الدين القيم - 12

الدين القيم - د. محمد هداية

الحلقة 12:

 الركن الأول من أركان العقيدة الإسلامية معرفة الله تبارك وتعالى أن يعتقد الإنسان في كنه الإله الحق وأن يعلم من هو الله سبحانه وتعالى. إن شئت فقل عن هذه النقطة هي الحقيقة الأولى في أصول الاعتقاد الصحيح ولو تذكرنا ما أصلنا به أصول الاعتقاد ما ذكره تعالى في خواتيم سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)) فأول درجات الإيمان أو أول نقطة في صحيح الإيمان أن تؤمن بالله هذه آية بنى عليها رسول الله r ما ذكره لجبريل ساعة أرسله الله تعالى ليعلم المسلمين الدين وسأله عن الإيمان والتقوى والإحسان، فلما سأله عن الإيمان معتقداً بما في أواخر سورة البقرة قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره  وشره، إذن هذا الحديث مع هذه الآية يوضح كيف نبني اعتقادنا على صحيح القرآن وعلى صحيح الحديث. الحديث الذي ذكره الرسول r بناه على الآية فمعرفة الله تبارك وتعالى الحقيقة الأولى أو النقطة الأولى في أركان العقيدة وفي اعتقاد المسلم الحق في هذا الدين القيم، معرفة الله تبارك وتعالى. الذي يجب أن نوضحه أن هذه المعرفة (معرفة الله) كلمة معرفة تُبنى على نوعين من المعارف معرفة دينية ومعرفة عقلية المعرفة الدينية تأتي بأن يهدي الله تبارك وتعالى صاحب هذا التفكير إلى أن يعرف هو بذاته الله تبارك وتعالى والمعرفة العقلية أن ينزل الله تعالى منهجاً على كل أمة يعرّفهم بذاته. لكن لو تدبرنا الأمر بتعقل المعرفة أو الهداية العقلية تسبق المعرفة أو الهداية الدينية يجب أن يكون العقل مستعداً للتلقي. الله تعالى أنزل القرآن بجميع الآيات والأحداث حتى نعلم كيف نتصرف وكيف نعيش، إبراهيم u له تجربة واعية صادقة في مسألة البحث عن الإله الحق، في مسألة إعمال العقل في رفض أن يكون الإله صنماً هذه مسألة عقلية مرفوضة عند أهل الوعي وأهل التدبر ولذلك إبراهيم u ساعة تدبر ونظر في أن قومه يعبدون الأصنام، كيف أعبد أصناماً؟ واسمعوا ما أنزله تعالى كيف رفض إبراهيم هذه الفكرة وعلام أسس هذا التفكير فقال (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون) هذه أسئلة منطقية، هذه الأصنام التي تعبدونها هل أمرتكم بشيء أو نهتكم عن شيء؟ لم تأمر ولم تنهى فكيف أعبدها؟ هل أعبدها على مرادي أنا في العبودية. والعبودية علاقة بين المعبود والعباد فكيف تمضي هذه العلاقة وكيف يعيش صاحبها؟ على مراد المعبود أم على هوى العابد؟ إذا قلت على مراد المعبود إذن من خلال منهج وهذا المنهج لا بد له من عقل يتلقاها ومن ثمّ قدمنا الهداية أو المعرفة العقلية على المعرفة الدينية. لكن في كل الحالات ستمضي العلاقة على مراد المعبود سبحانه وتعالى ومن ثمّ أسس إبراهيم u هذه الفكرة وقال (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم او يضرون) هذا سؤال إبراهيم فاسمعوا الإجابة من هؤلاء المختلون عقلياً من هذا الذي يعبد صنماً صنعه بيد (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) اي منطق هذا؟! للأسف وقبل أن نسترسل في آيات سورة الأنعام والشعراء التي تحكي لنا قصة إبراهيم u ونحن نحقق المعرفة العقلية والدينية أقول للأسف الشديد هذه الكلمات نسمعها من الذين ابتدعوا بأيديهم بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان وإذا سألتهم من أين جئتم بهذا؟ يقولون هذه عادات تعودنا عليها وقِس على ذلك كل البدع من الموالد والأفراح والاحتفالات لم تحدث في عهد الرسول r ولا الصحابة ولا التابعين. يجب أن نركز على كلمة يجب أن نرفعها من قاموس المسلمين (بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) (هذا ما وجدنا عليه آباءنا) هذا كلام مردود عليه بالمنطق وبالعقب، المعرفة العقلية المثال فيها ما حدث من إبراهيم u ساعة رفض بمنطقه هو وقبل أن يعرفه الله تبارك وتعالى نفسه فخرج يبحث في ملكوت الله تبارك وتعالى عن الإله الحق. لو تدبرنا آية الروم التي وقفنا عليها في الآية السابقة وهي التي فتحت لنا الباب إلى هذا الطريق اليوم (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) هذه الآية عمدة في المعرفة العقلية لأنه لما يقول (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) وقبلها في الآية 11 في سورة الروم يقول (الله الذي يبدأ الخلق) تعرفك الإله الحق وما قدمه هذا الإله الحق لخلقه أنه خلقهم لكن ماذا قدمت هذه الأصنام التي تُعبد من دون الله تبارك وتعالى؟ وكلمة الأصنام الناس تتصور أن الصنم يُصنع أو يُعبد وأقول بيقين أن حب المال صنم يُعبد من دون الله واتباع الشهوات صنم يُعبد من دون الله. موضوع الدين القيم اخترناه لنؤسس ديننا على مراد الله فينا. خرج إبراهيم u يبحث عن الإله الحق وانظروا ساعة تتحقق المعرفة العقلية بهداية الله تبارك وتعالى (فلما جن عليه الليل) إبراهيم u يبحث جنّ عليه الليل وفي ظلمة الليل الدامس ظهر الكوكب فقال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين. (فلما أفل) أفل أي غاب بعد أن كان ساطعاً في ظلمة الليل غاب لما طلعت الشمس. (قال لا أحب الآفلين) هذا تعبير قرآني مبدع يعني الإله الحق لا يتغير، إذا ظهر فهو ظاهر وإذا كان غيباً مستوراً عن الأعين فهذا هو شأنه لكن لا يصح أن يتغير الإله لأنه لو تغيّر فمُغيّره أولى بالعبادة ولذلك قال إبرايهم بذكاء الباحث (لا أحب الآفلين). (فلما رأى القمر بازغاً) كلمة بازغاً لها وقع عندما نتلقى القرآن وهي تدل على أول ظهوره وهذه تدل على أن إبراهيم r كان يبحث بشغف ويبحث بعقلية صافية من ساعة ما بزغ القمر قال هذا ربي (فلما أفل) تكرار الألفاظ تدل على أن إبراهيم يبحث بمنهجية. (لا أحب الآفلين) هذا منهج، إبراهيم لا يعجبه الأصنام ومتأكد أنها لا يمكن لأن تكون هي الإله الحق من مسألة صنعها بالأيدي ومسألة أنها أكثر من صنم القواعد ثابتة عند إبراهيم في المعرفة العقلية بهداية الإله الحق ومن ثمّ إذا تدبرنا الآيت (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض) هذه آية سابقة في سورة الأنعام على الآيات التي نستشهد بها. الإراءة هنا في (نري) ليست رؤية ذاتية مطلقة من إبراهيم لكنها بهداية الإله الحق له دون أن يُعرّفه نفسه ولذلك في الآيات في سورة الروم (فمن يهدي من أضل الله) هذه قاعدة إذن الهداية من الله تعالى لذلك في محكم التنزيل لنبي الإسلام محمد r الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله هذه قاعدة ولكن القاعدة الأَوْلى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) .فالهداية المطلقة لله تبارك وتعالى ولسائل أن يسأل ماذا يفعل الرسول؟ (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الرسول r يهدي من باطن هداية الله تبارك وتعالى وبهداية الحق تبارك وتعالى. هذه المسألة قريبة جداً من المعرفة العقلية والدينية، (يهدي من يشاء) اختلف فيها المفسرون فقالوا يهدي من يشاء الله تعالى أو من يشاء من البشر أن يهتدي؟ الذين قالوا البشر لم يفكروا أن مشئية كل إنسان منا إذا كانت له مشيئة فهي من مشيئة الله تبارك وتعالى قال تعالى (إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) أنت لك مشيئة لكنها من باطن مشيئة الإله الحق ومحمد r له هداية لكنها من باطن هداية الله تبارك وتعالى. (إنك لا تهتدي من أحببت) الهداية هنا هداية المعونة أن يعينك الله على معرفة ذاتك (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الهداية هنا هداية الدلالة وفرق بين هداية المعونة هذه لله أن يهديك الله تبارك وتعالى أما هداية الدلالة فهي للأنبياء والمرسلين من باطن هداية الله تبارك وتعالى ومن ثمّ ساعة خرج إبراهيم يبحث عن الإله الحق (فلما جنّ عليه الليل) (لمّا) لم تحدث إلا بتوفيق من الله تبارك وتعالى. (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات) إبراهيم رأى لكن هل رأى بذاته أم بإراءة الله تبارك وتعالى. قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) لنريه أي الإراءة التي ستحدث في موضوع الإسراء والعروج ليست بذاتية محمد r. في سورة النجم بعد استعراض الآيات التي تتحدث عن وقوع العروج في المعراج قال تعالى (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فالإراءة التي حدثت بإراءة الله له وبإراءة الله له يستطيع هو أن يرى ومن ثمّ (وكذلك نري إبراهيم) هذه إراءة ستحدث من الله تبارك وتعالى وبفضلها (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً) الفرق بين الاثنين هي الهداية إلى المعرفة العقلية التي هي الركن الأول في المعرفة المطلقة للإله الحق. ذكرنا المعرفة العقلية والمعرفة الدينية (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً) في ظلمة الليل الكوكب يضيء فلما أفل هذه قاعدة عند إبراهيم أنه لا يحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال (لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين). المسألة تحتاج إلى تدبر وإلى وعي هو يبحث في ظلمة الليل، هو خرج يبحث عن الإله الحق وببحثه عن الإله الحق عنده قاعدة ثابتة أن الإله لا يتغير لأنه لو تغير فمغيّره أولى بالعبادة فما دام لا يتغير هو يسير على هذه القاعدة فما أفل الكوكب وأفل القمر رفض إبراهيم u هذا الغياب الله تبارك وتعالى لا يتغير. (فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين) هذا الذكاء في البحث، أنا لي رب لكن لا أعرفه فقال (لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين) قد لا أعبد الصنم لكني لن أهتدي إليه إلا إذا عرّفني هو ذاته وهنا المعرفة مبنية على المعرفة الدينية من المنهج كأن إبراهيم u يقول أنا بحثي إن لم يكن بتوفيق الله تبارك وتعالى فلن أصل لن أتوصل إلى الإله الحق أنا باحث أحتاج إلى هداية ربي، أحتاج إلى توفيق ربي وأحتاج إلى معرفة دينية منهجية وأنا مستعد بالمعرفة العقلية. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأسأله تبارك وتعالى لكل المسلمين إدراكاً واعياً في التدبر آيات القرآن الكريم وأسأله تعالى بعد هذا التدبر الذي هو بفضل الله تعالى توفيقه سبحانه أسأله هداية لكل المسلمين إلى المنهج الحق وإلى الدين القيم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل