الرحمن علّم القرآن - الرجاء في رحمة الله

الرحمن علّم القرآن

الرجاء في رحمة الله

سؤال: قال الله تعالى" ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون" فما معنى أن يرجو الإنسان رحمة ربه وما هي أهمية أن يكون لنا رجاء في رحمة الله سبحانه وتعالى؟

 
الدكتور محمد هداية: حينما نجد قول المولى سبحانه وتعالى "ما لكم لا ترجون لله وقارا" لا يمكن أن يكون الرجاء هنا هو الأمل إنما الخوف، والفرّاء حاول أن يحلّ هذه المشكلة فقال إن الرجاء بمعنى الخوف في الجحد أي في النفي (إذا سبقها حرف نفي) فوجدنا أنّه في بعض المواضع تكون الكلمة بمعنى أمل فهي كلمة يأتي معناها للمستمع أو للقارىء حسب إضافتها فإذا قلنا مثلا في آية واحدة تجد المعنيين كقوله "لمن كان يرجو الله واليوم الآخر " يرجو الله ممكن أن يكون يخاف الله أو يأمل في رحمة الله أو في لقاء الله برحمة الله لكن في كلمة اليوم الآخر لا يمكن أن تكون أبدا أملا لأن أي عاقل لا يأمل في اليوم الآخر فالمنطق أن يخشاه حتى يأمن العذاب والعقاب.
فكلمة الرجاء حسب معناها يقدر القارئ أن يقف على معناها فان كانت الإضافة إلى الله سبحانه وتعالى تكون بالمعنيين إما الخوف أو الأمل وهذا يبين عظمة الإسم الأعظم "الله" جلّ جلاله ، تجد الإنسان المؤمن بهذه الكلمة يطمئنّ على عكس الكافر ، والكافر يكون له موقفين واحد في الدنيا والثاني في الآخرة ، الذي لا يبالي في الدنيا يخافه في الآخرة لذلك لا يجتمع على المؤمن أمنين و لا خوفين ذلك أنّه من أمن الله في الدنيا خافه في الآخرة وإن خافه في الدنيا (وهو المؤمن فعلا) أمنه في الآخرة .
وهذه المسألة تبيّن معنى الرجاء أنّ أيّ مؤمن يسمع كلمة الله لا يخاف وإنما يأمل لأنّ كلمة الله عنده تعني الرحمة على عكس الكافر الذي وإن أظهر أنّه لا يبالي فإنّك تجد بداخله رعبا من هذا الإسم الأعظم. وهذا الكلام سيتضح يوم القيامة ، فالمؤمن تجده يخاف اليوم الآخر مهما كانت أعماله بل بالعكس كلما حسنت أعماله خاف أكثر لذلك تكون نتيجة هذا الخوف الأمن  يوم العرض عليه .
إذًا فمن السياق نأخذ المعنى أو من مضمون الآية نفسه تقدر على معرفة معنى الرجاء إن  كان خوفا أو أملا فان أُضِيفَتْ الى الله تكون بمعنى الأمل وإن أُضِيفت إلى النار  والعذاب واليوم الآخر تكون بمعنى الخوف.
 
سؤال : يقول المولى سبحانه " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا "  ما الحكمة من ورود كلمة الرجاء في هذه الآية الكريمة؟
 
الدكتور محمد هداية: بإجتماع أهل التحقيق بعد اختلاف أهل الحديث وأهل التفسير في هذه الآية ، الرجاء هنا هو الخوف فمن كان يخاف لقاء الله يعمل ويجتهد حتى يأمن يوم الوقوف في حضرة العزيز الكريم فهذا الذي اهتمّ وخاف اللقاء لن يقول إني علمت أنّي ملاقٍ حسابيهْ بل يقول "انّي ظننت أنّي مُلاقٍ حسابيهْ" والظنّ هنا بمعنى العلم لأنها أقرب المراحل للعلم لكنّه لا يقدر في حضرة علاّم الغيوب أن يقول علمت أدبا مع المولى سبحانه لذلك فهو كان بالفعل يخاف الله جلّ وعلا،  وكلمة ظننت تؤكد انه كان يرجو لقاء الله (بمعنى يخاف) لذلك يُقال"مَنْ عَرِف الله خافه ومن خاف الله امْتَثَلَ أوامره ومن امتثل أوامره اجْتَنَبَ نَوَاهِيَهُ ومن كان خُلُقُهُ ذلك كان أَحْسَن َالواقفين بين يدي الله سبحانه يوم القيامة"
 
سؤال: في نفس الآية ثمة تأكيد على شيء مهم وهو لا اله إلا الله "ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" فما هو فضل لا إلاه إلا الله وعلاقتها بالرجاء؟
 
الدكتور محمد هداية: الرجاء هنا هو الأمل.  وقلنا سابقا إن الآية تقول"إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وهذه الآية على قدر ما توضّح أنّ الشرك عقابه النار على قدر ما هي دعوة للمشرك أن يعود إلى لا الاه إلا الله فما المعنى من كلّ هذا؟
لنفهم ذلك سنستعرض واقعة للرسول مع أبي ذر الغفاري رضي الله عنه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. "من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ولو مرة واحدة دخل الجنة" سأله  الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى "وأن زنا وإن سرق؟"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وان زنا وإن سرق"، فكرر أبو ذر سؤاله ولم يخف دهشته "وإ ن زنا وإن سرق"، فكرر الرسول إجابته، أصر الغفارى على سؤاله للمرة الثالثة "وإن زنا وإن سرق.." فحسمها الرسول قائلاً له وإن زنا وإن سرق رغم أنف أبى ذر.
معنى الحديث أن قيمة لا اله إلا الله لا تقدّر حتى وإن سرق أو زنا القائل بها ( وهي من اكبر الكبائر) فلا الاه إلا الله تجعله يتوب إلى الله.دخل الجنة رغم انف ابي ذر يعني أنّه تاب لأنّه قال لا اله إلا الله وعمل بها وعملت هي فيه  بدليل قول الرسول عليه السلام "من مات وهو يعلم انه لا اله الا الله دخل الجنة"، فلا اله الا الله جعلته بعد السرقة والزنا يتوب إلى الله فسيدنا النبي عندما يقول هذا الكلام له ما يؤيّده في القرآن " وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، إنها ساءت مستقرا ومقاما، والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا وكان بين ذلك قواما، والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما، * إلاّ هنا للاستثناء  الذي يبيّن قيمة لا اله الا الله ، فإن آمن بعد التوبة فالأكيد انه سيقول لا الاه الا الله فتاب وآمن أي قال لا اله إلا الله وجدّدها واستقام بعدها فمن عمل كل ذلك لا يغفر الله لهم فحسب وإنما يبدّل لهم سيئاتهم حسنات .
وأغتنم هذه الفرصة لندعو أنفسنا والمشاهدين جميعا أنّه مهما عملنا الذنوب والآثام  فلا ننقطع عن الرجاء سواء خوفا أو أملا، وانما  نرجع الى الله ونقول لا اله الا الله ونستقم  على صراطه سيكون جزاؤنا الجنة.
 
سؤال: كيف يكون الرجاء مرتبطا بالحق ، حق الله على العباد وحق العباد على الله؟
 
الدكتور محمد هداية: حق الله على العباد أن يجدهم حيث أمرهم وأن يَفتقِدَنا (وان كان سبحانه لا يفتقد أحدا) إنما الفَقْدُ هنا بمعنى البُعْدُ عن المعاصي حيث نهانا . وحقي أنا على الله تعالى الرجاء والمسلم بذكائه يعيش بين الخوف والرجاء (بمعنى الأمل هنا)
يروي الإمامان الجليلان البخاري ومسلم رحمهما الله عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال كنت رديف النبي صلي الله عليه وسلم فقال لي يا معاذ أتدري ما حق الله علي العباد ؟ وما حق العباد علي الله؟ قلت الله ورسوله أعلم . قال : فإن حق علي العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد علي الله أن لا يعذب من لا يشركوا به شيئا . فقلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس قال لا تبشرهم فيتكلوا ".....


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل