الدين القيم - الحلقة 11

الدين القيم - د. محمد هداية

الحلقة 11:

(إن الدين عند الله الإسلام) قاعدة قرآنية يدور حولها القرآن ويدور حولها الدين القيّم بكل ما في الآيات من معاني (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آيات تُجمِع على أن من أسلم لله تبارك وتعالى فله الجنة ومن اتّبع الأهواء والبِدع والأفكار الساذجة التي لا يمكن أن يقرها عقل مسلم لله تبارك وتعالى فهو في الآخرة من الخاسرين. (ومن يبتغ) أي يريد يبحث يتخذ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. عشنا مع آية سورة الروم (وله من في السموات والأرض كل له قانتون) ووقعناها بآيات كثيرة في القرآن ووقعناها بقوله تعالى (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) بعد أن سأل تعالى (أفغير دين الله يبغون) وقلنا قانتون أي خاضعون إما بإرادتهم وإما رغماً عنه. ثم يقول تعالى توصيفاً وتعريفاً لله تبارك وتعالى يعني هذا الإله الذي يخضع له الكل بإرادتهم أو رغماً عنهم (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) آية تالية لآية الخضوع التي في سورة الروم التي فيها (فأقم وجهك للدين القيم) الآية المحورية. يقول تعالى في هذه الآية (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) فهل في القضية (قضية الخلق) الله تعالى أثبت الخلق لنفسه ولغيره من خلقه، الله يخلق وأن وأنت لنا خلق، يجب أن نفهم القرآن ونفهم الاشتراك اللفظي لبعض الكلمات، عندما نقول خلق ينصرف الذهن لله تبارك وتعالى وهذا حق لكن ساعة نسمع (فتبارك الله أحسن الخالقين) كلمة أحسن الخالقين إذن يوجد خالقون، الله يخلق وخلقه يخلق فهل هذا الخلق كذاك؟ عند هذه النقطة سنسمع من يقول أن الله يخلق من عدم هذه كلمة غير منضبطة لأنه لما نقول الله فلا عدم وهو واجب الوجود لكن أنت تقصد أنه يخلق سبحانه وتعالى من لا شيء في الوجود فإذا تجبرنا كلمة العدم فأي عدم والله يقول (وبدأ خلق الإنسان من طين) الطين ليس عدماً وإنما شيء لكنه ليس آدم وسيتحول بعد ذلك إلى آدم. إذا كانت كلمة الله فلا عدم، الله إذا ذُكر فالوجود كله لله تبارك وتعالى. ولنسمع قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) كلمة يقول له تعني أن الشيء موجود هو ليس موجوداً بالنسبة لإدراكنا نحن (كلمة يكون أي يظهره له) فالشيء أساساً موجود لأن إرادة الله تعالى أزلية وساعة خلق الله تعالى آدم خلقه من لا شيء في الكمال الخلقي لكن الطين موجود لأنه تعالى خلق الطين قبل أن يوجِد آدم، الله واجب الوجود. (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) فهل في قضية الخلق إذا كانت لله تبارك وتعالى مسألة أهون هي على مفهومها الحقيقة أو مفهومنا نحن؟ الله تعالى يعرض آياته على مفهومنا نحن لأن السائد عند الناس أن الإعادة أسهل من الإيجاد لأول مرة هذا بالمنطق البشري، لكن بمنطق القرآن المنطق الحق إياك أن تدير فهمك عن الله قياساً بفهمك على نفسك. إذا كانت هناك صفة تطلق لله تبارك وتعالى ونفس الصفة تطلق لنا نحن البشر فهل تقاس الصفة في حق الله بمقياسها في حق البشر؟ يستحيل أن يكون مفهوم الصفة في حق الله بمقياسها في حق البشر، أنت تسمع والله يرى وأنت ترى والله يرى والقرآن وصف الله تعالى بالسمع والرؤية لكن هل سمع الله تبارك وتعالى كسمعي؟ حاشاه! هذا مستحيل. هذه المسألأة تظهر ونضرب لها مثالين: في وقعة الإسراء والعروج والله تعالى يعرض قضية الإسراء لأنه منذ حدثت هذه الواقعة حتى الآن نجادل فيها وبعض الناس لا يتخيلها والله تبارك وتعالى في التوقيع القرآني لهذه الحادثة الإسراء عبّر بمدلول في منتهى الإبداع اللغوي، عندنا في القرآن سبح باسم ربك الأعلى، يسبح لله ما في السموات، لكن في الإسراء استخدم المصدر (سبحان الذي أسرى) كأني بالله تعالى في مطلع سورة الإسراء يقول لن يستطيع مخلوق لله تبارك وتعالى أن يسبح الله تعالى في هذه الواقعة أة الحادثة فسبح هو نفسه فقال (سبحان الذي أسرى)، أنت لن تستطيع أن تسبحه في هذه الحادثة لأن عقلك لا يستوعبها فسبح تعالى نفسه فقال (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) تمت هذه الواقعة لنريه من آياتنا (لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) أثبت لنفسه السمع والبصر كما أثبت لك السمع والبصر فهل سمعنا نحن كسمع الله تبارك وتعالى؟ استحالة أن تستوي هذه الفصة ساعة تكون في حق الله بالصفة التي في حقنا.

 

قلنا أنه يستحيل أن تستوي الصفة التي هي لله مع صفة هي لنا في المعنى، فالسمع أثبته تعالى لذاته ولنا. في سورة المجادلة (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتستكي إلى الله والله يسمع تحاوركما) السيدة عائشة تشرح لنا اختلاف معنى السمع في حق الله عن معنى اسلمع في حقنا لأنها حضرت وقعة المجادلة، خولة بنت ثعلبة جاءت إلى رسول الله r تشتكي زوجها أوس بن الصامت الذي طلب أن يجامعها قبل أذان العصر فقالت له انتظر حتى نصلي العصر فانفعل عليها وقال لها أنت عليّ كظهر أمي، أذّن العصر فصلّت المرأة وطلبها زوجها فقالت قد ظاهرت مني فذهبت إلى رسول الله r فقالت له ما حدث بينها وبين زوجها فقال r ما أراك إلا قد حرُمت عليه، الظهار يحرم المرأة على زوجها حت تلك اللحظة، والرسول r ما عنده تشريع، فتقول المرأة مبررات العودة إن لي منه أولاداً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا فقال r ما أراك إلا قد حرمت عليه، فالتفتت المرأة فشكت إلى الله تعالى حاجتها فأنزل الله تعالى قرآنا يحتوي تشريعاً ويعدّل التشريع القائم في مسألة الظهار. لما سمعت عائشة قول الحق قالت تبارك سمع الله والله لقد كنت بجوار رسول الله r والمرأة تشتكي لرسول الله ما سمعتها ماذا تقول لمحمد r وسمعها الله من فوق السبع الطباق، إذن شتان في توقيع معنى الصفة إذا كانت لله تعالى ولنا. إذا استمعت لقول الله تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) إياك أن تفهم أن مسألة أهون بقياسها على قدرة الله وإنما هي بقياسها على مفهومنا نحن والله تعالى يقرّب المعنى ويقرّب الفهم للأذهان فيقول بمنطقكم أنتم أيهما أهون إعادة الخلق أم بدايته؟ أنت اقتنعت سواء آمنت بالله تبارك وتعالى وأسلمت له إسلام الطوع أو أسلمت له دون إيمان إسلام الكره الاثنان لم يتسرب إليهم الشك في قضية الخلق لأن خلق الإنسان وخلق السموات وخلق الأرض لم يدّعي أحد أنه فعلها فأنت سلّمت بالخلق الأول لكن العجيب أن الكل إما يجادل في البعث وإما يتناسى البعث. الذي يأتي المعاصي لم يستحضر الحساب ولم يستحضر الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى وأغلب أهل العلم قالوا إذا استحضر الإنسان ساعة الحساب أو ساعة لقاء الله لا يُقدِم على المعصية لكن المشكلة أن الشيطان ينجح في أن ينسيك (مالك يوم الدين) التي نقرأها في اليوم 17 مرة في الفرائض فقط دون النوافل لكن ساعة يأتي المعصية استحالة أن يكون استحضرها أو وقّعها في قلبه، هذا الذي يأتي المعاصي أياً كانت لو استحضر العقوبة لا يمكن أبداً أن يكون استحضر العقوبة لأنه لو استحضر العقوبة لم يقع في المعصية لكن الكل ينسى العقوبة فيقع في المعصية بدليل أنه ساعة يقع في المعصية ينزع إلى التوبة وهذا هو سر الآية المحورية التي معنا والتي تليها (فأقم وجهك للدين حنيفاً) (منيبين إليه) الإنابة حالة أرادها الله تبارك وتعالى وقلنا أناب من ناب أي إقطع كل الطرق التي هي ما عدا طريقك لله تبارك وتعالى، فالتوبة رجوع إلى الله فابق في معيته أنت في معية الله أي مستحضر عظمة الله تبارك وتعالى وأنه الحق وأنه الخالق وأن إليه المصير والمرجع الوقوف بين يديه يوم الحساب وسمي يوم الدين لأنه يوم الحساب والجزاء على ما اعتقدت من دين فإذا اعتقدت الدين القيم فبها ونعمة وإلا (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) فيجب أن نتدبر الآيات على مراد الله تعالى فيها وعلى معان أرادها الحق تبارك وتعالى وعش الآيات حتى تفهم (وله من في السموات والأرض) (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً) (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) ليست أسهل من حيث قدرة الله وإنما من حيث فهمنا نحن عن القدرة لا من حيث قدرة الله المطلقة. (ثم يعيده) كما بدأه (كما بدأنا أول خلق نعيده) (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) في سورة الروم الآية 11 توقع نفس التوقيع لكن بإظهار إسم الجلالة. هنا قال (وهو) فإذا قال (وهو) كأني بالله يقول إذا قال الله (وهو) فلا يجب أن يأتي في ذهنك غير الله. (اللهُ يبدأ الخلق ثم يعيده وإليه ترجعون (11) الروم) الله تبارك وتعالى هو الذي خلقك لم يشك فيها أحد لأنه لم يدعها أحد لكن الناس إما أن استحضرتها أو لم يلتفتوا إليها، الله الذي خلقني لن يتركني هملاً وإنما يحاسبني إذن يجب أن يكون هناك منهج لافعل ولا تفعل إذن أمشي على هذا المنهج حتى أقف بين يدي الله تعالى في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ثم (وهو أهون عليه) ثم (وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) أسأله تعالى أن يعلمنا القرآن وأن يفقهنا فيه ويجعلنا من أولئك الذين يتدبرون القرآن آناء الليل وأطراف النهار وأن يجعلنا من الذين يستمعون إلى القول فيتبعون أحسنه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل