الرحمن علّم القرآن - الحياء -1

الرحمن علّم القرآن

الحياء

سؤال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" فما هو معنى الحياء؟ وكيف يصل الإنسان إليه؟

الدكتور محمد هداية:الحياء خلقٌ وغريزةٌ يجب أن يحرص عليها المرء وأن يحاول الوصول إليها وقد تعارض القول بين أهل اللغة وأهل الفقه مع تفسير حديث الرسول عليه السلام" الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" فقالوا كيف يكون الحياء شعبة من الإيمان والحياء غريزة والإيمان اكتساب ؟ أهل التحقيق فضوا هذا الاشتباك وقالوا إنّ الحياء غريزة أو طبيعة لكنّ المسلم الحق الذي لا يجد في نفسه فضيلة  الحياء يحاول أن يستحي حتى تكون عنده وبيّنوا أنّ هذا ما أراد  الرسول عليه السلام وهو الذي كان فاهما لغة وحديثا وفقها  أن يعلّمنا إيّاه في هذا الحديث:  أنّ الذي لا يجد في نفسه حياء يسلك مسالك المؤمنين ليكتسبه وطبعا كل إنسان أدرى بنفسه فمثلا لمّا يسمع قصة سيدنا موسى كيف مشى أمام ابنة سيدنا شعيب ولم يمش خلفها يحاول أن يكتسب هذه الصفة من الإيمان  ويجتهد في ذلك أو عندما يستمع لنصائح شيخ من الشيوخ لا يكتفي بالاستماع وإنّما يقلده عملا وفعلا ، فعن طريق الإيمان يكتسب المرء الحياء  .

"الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" يعني أنّ الإيمان شعبه كثيرة والحياء شعبة، إن كنت تفتقدها فآعمل واجتهد لتكتسبها كما اكتسبت الإيمان أي افعل ذلك ليَكْمُلَ إيمانك .

قد تقف على امرئ لا يجد في نفسه حياء فتراه يدخل مجتمعاً فيه نساء  لكنّه حالما يخرج يشعر أنّ ما عمله كان خطأ وهذه أولى مراحل الاكتساب، حيث عرف مواطن النقص فيه، المهم أن  يحاول إصلاحها بأن لا يدخل عليهنّ في المرّة القادمة حتى لا يجرح حياءهنّ علماً أنّ الرسول عليه السلام قد أمر الرجال قبل النساء بغض البصر .

وما تجدر الإشارة إليه أنّ الحياء غير الخجل لأنّ الخجل هو الكسوف لكن الحياء هو الخجل والعكس غير صحيح بعبارة أخرى أنّ الذي عنده حياء من الممكن أن يكون عنده خجل لكن قد يكون الإنسان خجولا لكن ليس عنده حياء فيقوم بتصرفات ليس فيها إيمان فيحاول أن يصل  بسلوك الإيمان إلى الحياء وحتى أهل اللغة يقولون من ليس عنده حياء فليستحي يعني يفتعل الحياء فيحاول أن يعمل إلى أن يصل إليه.

والرسول عليه السلام كان اشد الناس حياء كان عنده حياء جمّ لذلك يجب أن يكون الرسول أسوة نتأسى بها ، كيف كان يمشي ؟كيف كان يعامل النساء؟ كيف كان يتصرّف عندما يدخل على مجتمع فيه نساء ورجال ؟كل هذا يوضح لنا أنّ الحياء يمكن أن يكون اكتساباً كالإيمان.

 سؤال: " الإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه الناس" فما الذي يفعله الإنسان حتى يستحي من الله قبل أن يستحي من الناس؟

الدكتور محمد هداية:ليصل إلى ذلك عليه أن يضع الأمر كله على ميزان الله ورسوله وعلى ميزان الحديث الذي تفضلت به، يقول الرسول عليه السلام"البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه الناس" ومدلول هذا الحديث أنّ الحاجة التي تريد أن يطّلع عليها الناس تفعلها وأنت تشعر أنّها حلال لكن العمل الذي تحاول أن تخفيه فذاك هو الإثم ، فشتّان بين سارق يتخفى عن أعين الناس ومن هو في طريقه إلى صلاة الفجر . فإذا كان الإنسان يقدر أن يعرف إن كان يخشى الناس فالمولى سبحانه وتعالى أحق أن يخشاه ..

والحياء من الله أهم من الحياء من الناس ولو أننا ضبطنا الحياء من الله فان الحياء من الناس سيصبح شيئاً عادياً ولذلك يقال"من عرف الله خافه ومن خاف الله امتثل أوامره ومن امتثل أوامره اجتنب نواهيه " فمن كان خُلُقُهُ ذلك صار أحسن الناس ومن كان ذلك ذلك أَحبَّ لأخيه ما يحبه لنفسه ليكون أتقى الناس .

يحكى أنّ النعمان بن المنذر كان في طريقه إلى منزله فوجد تفاحة ملقاة على الأرض فأخذ منها قضمة واحدة لكن لأنّه عمل بما كنّا نتحدث عنه من وضع كل الأمور على ميزان الله ورسوله جال بخاطره أنّ ما قام به قد لا يرضي المولى جل وعلا .فطرق باب البستان فخرج له رجل فأخبره بما وقع له طالباً العفو والسماح فقال له الرجل إنّ صاحب البستان يسكن في مكان آخر ودلّه على الطريق وكان يسكن على بعد أميال فلمّا وصل إليه وأخبره بأمره تعجّب صاحب البستان وأيقن في نفسه أنْ ليس لهذا الرجل مثيلٌ وكانت له بنتٌ على درجة عاليةٍ من الحياء فقال له : أسامحك على شرْط أن تتزوج ابنتي فأجابه النعمان على الفور: أوافق إن كنت ستسامحني فقال: لكن عليك أن تَعْلَم أنّ ابنتي عمياء بكماء صماء مُقْعَدَة ٌفأجابه ثانيةً دون ترددٍ: أوافق. كتبوا العقد وصعد لِيَبْنِي بها ولمّا دخل الغرفة وكان يعلم حالها قال : السلام لله ،وإذا بها تردُّ عليه وتتحرك نحوه ممّا يدل على أنها كانت تسمع وتنظر وتمشي وتتكلم فقال لها ولكن أباك أخبرني عكس ما أرى وأسمع فقالت صدق أبي فأنا صمّاء عمّا يغضب الله، بكماء لا أتكلم إلاّ بما يرضي الله، عمياء لا أنظر إلى ما حرّم الله، مُقْعَدةٌ لا أتحرّك إلاّ في سبيل الله. وبنى بها وأنجبا الإمام أبي حنيفة النعمان.

وكما أنّ هذه القصة كان نتيجتها أبو حنيفة فالحكاية الثانية التي سأوردها كان نتيجتها الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهي حكاية ابنة بائعة اللبن

روى ابن زيد عن جد "أسلم" قال: بينما كنت مع عمر بن الخطاب - وهو يعّس بالمدينة - إذا هو قد أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل فإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى اللبن فامذقيه (أي اخلطيه) بالماء، فقالت لها ابنتها: يا أُمتاه، أما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم، ألا يُشاب اللبن بالماء، فقالت الأم: قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك في موضع لا يراك فيه عمر ولا منادي عمر، فقالت البنت لأمها: والله ما كنت لأطيعه علانية وأعصيه سراً، وكان أمير المؤمنين - في استناده إلى الجدار - يسمع هذا الحوار فالتفت إليّ يقول: يا أسلم، ضع على هذا الباب علامة، ثم مضى أمير المؤمنين في عسه، فلما أصبح، ناداني: يا أسلم إمض إلى البيت الذي وضعت عليه العلامة، فانظر من القائلة، ومن المقول لها؟ انظر هل لهما من رجل؟ يقول أسلم: فمضيت، فأتيت الموضع فإذا ابنة لا زوج لها، وهي تقيم مع أمها وليس معهما رجل، فرجعت إلى أمير المؤمنين عمر فأخبرته الخبر، فدعا إليه أولاده، فجمعهم حوله ثم قال لهم: هل منكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه؟ لو كان بأبيكم حركة إلى النساء، ما سبقه أحد منكم إلى الزواج بهذه المرأة التي أُعرف نبأها، والتي أحب لأحدكم أن يتزوجها. فقال عاصم يا أبتاه تعلم أن ليس لي زوجة فأنا أحق بزواجها، فبعث أمير المؤمنين من يخطب بنت بائعة اللبن لابن أمير المؤمنين عاصم، فزوجه بها، فولدت له بنتاً تزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له خامس الخلفاء الراشدين الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليهم أجمعين.

 

سؤال: هل الحياء صفة للمخلوقات فقط أم إنّها صفة للخالق جل وعلا ، ألم يقل الرسول عليه السلام " إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً"؟ 

الدكتور محمد هداية:إن الله لا يستحي هنا بمعنى يستبقي فهو قادرٌ على أن لا يردّ يد الداعي خائبةً وهذا ليس الحياء بالمفهوم الذي نتحدث عنه لأنّ المولى سبحانه ليس كمثله شيء .والقرآن واضح في هذه المسألة  (إنّ الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) الحياء خلق يمنع صاحبه أن يضع نفسه في الخجل لكن بالنسبة للمولى سبحانه هو بمعنى لا يرضى . ومن تعاريف أهل اللغة في الحياء انه الإحتشام أو إنّه التوبة والحشمة فإذا أخذنا كلمة التوبة نسأل التوبة لمن؟ هي لله بدليل قوله ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) فالتوبة في مرجوعها لله لذلك فمعنى لا يستحي أي لا يرضى أن يرد يد الداعي خائبة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل