الله وقاية فجزاؤك الجنة وإن أنت اتقيت النار فجزاؤك الجنة . فالتقوى أمرٌ عاش عليه المسلمون وفهموه وحتى لمّا تدرّجت الآيات في مسألة التقوى جاءت آية آل عمران تختلف عن آية التغابن في قضية قدْر التوبة "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون" فحق التقى قضيةٌ لا يستطيع أي مخلوق أن يصل إليها، الصحابة أنفسهم حصل لهم شيء من القلق فذهبوا إلى الرسول عليه السلام يسألونه من منّا يعرف الله حقّ التقى ، نزلت بعدها آية في سورة التغابن افتكر الناس أنّها نزلت لتخفّف والحقيقة أنها نزلت لتضع العلاقة في يديك "اتّقوا الله ما استطعتم" . لمّا أفهم الآيتين على الوجه الذي أراده المولى سبحانه وتعالى أجد أن الآيتين لا تختلفان لانّ ظاهر الآية أنّها تخفيف. لنفترض أنّ أحدنا وقف أمام المولى سبحانه وتعالى يوم القيامة يعترف أنّه لم يكن يعرف حق التقى فلمّا نزلت آية "اتقوا الله ما استطعتم" عمل ما في وسعه،في هذه الحال  المولى وحده سبحانه وتعالى قادر على أن يقول أنّه كان بوسعه أن يفعل أكثر مما فعل. الإستطاعة مسألة مفتوحة بينك وبين المولى سبحانه وتعالى والصيام يوضّح قضية "حق التقوى" أو "ما استطعتم "، يقول المولى جلّ وعلا في حديث قدسي بديع " كلّ عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلاّ الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به "، ويمكن أن نفهم ذلك من خلال هذا المثال: لو أنّ أحدهم تعمّد الأكل  والشرب  والناس صيام في رمضان ثم جلس مع جماعة هل يمكن لأحدهم أن يجزم أنّه لم يصم ؟ من أجل ذلك يقول المولى سبحانه إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به لأنّه الوحيد الأوحد سبحانه الذي يعلم من صام على الوجه الصحيح .

وقد يتبادر إلى ذهن المرء لماذا "اتقوا الله ما استطعتم"؟ الجواب أنّ إستطاعة كلّ واحد منّا تختلف عن الآخر فثمّة من يصلي ركعتين في جوف الليل فيتعب لكنّ الثاني يقدر أن يصلي6 ركعات وهكذا. لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا أنّ الذي تعب بعد ركعتين كان عليه أن لا ينام وإنما يقرأ ما تيسر من القرآن أو يحاول أن يحفظ حديثاً للرسول عليه السلام أو يتذكر الأعمال الصالحة فنلحظ أن المسألة ليس لها حدود. الآية لا تعفينا من حق التقى لأنّ آية " اتقوا الله ما استطعتم" مفتوحة في مقدار الاستطاعة بيننا جميعا فكلّ واحد منّا لا يملك القدرة نفسها.

سؤال: فما رأيك في الآية التي تقول"لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها" ؟

الدكتور محمد هداية:    ضع أمامها مباشرة "لا يكلّف الله نفساً إلا ما آتاها"

سؤال: وكيف ذلك؟

الدكتور محمد هداية : لأنّ المسألة لا تؤخذ بظاهر الآية ومن أجل ذلك يكون علم التأويل في بعض الآيات أقوى من علم التفسير وتدبّروا جيّدا في مسألة التأويل "لا يعلم تأويله إلا الله" فأنت تجتهد فحسب فلا تكتفي بآية "لا يكلّف الله نفساً إلا وسعهاوإنما تضع نصب عينيك الآية التي تقول"لا يكلّف الله نفسا إلا ما آتاها"،

فإن  اشتغلت الآية الأولى مقابل الثانية كما فعلنا سابقا مع"حق التقى" و "ما استطعتم" تجد أنّ المسألة مفتوحة أيضا على أنّك تجتهد على قدْر ما تقْدر عليه فاسْتطاعتك مفتوحة والآية التي يقول فيها ربّ العزة " وان عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون" تبيّن لنا ذلك، المولى سبحانه سمّى نفسه "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" فظاهر العمل يسجّله الملك أمّا خائنة الأعين وما تخفي الصدور فبينك وبين الحق تبارك وتعالى . ولنضرب مثلاً لذلك: صفّر أحدهم فآختصمها ملك العذاب وملك الرحمة ، الأول يريد أن يكتبها سيّئة والثاني يريدها حسنة فأرسل المولى جلّ جلاله ملكاً ليحكم بينهم فقال : تكتب (بضم التاء وكسر الكاف ) صفير وعلى الله يوم العرض التفسير . فهي تكتب وسيحسبها يوم القيامة من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور لذلك التقوى مثل الصيام فهي بينك وبين الحق تبارك وتعالى. يقول المولى عزّ وجلّ" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون" فإن اتقيت الله حق التقى أكون قد أسلمت إسلاماً غير إسلام العقيدة وإنما إسلام الوجه لله تبارك وتعالى.

 سؤال: يقول الرسول عليه السلام " إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" فما المقصود بالضبط من الصورة؟

الدكتور محمد هداية: الصورة هي الظاهر فقد تبتسم في وجه إنسان وأنت تدبّر له مكيدة فالله لا يحاسبك على الظاهر وإنما على المكيدة.

سؤال: ولكنه يقول أيضا في الحديث "إلى أجسامكم"

الدكتور محمد هداية: صحيح ولكن حتى وأنت متزيّن لكنّك لا تتقي تنتفي قيمة الصورة، فإن جملت الصورة(بفتح الجيم وضم الميم) فالمولى سبحانه يعاملك بالباطن لأنّه الوحيد الأوحد الذي يعلمه لأنّه هو الذي  يتولّى السرائر.

وأريد أن أعود إلى مسألة الاستطاعة وأهمية الاجتهاد فيها ويمكن أن نتبيّن ذلك جلياً في مسألة الحج يقول المولى عزّ وجلّ " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" . الناس أخذت الحج على أنّه فريضة على التراخي لكنهم لم ينتبهوا إلى أنّ على حرف يفيد الإلزام ، وإن كان المولى جل وعلا هو الذي يلزمنا بكلّ شيء  فانّه أتى بآية يلزم نفسه بشيء وإن كان لا يلزمه شيئ سبحانه يقول رب العزة والملكوت: "وإن من دابّة الا على الله رزقها"  فلماذا فهمنا في الآية الثانية أنّ (على) حرف يفيد الإلزام ولم نفهمه في آية الحج؟ إن الاستطاعة تفسّر (بضم التاء وفتح الفاء وضم الراء) مع على ، فمن استطاع منا بمعنى أول ما تقدر وليس عندما تقدر، فأول ما تستطيع تقوم بالفريضة والإنسان يسعى لتوفير هذه الاستطاعة وكلّ هذا سيكون بينك وبين المولى سبحانه يوم القيامة.

سؤال: ماذا قال الرسول عليه السلام لصحابته الذين جاءوا يسألونه في الآية التي نزلت عليه  "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"

الدكتور محمد هداية: في هذا الموقف وضّح الرسول عليه السلام للصحابة رضوان الله عليهم محلّ التقوى فقال: " التقوى ها هنا وأشار الى قلبه" لماذا؟ الجواب لأنّ التقوى فعلٌ وليست كلاماً ، التقوى أداءٌ وعملٌ ولأنّ الانسان في علاقته مع ربه يقدر أن تكون كلّ أعماله خشيةً من الله تبارك وتعالى وهذا هو معنى الوقاية . فالوقاية بينك و بين الله (محارمه) وأنت في هذه غير محتاج للاستطاعة لأنّ الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ والحسم فيها فوريٌ إنما الاستطاعة تكون في العبادات كأن لا أصلّي صلاة المسيء صلاته مثلاً فألتزم الجماعة .التقوى تدفعك للكمالات فنحن نسعى لدرجة الكمال لذلك جاءت الآية "اتقوا الله ما استطعتم" أي فإن التبس عليكم حق التقى فلتكن "اتقوا الله ما استطعتم"

وما أريد أن أؤكد عليه هو أنّ الجدال يقلّل التقوى لذلك يقول الرسول عليه السلام " لا تكثر الجدال وإن كنت محقا" فعندما تسأل مثلا أحد شيوخك تعمل بالإجابة فوراً ولا تدخل في الجدال لأن المفروض أنّك سألت لتعمل لا لتناقش .فالتقوى تدفعك إلى السؤال والى العمل بالإجابة، التقوى توضّح السعي والعمل، يقول الرسول عليه السلام" إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " فحتى الذي يذهب إلى المسجد نفاقاً فإمكانية أنّ عمله سيقوده إلى التقوى تبقى قائمة.

جاء الصحابة إلى رسول الله عليه السلام وقالوا له: فلان يصلّي ولكنّ صلاته لم تنهه عن المنكر فقال دعوه صلاته ستنهاه (ثلاث مرات) فلما سألهم عنه بعد فترة قالوا لقد تاب إلى الله.

واعلم أنك إذا تقدمت الى المولى درجة يتقدم اليك درجتين . ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال: ‏ ‏قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏ ‏يقول الله تعالى ‏" ‏أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه ‏ ‏باعاً ‏ ‏وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".

وقول الرسول عليه السلام "التقوى هاهنا" مشيراً إلى قلبه دليل أنّه محلّ التقوى وهو الذي يحرّكك في اتّجاهات تجلب لك الوقاية إمّا من الله وإمّا من النار والنتيجة واحدةٌ.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل