الدين القيم - الحلقة 5

الدين القيم - د. محمد هداية

الحلقة الخامسة:

 ما زلنا مع حديث رسول الله r الذي أنزل فيه تعالى جبريل uليعلم الأمة دينها. هذا الحديث نوقع فيه أصول العقيدة التي يجب أن ترسخ في القلوب حتى يصح إسلامنا على مراد الله فينا. وصلنا في الحديث من الإسلام تعريفاً إلى الإيمان إلى الإحسان ثم سأل جبريل الرسول r متى تقوم الساعة أو أخبرني عن الساعة فقال r ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. هذا الكلام يحتاج إلى وقفات فيما يحدث هذه الأيام من خروج بعض الناس علينا بكلمات يجب أن يتأبى عليها العقل السليم من كتب تحدد يوم القيامة أو تحدد الساعة هذه الكتب وصلت إلينا وحاولنا أن نرفض هذا الكلام لكن للأسف تجد أن بعض الناس يقولون ستقوم القيامة الآن وينتظرونها وهذه عقيدة فاسدة لأن المسلم الحق الذي يسمع هذا بعد أن استقر في قلبه قوله تعالى (إن الله عنده علم الساعة) يرفض هذا الكلام ويستمر في عمله رافضاً هذا الكلام ولا يلتفت إلى هذا الكلام ولا يناقشه. لما يقول r ما المسؤول عنها أي محمد r بأعلم من السائل وهو جبريل u مع أنه جاء في ثياب بشر وفي نهاية الحديث نعرف أنه جبريل. وأنت تناقش هذا الحديث جبريل لم يأت به من تلقاء نفسه هذا يستحيل على الملائكة لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ولكن الملائكة تنفذ أوامر الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم فالذي أرسله هو الله تبارك وتعالى ومراد الله تعالى في هذا الحديث بيّن لا يحتاج إلى شرح والمسلم الواعي يفهم أن الحديث يعلمنا أن الساعة أمر ينتهي علمه إلى الله تبارك وتعالى على أن في الحديث جملة أخذها الناس - كدأب البعض - وأوّلوها وعملوا منها قصص وكتب وأحاديث وروايات. الرسول r قال "ما المسوؤل عنها بأعلم من السائل ولكني سأحدثك عن أشراطها" وللأسف أخذ الناس هذه الكلمة (أشراطها) وعملوا الكتب وسموها علامات الساعة الرسول r ما قال علامات وإنما قال أشراطها والساعة ليس لها علامات وإنما لها أشراط والذي يجب أن نفهمه نحن كمسلمين لله تعالى منذ عهد رسول الله r والقرآن ينزل عليه قال تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) اقتربت فعل ماضي واقتربت الساعة منذ 14 قرناً وساعة تحدث رسول الله r إلى جبريل قال سأحدثك عن أشراطها وهذه الأشراط التي ذكرها الرسول r لم تتعلق بمجموعة من المسلمين بعينهم ولا ببلد بعينه. قال r: إذا رأيت المرأة تلد ربّها (هذه إحدى روايات الحديث والتي أطمئن إليها في توقيع المعنى العام) فذاك من أشراطها وإذا رأيت الحفاة العراة ملوك الأرض فذاك من أشراطها وإذا رأيت البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها في خمس من الغيب وتلا r (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان). إذا عدنا إلى صحيح ما قاله rقال ساعة سأله جبريل r عن الساعة لننظر للسؤال وللإجابة: "فأخبرني عن الساعة" وفي رواية أخرجها الإمام مسلم قال "متى تقوم الساعة؟"هذا السؤال وإجابة الرسول: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل يعني يوم الدين لا يستطيع مخلوق أن يتكلم فيه لكن سأحدثك عن أشراطها وهي ليست علامات صغرى وكبرى، ما قاله الرسول r في هذا الحديث يتوافر في كل زمان: إذا رأيت المرأة تلد ربها فذاك من أشراطها، إذا رأيت رعاة الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها، إذا رأيت رعاة البهم يتطاولون في البنيان فذلك من أشراطها. إذا رأينا إحدى الدول العربية تأخذ مبانيها بالارتفاع فهذه ليست من علامات الساعة والمسلم الحق يجب أن يفرح بالتطور ويشجع عليه ويجب تهنئة هذه الدولة للتقدم الذي يحدث فيها أما نقول أن هذه الدولة من أشراط الساعة فهذا كلام غير صحيح ويثبت أننا لم نفهم الحديث. القرآن الكريم والحديث الشريف لا يفهم أحياناً بمعناه ولا بلازم معناه وإنما يفهم بالمراد منه وليس بمعناه أو لازم معناه. الرسول r يقول إذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم وهذه إشارة إلى من كفر بالله تبارك وتعالى فهو ليس أصم الأذن وإنما أصم القلب وليس أعمى العين وإنما أعمى البصيرة. معنى الحديث اختلال الأمور وخروج الأمور عن إلف عادتها فمن أشراط الساعة لا من علاماتها أن يختل الأمر وهذا نجده في كل زمان وفي مكان واختلال الأمر يزداد من سيء إلى أسوأ أما إذا أخذ المسلمون التطور ومساواتهم بالغرب فهذا فخر للإسلام وللمسلمين وهذا يقع تحت قوله تعالى (علم الإنسان ما لم يعلم). أشراط الساعة تصلح لكل زمان ومكان لكنها إن استمرت فترة من الوقت فذاك يدل لا على قرب الساعة فأنتظرها وأتوقف عن العمل وإنما على أنه يجب تغيير الأمر وهذا هو هدف الرسول r من هذا الكلام. هل معنى كلام الرسول أن المرأة تلد ربها علي أن أقف وأنتظر الساعة؟ كلا وإنما أغير الأمر لدرجة أنه من كان بيده فسيل وقامت الساعة فليغرسها لأن الإسلام كدين وديانة يحثنا على العمل (وقل اعملوا) اعملوا هنا كلمة تفهم بمعناها ولازم معناها والمراد من معناها: وقل اعملوا أي أن هذا الدين يحث على هذا العمل وقل اعملوا من لازم المعنى أي احسنوا العمل وقل اعملوا من المراج أي أن تتم العمل على مراد الله فيه فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون في الدنيا والآخرة. أشراط الساعة يجب أن نفهمها على مراد الله ورسوله فيها. معنى قول الرسول أنه إذا رأيت المسألة فيها اختلال فعليك أن تستعد للساعة وتسعى لتحسين الأمر وعندما سئل الرسول r من أحد الناس في موضع آخر عن الساعة فأجاب r: فماذا أعددت لها؟ عندنا إجابتين عن الساعة أن علمها عند الله والذي يجب أن تعرفه عن الساعة هو أن تعد نفسك لها ولذلك لم يقل r للسائل استعد لها وإنما رد على السؤال بسؤال وهذا من بلاغة العرب إذا سئلوا في موضوع يصعب تلقيه يردوا على السؤال بسؤال مثله ولما سئل الرسول r عن الساعة رد الرسول r على السائل: ماذا أعددت لها؟ فالذي يجب عليك في الساعة أن تستعد لها بكثير عمل، بإتقان عمل، بإخلاص، بصلاة، بقيام الليل، بالنوافل. شاهِدنا في الحديث أن الرسول r يقول "فذاك من أشراطها" ثم يعلمنا قاعدة في أصل الاعتقاد وهي الأمور الغيبية، العقيدة أمور غيبية يستقر في وجدانك الإيمان بها دون تفكير فما اعتقده القلب يجب أن لا يتغير. العقيدة معانيها تدور حول الاستيثاق واللزوم والتأكيد لا تتغير العمل قد ينقص ويزيد لكن العقيدة ثابتة وبهذه الحال يسهل الإصلاح لكن لو العقيدة تتغير فهذا هو الخلل وهذا هو الأمر الذي لا نريده للإسلام المسلمين. من ثم قول الرسول r "فذاك من أشراطها في خمس من الغيب" هذه جملة بليغة جداً يعلمها رسول الله r الغيبيات الخمس التي جاءت قرآن الله تبارك وتعالى لتثبت أصل الاعتقاد. فإذا كان آية (آمن الرسول بما أنزل إليه) تؤصل الاعتقاد فهذه الآية تثبت الاعتقاد. (إن الله عنده علم الساعة) هذه الجملة في هذه الآية تحتاج لوقفة فهل الله تعالى عنده علم الساعة فقط. أو هذا تخصيص غير محدود؟ هو تخصيص غير محدود، أي عنده علم الساعة وحده سبحانه وتعالى. (وينزل الغيث) وحده (وما تدري نفس بأي أرض). (إن الله عنده علم الساعة) أي الساعة علمها عند الله تعالى وحده لا شريك له يستطيع مخلوق لله أن يعلمها بدليل إجابة الرسول r على جبريل الملك وهو يسأل عنها"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" فإذا كان هذا حال النبي r وحال جبريل u فما بالك بحال البشر؟! الرسول r بشر لكنه يوحى إليه. (وينزل الغيث) أي المطر هو سبحانه وحده الذي عنده علم نزول المطر أي وقته وطريقته حتى الذين عملوا المطر الصناعي ذهبوا إلى القرآن وعلموا الطريقة التي رسمها الله تعالى في قرآنه وأخذوا طريقة نزول المطر لكن الله تعالى ينزل الغيث وحده. (ويعلم ما في الأرحام) وهنا وقفة مع أولئك الذين قالوا نحن نعلم ما في الأرحام بجهاز السونار فنعرف الجنين في بطن الأم والإسلام ليس ضد الطب ولا ضد العلم وهناك فرق كبير بين ما يفعله الأطباء وبين ما قاله الله تبارك وتعالى (ويعلم ما في الأرحام) الأطباء يعرفون من في الأرحام لأنهم يقولون الجنين ذكر أو أنثى فقط وقد يصدق وقد لا يصدق فإذن صدقت فهم علموا من في بطن الأم لكن الآية تتكلم عما هو أشمل من هذا هو يعلم ما في الأرحام وهناك فرق بين (ما في الأرحام) و(من في الأرحام) ونتحدى أي شخص يمكنه أن يعرف رزق الجنين وعمله ثم شقي أو سعيد هذا كلام لا يقبل الجدل والحديث واضح أن الملك يرسل ويكتب رزق الجنين وشقي أو سعيد وعمره، كلام واضح. المسألة فيمن يحاولون أن يشوهوا حقيقة هذا الدين نقف لهم بالمرصاد نقول أنتم تعلمون من في الأرحام عملاً بقوله تعالى (علم الإنسان ما لم يعلم). (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) وليس الرزق رزق مادي فقط وإنما بشمول المادة (وما تدري نفس بأي أرض تموت) لا يمكن لك أن تحدد أنت الأرض التي تموت فيها أو الساعة التي تموت فيها ولا تحدد رزقك لا من حيث المال ولا من حيث السيئات والحسنات لأن الله تعالى ينتهي إليه علم كل شيء.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل