الدين القيم - الحلقة 8

الدين القيم - د. محمد هداية

الحلقة الثامنة:

تناولنا في الحلقات السابقة الآية التي اعتبرناها المحورية في حديثنا عن الدين القيم وقلنا أنها تتمحور على آية قبلها وآية بعدها (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) الروم) هذه الآية المحورية محور كل الحلقات تتمحور على الآية السابقة عليها (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29)) هذه آية تعتبر توصيفاً للداء الذي أصاب كل من ابتعد عن الدين الحق، ثم تتمحور على آية لاحقة عليها وهي قول الله تعالى (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)) هذه الآية تعتبر يمثابة وصف الدواء لهذا الداء الذي (بل اتبع الذين ظلموا) وقلنا أن قول الله تعالى (فأقم وجهك للدين) قلنا أن دين الله من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة هو الإسلام وهو شرع كل الديانات التي تتابعت من عهد آدم إلى محمد r وقلنا أن الدين واحد لأن الله واحد. وأوضحنا أن الله تبارك وتعالى لم يناقش أياً من الأمم السابقة في مسألة وحدة الدين بل ناقش فيها أمة محمد r (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) أي ما أوحينا به إليك يا محمد وقلنا أن الدين مقابل ما وصينا به نوحا وابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين لم يقل أقيموا الأديان، الخمسة أولو العزم طلب الله تعالى منهم وبالتالي من أممهم إقامة دين واحد فقط. لسائل أن يسأل لو لم يتفرقوا في الدين فما الاختلاف بين الاسلام واليهودية والنصرانية؟ قلنا أن هذه ديانات تقوم على دين واحد وتختلف في الشرعة والمنهاج (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) إذن الذي يختلف هو الشرعة والمنهاج (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) يعني الدين واحد تقام عليه جميع الديانات لكن هذه الديانات تختلف في مسألة الشرعة والمنهاج. (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) إذن نحن لسنا أمة واحدة، اليهودية، النصرانية والاسلام. الشرعة هي الشريعة تختلف من ديانة إلى أخرى والمنهاج هو الطريق الواضح البيّن في الدين فالمنهاج لكل أمة يأخذها على دين واحد (إن الدين عند الله الإسلام) وهو قوله الله تعالى (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه) فالدين هو الذي يقيم الله تعالى به وعليه الشرائع المتعددة فالدين واحد لأن الله واحد وقوله تعالى (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (ولكن) يعني أي ولكن خلقكم أكثر من أمة ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إذن الأمم تستبق الخيرات في شرعتها ومنهاجها لكن على دين واحد. الذي يشهد أن لا إله إلا الله هذا هو الذي أقام الدين من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة. لذلك الآية المحورية (فأقم وجهك للدين حنيفاً) إذن من يأتي من الأمم عليه أن يقيم وجهه أي يسلمه بدين واحد بشرعته ومنهاجه. لو تدبرنا الأمر في مسألة الوحدانية لله وللدين نجد أن الله تعالى يقول (إن الدين عند الله الإسلام) ونجد قوله تعالى (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه) نحن نشهد على ما شهد به الله تعالى (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هذا قرآن، هذا شرع الله تبارك وتعالى الذي شهد في بداية الخلق بوحدانيته هو الله تبارك وتعالى. شهد الله قبل أن تشهد أنت فشهادتك من باطن شهادة الله تبارك وتعالى، والملائكة شهدت كذلك وأولو العلم في كل أمة على كل شرعة وبكل منهاج شهدوا ومن ثم فحينما تشهد أنت "أشهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله" قالها قبلك من شهد لا إله إلا الله وأن عيسى رسول الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن موسى رسول الله وابراهيم ونوح إلى آدم u. يجب أن نفهم مسألة الوحدانية والأُحادية لأن هناك لبس والتباس في التوحيد من حيث الوحدانية والأحادية. عندنا سورة سماها الله تعالى سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) لم يقل واحد ذلك أن من شهد بوحدانية الله تعالى ظن أنه يستطيع من خلال هذا التوحيد الذي هو على الواحدية أن يدّعب أن هذا الإله الواحد قد رُكّب مركب من ثلاثة مثلاً هذا التركيب أخطأ من اعتقده خطأ فادحاً لأنه يقول كلاماً مردود عليه بمنطق العقل المجرد فإذا قلت هذا الكلام فأنت مخطيء في اعتقادك بألوهية هذا الإله الواحد المركب فالذي ركب أولى بالعبودية لأنه هو الذي أوجد لكننا نعبد الله الواحد الأحد لأن الواحد قد يُظن أن يكون معه أحد أما الأحد لا يوجد معه إله ولا يوجد له مركِّب.

 

(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) آل عمران) آية تقام بها وعليها شهادة التوحيد ومسألة التوحيد التبس فيها الأمر بتركيب الإله وقلنا أنه من قال أن الإله قد رُكّب أخطأ الاعتقاد لأنه كان من باب أولى أن يعبد الذي ركّب فالإله لا يركب وإنما لا بد أن يكون الفاعل المطلق لمسألة الإيجاد ومسألة الوجود. وفي مسألة الوجود نجد من يقول أن الله موجود وهذه تحتاج لتدبر لأنه لو قلت أن الله موجود فهناك من أوجده وهذا الذي أوجده أولى بالعبادة لكن هذا يريد أن يقول أن الله واجب الوجود فوجود الله تعالى يختلف عن وجودة ووجودك فهو سبحانه واجب الوجود وكثيراً ما نسمع من الموحدين القانتين خطأ في التعبير أن الله موجود (موجود إسم مفعول من الذي أوجد؟) الله تعالى وجوده بذاته سبحانه أما وجودي أنا فعن طريق موجِد فالله تبارك وتعالى هو الذي خلقنا جميعاً وجودي بفعل الله تعالى أما وجوده تعالى فبذاته لأنه صاحب الوجود في ذاته ومن ثم علينا أن نطلق هذا التعبير بدل التعبير الذي أخطأ في التعبير والتوصيف والتوقيع والفهم وعلينا أن نقول أنه تعالى واجب الوجود. فلما كان سبحانه واجب الوجود شهد هو بوحدانيته وأحاديته قبل أن يطالبنا بذلك. لهذا هذه الآية يقوم عليها الدين الحق (شهد الله) التوقيع والتعبير القرآني (شهد الله أنه لا إله إلا هو) ثم شهدت الملائكة بهذه الشهادة التي شهدها الله تعالى، وأولو العلم أي أصحاب التدبر والتعقل والإيمان وذكرنا سابقاً درجات الإدراك وقلنا أي قضية تحتاج أربع درجات في علمها واستبعدنا الجهل أنه ليس في مسألة العلم وإنما نضعه في التدبر. عندما يقول تعالى أولو العلم إذن قلنا العلم والشك والظن والوهم درجات الإدراك وقلنا العلم إدراك اليقين، الشك هو تساوي العلم والجهل، الظن إدراك الطرف الراجح، الوهم إدراك الطرف المرجوح. أولو العلم أي أصحاب اليقين في الله الذين أدركوا حقيقة هذا الإله الحق فسلموا وشهدوا. أثبت الله تعالى أنهم أولو العلم وفي بعض الآيات أطلق الله تعالى عليهم نسبة الظن في إدراكهم لقضية على وجهها الصحيح (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه) هذا الذي تناول الكتاب بيمينه يوم القيامة هو باليقين قد أدرك الحقيقة في الإيمان بالله تعالى فلماذا لم يقل إني علمت أني ملاق حسابيه؟ هو علم لكنه لم يقل إني علمت أني ملاق حسابيه هو مع أنه علم وأدرك لا يستطيع في حضرة علام الغيوب أن يقول علمت فاختار الله تعالى أقرب نسبة من نسب الإدراك للعلم فالظن هنا إدراك اليقين في العلم فقال إني ظننت أني ملاق حسابيه وهناك آيات كثيرة فيها الظن بمعنى العلم. لذلك شهد الله أنه لا إله هو والملائكة وأولو العلم أي من الأمم كلها من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم هذا هو مضمون الشهادة. (والملائكة وأولو العلم) جملة اعتراضية و(قائماً بالقسط) مضافة على الشهادة والله تعالى أدخل من شهد له من خلقه وهم أصحاب التمييز أصحاب العقول وأصحاب التدبر (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) هذه آية يعلن فيها الله تعالى مسألة إطلاق شهادة التوحيد المطالب بها كل من خُلٌِ لله تبراك وتعالى وله العقل الذي يميز فقال (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأول العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ثم (إن الدين عند الله الإسلام) كأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى رسول الله وأن ابراهيم رسول الله وأن نوحاً رسول الله إلى آدم شهادة تقوم على دين واحد (إن الدين عند الله الإسلام) مسألة لا يمكن أن تناقش وهي وحدانية الله ووحدانية الدين، وحدانية الله على أحاديته ووحدانية الدين الدين واحد تتعدد عليه الديانات والأمم (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) لكل جعلنا شريعة وطريق واضح هو هذا الدين الذي هو الإسلام. وفي نفس السورة (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه) أسأل الله تعالى أن نكون من الموحدين بحق العارفين له بصدق الشاهدين له ولكل أنبيائه ورسله وعلى رأسهم محمد r



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل