الدين القيم - الحلقة 13

الدين القيم - د. محمد هداية

الحلقة 13:

ما زلنا نعيش مع إبراهيم u في رحلته الإيمانية المعرفية للإله الحق وبيّنا سابقاً أن معرفة الإله الحق تقوم على نوعين من المعارف المعرفة الدينية بهداية منهج الله تبارك وتعالى والمعرفة العقلية بهداية الله تبارك وتعالى. رحلة إبراهيم u رحلة بحثية مبدعة يوقعها القرآن بطريقة غير مسبوقة في الأداء البلاغي من حيث رفض إبراهيم لمسألة عبادة الأصنام ووثوقه أن لهذا الكون خالق بل إن له منهجية في بحثه أن لهذا الخالق له توصيف عند إبراهيم أنه يُغيّر ولا يتغير. (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض) هذه الإراءة من الله تعالى أي الهداية الإلهية لإبراهيم ليبدأ رحلته البحثية عن الإله الحق جعلت إبراهيم يرى بنور الله تبارك وتعالى وجعلته باحثاً دقيقاً على أصول البحث وأصول المنهج. (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) الانعام) قال لئن لو يهدني ربي إذا سألنا إبراهيم في ذلك الحين من ربك؟ هو يعلم أن هناك إله لهذا الكون لكنه لم يصل إليه قال (لئن لم يهدني) كلمة يهدني تحقق مسألة الهداية الإلهية للباحث التي تجعل المعرفة العقلية تتحقق. وهذه الآية فاصلة حاكمة في مسألة أن تُعمِل العقل لتصل إلى الإله الحق ولا عذر لمن عبدوا غير الله (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) المسألة يجب أن تكون على مراد الله في البحث والآيات توقع أن إبراهيم يبحث في الليل وفي النهار، في الليل رأى الكوكب والقمر وفي النهار رأى الشمس فلما جن الليل كان لإبراهيم شأن مع الكوكب والقمر. (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)) إبراهيم باحث محقق يريد أن يصل، فلما أفلت الشمس كأن قومه يقولون له من ستعبد؟ (قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) جاءت الشرك مرتين (مما تشركون) توضح أن إبراهيم واثق وعلى يقين بأن للكون إله وقد لا أصل إليه حتى الآن بل إنه واجب الوجود وتؤكد الآية أن ما يعبد من دون الله من أصنام من كواكب هو في الأصل شرك مع الإله الحق (إني بريء مما تشركون) الأصل هو الله وكل ما يُعبد من دون الله يشرك به. (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) كأني به يقول سأعبد الإله الحق حتى لو لم أصل إليه يقيناً، لكن اليقين الثابت عند إبراهيم أن للكون إله. من إلهك يا إبراهيم؟ (الذي فطر السموات والأرض). لذلك نتعلم أن أول توصيف للإله سبحانه وتعالى الحق أنه الخالق لذلك (الله يبدأ الخلق) وفي الروم (وهو الذي يبدأ الخلق) وإبراهيم سيعبد (الذي فطر السموات والأرض وما أنا من المشركين) المشركين هنا تؤكد عقيدة إبراهيم في أنه يعتقد أن للكون إله وهو على يقين أن ما يعبد من دون الله إنما هو شرك، ما يعبدون من دون الله يشركون مع الله الذي هو صاحب الوجود الحق الذي فطر السموات والأرض وخلق الكوكب وبالتالي (وما فيهن) لما رفض ابراهيم الكوكب عد خالق الكوكب ولما رفض القمر عبد خالق القمر وعبد خالق الشمس ولذلك (إني وجهت وجهي) تُذكرنا (فأقم وجهك للدين حنيفاً) هذه الآية المحورية في توصيف الدين القيم. الأمر الإلهي من الله تبارك وتعالى لمحمد r (فأقم وجهك للدين حنيفاً) وإبراهيم الذي بحث بذاته عن الإله الحق قال (إني وجهت وجهي), إنها هداية الله للباحث عنه سواء كان هذا الباحث إبراهيم أو محمد r. إذا كان إبراهيم uخرج يبحث عن الإله الحق أين كان محمد r ساعة جاءه الملك إقرأ؟ كان في غار حراء وكان يذهب إليه لأنه كان يرفض عبادة الأصنام وكان يتفكر في أن لهذا الكون إله وهو لا يعرف شيئاً عن إبراهيم لم يسمع شيئاً عن الأنبياء والمرسلين ومع ذلك رسول الله r كان يتفكر في غار حراء وأرفض ما يقال أنه كان يتعبد وهذه تساعد أهل الشرك على شركهم وأهل الضلال الذي سبوا رسول الله أنه هو الذي جاء بالقرآن وألّفه، هو rلم يكن عنده منهج يتعبد به بعد وإنما كان يبحث كما بحث إبراهيم u يبحث عن الإله الحق فعرّفه تعالى نفسه كما هدى إبراهيم إلى الذات الإلهية الحق. (إني وجهت وجهي) تذكرنا بأمر الله لرسول الله r ولنا (فأقم وجهك للدين حنيفاً) كلمات يجب أن يسعها القلب المؤمن وأن يتدبرها القلب المسلم والعقل المسلم لله تبارك وتعالى (إني بريء مما تشركون) لأن هذا الإله واجب الوجود (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً).

 

(إن إبراهيم كان أمة) كان يساوي أمة. كلمة أمة تعني أنه u كان في بحثه وفي هداية الله له وفي وصوله إلى الإله الحق وفي هديه لمن اتبعه وفي منهجه وفي الآيات التي تكلمت عنه كان يساوي إيمان أمة ممن هم على شاكلة إبراهيم أي الأنبياء والمرسلين. القرآن الكريم يعلمنا أن منهج الإله الحق لا يتغير (فأقم وجهك للدين حنيفاً) هذا توجيه إلهي وإبراهيم uيقول (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً) حنيفاً أي مائلاً فهل أعبد الله مائلاً؟ نعم، مائلاً عن الشرك مائىً عن الضلال مائلاً عن عبادة الأصنام، مائلاً عن المائل تكون غاية الإستقامة. قبل إبراهيم كلمة حنيفاً كانت تعني المائل وبعد إبراهيم أثبتها الله قرآناً وجعلها معنى اصطلاحياً بمعنى مستقيماً معتدلاً، على المنهج الحق، على الصراط المستقيم. بإيمان إبراهيم تحولت الكلمة من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) مع أن إبراهيم إلى هذه اللحظة التي يتكلم فيها لم يصل إلى معرفة الإله الحق. من البداية إبراهيم uيرفض عبادة الأصنام وهو الذي بحث بذاته عن الإله الحق. إبراهيم يسأل سؤالاً منطقياً: ما هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله تبارك وتعالى؟ لأنه على ثقة من وجود الإله الحق وعلى يقين من أن لهذا الكون إله. السؤال كله وعي ويتجلى من منطلق ما أثبته إبراهيم لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام أنهم يشركون بدليل قوله في سورة الأنعام وهو يتكلم في رحلته البحثية عن الإله الحق (يا قوم إني بريء مما تشركون) يعني ما تفعلونه الآن شرك بالإله الحق مع أنه لم يصل إليه بعد لكن اليقين من هداية الله في مجال المعرفة العقلية أكدّ له هو قبل أن يؤكد هو لقومه أن للكون إله. لذلك ساعة أراد أن يتوجه بالعبادة لهذا الإله الحق قال (إني وجهت وجهي) قال وجهي لأن الوجه سمة الإقبال أي إني توجهت ليس بوجهي فقط لكن الوجه يُعبر عن الذات. ساعة تسمع قول الحق تبارك وتعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) هل للإله وجه سيبقى دون الذات؟ وهل للإله وجه؟ كلا. إذا سمعت إلا وجهه يدب أن يدار الفهم على مراد (ليس كمثله شيء). قضية (إني وجهت وجهي) الوجه يعبر عن الذات. (فأقم وجهك للدين حنيفاً ) سأتوجه بكل كياني بالعبودية لله تبارك وتعالى لذلك (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين). من دواعي الإخلاص أن تُخلِّص النية لله تبارك وتعالى في كل ما تفعل فإن فعلت شيئاً أنت لا تقصد به وجه الله تبارك وتعالى فقد أشركت، أنت تذهب للصلاة عند سيدي فلان وهذا كلام لا أصل له لا في الشرع ولا في المنطق، أنت تقول هذه الكلمة ويتبادلونها ولا يعلق أحد عليها (إن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً) هذا قرآن ومنهج لا يجوز أن نقول أنا ذاهب أصلي عند سيدي فلان، تعلموا من إبراهيم u الذي رفض الشرك بكل ما له وما عليه ومحمد r قال له تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾ ). هذه هي المصيبة حتى الذي لا يعلم لا يريد أن يتعلم. ولذلك العبء على دعاة هذه الأمة أصبح خطيراً كبيراً ويجب أن نتحرك في موضوع العقيدة وأيدينا مع بعض فدين الله واحد ومنهجه واحد والرسول r ما كان يعبد الله على طريقة من الطرق أو مذهب من المذاهب غير منهج الله تبارك وتعالى. منهج الله تبارك وتعالى هومنهج التوحيد وصفته تعالى الأولى عند عابِده الحق أنه الخالق (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) السموات والأرض تعني عند إبراهيم محتوى كل ما ذُكِر من أصنام، الكوكاب، القمر، الشمس أنا لم أعرف الإله الحق إلى الآن لكني سأتوجه له لأنه خالق كل شيء فخالق كل شيء هو الأولى بالعبادة وهو جدير أن يُعبد ولذلكساعة يسأل إبراهيم uما هذه التماثيل وما هذه الأصنام وما هذا الي يُعبد من دون الله تبارك وتعالى؟ سؤال جدير بالإجابة من أهل المنهج الحق ليردوا على كل المشركين الذين عبدوا غير الله تعالى ليردوهم إلى الدين القيم إلى الدين الحق اللهم إني أسألك أن تعلمنا ما ينفعنا وأنت تنفعنا بما علمتنا اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    وجزاكم خيرا على المتابعة والتصحيح جلّ من لا يُخطئ
    سيتم تصحيح الآية فورا إن شاء الله بارك الله بك

  2. سعاد أحمد علق :

    جزاكم الله خيرا على هذه الحلقات من برنامج الدين القيم ،فقط أردت أن ألفت الانتباه إلى هذه الآية وقد كتبت خطأ:
    (فأقم وجهك للدين حينفاً فطرة الناس التي فطر الله عليه لا تبديل لخلق الله ذلك الدين )
    والصحيح:(فأقم وجهك للدين حينفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ).

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل