زكّ صيامك - الحلقة الأولى

زكِّ صيامك

الدكتور محمد هداية (الحلقات 1-20)

(حازم أبو اسماعيل (الحلقات 21-29)

رمضان 1427 هـ

 

الحلقة 1:

الرحمة كلمة واسعة المعنى يفرح بها المؤمن المتقي المحسن. الرحمة في اللغة هي الرقّة والتعطّف والمغفرة. والمغفرة كلمة تعني أموراً كثيرة ولذلك إذا تدبرت القرآن بعناية تجد أن الله سبحانه وتعالى كتب على نفسه الرحمة ومن أسمائه الرحمن الرحيم. هذه الأسماء والصفات إذا تدبرها العبد الصالح أفاد منها وعمل بها. واسمعوا كيف بدأت الكلمة؟ ماذا صنع تعالى ساعة خلق الخلق؟ اسمعوا نبيّ الرحمة r يعلمنا أن الله تبارك وتعالى لما خلق الخلق كتب في كتاب عنده فوق العرش: " إن رحمتي تغلب غضبي" وفي رواية (سبقت) وفي رواية أخرى (غلبت). وأنا أميل إلى صيغة (تغلب غضبي) لأن استخدام صيغة المضارع يدل على الحال والاستقبال وله صفة الدوام. إذا سمع العبد هذا الحديث وتدبر ما في القرآن من معاني عليه أن يعمل لينال من هذه الرحمة وأن يكون من بين من يصيب الله تبارك وتعالى عباده بها. هذا قضاء الله تبارك وتعالى أن يكتب الرحمة لعباده.

(إن رحمتي تغلب غضبي) تعني أنه قد يصنع العبد أمراً يُغضب الله تبارك وتعالى لكن رحمته تغلب هذا الغضب. ثم علينا أن نتدبر ساعة يعصي الإنسان ربه فالله تبارك وتعالى له أن يغضب وله أن يرحم لكن الرحمة تغلب الغضب. وإذا سمعنا قوله تعالى (كتب على نفسه الرحمة) إذن الرحمة دائماً سابقة على الغضب. ومن هنا علينا أن نتدبر حديثاً قدسياً جليلاً جاء به محمد r ليشرح لنا الأمر برمّته. الواحد منا في دنياه بين العمل الصالح والمعصية، بين التراخي والتوبة والاستغفار وسؤال الله تعالى الهداية. توجيهات الله تبارك وتعالى للملائكة حتى نتبين صدق هذا الكلام وحقيقة (رحمتي تغلب غضبي). الحديث القدسي هو: " إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإذا أراد عبدي أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف: وفي بعض الروايات "إلى أضعاف كثيرة" (أخرجه البخاري).

إذا همّ عبدي بسيئة لا تكتب فأنت قد تعقد العزم على ارتكاب سيئة ولكن توجيهات الله تبارك وتعالى أن لا تكتب الملائكة السيئة، في هذا الانتظار قد يعود العبد عن السيئة مخافة ربه فتكتب له حسنة وإن عملها تكتب سيئة واحدة، فانظروا إلى الرحمة الواسعة.

 

في المقابل إن همّ عبدي بحسنة فاكتبوها حسنة فإن عملها تكتب عشر حسنات إلى 700 ضعف والفرق بين العشرة والـ 700 كبير وهذا يعتمد على نيّتك بهذه الحسنة وكيفية عمل الحسنة ولا ينته الأمر عند ذلك فصاحب السيئة الذي عملها وكُتبت عليه سيئة إذا تاب إلى الله تعالى تقبّل الله توبته ولا يغفرها له فقط – أي يسترها – وإنما يبدلها حسنات بدليل قوله تعالى (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) الفرقان). فأسأله تعالى أن يعمّنا برحمته الواسعة وأن يكتبنا في عباده الصالحين المتقين اللهم آمين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل