الدين القيم - الحلقة 14

الدين القيم - د. محمد هداية

الحلقة 14:

ما زلنا نعيش مع إبراهيم u في مناقشة أبيه وقومه في مسألة عبادة الأصنام ذلك أننا نحاول أن نقف على حقيقة الركن الأول في مسألة العقيدة وهي معرفة الإله الحق عن طريق المعرفة العقلية لهدية الله تبارك وتعالى والمعرفة الدينية لمنهج الله عز وجل. القرآن علمنا كيف خرج إبراهيم يبحث عن الإله الحق وعلمنا كيف وصل إبراهيم إلأى الإله الحق دون أن يُعرّفه الله تبارك وتعالى نفسه. اليوم نعيش مع أمر إلهي بديع الأمر لرسول الله rالآمر هو الله عز وجل والأمر أن يتلو محمد r نبأ إبراهيم على أمته (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) الشعراء) كأننا حينما نسمع هذه الآية هناك أمر عظيم سيكون لأن كلمة نبأ تكون في الأمور العظيمة وفي الأخبار المهمة وفي المهمات العالية (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ) النبأ يتلخص في قول إبراهيم لأبيه وقومه (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)) (موضوع أبيه وهل آزر هو عمه أم أبوه هذا الكلام نؤجله لوقت التفسير لأن كل هذه الأمور مردود عليها ونتجاوز الخلافات بين أهل التفسير واللغة حتى نصل إلى مسألة العقيدة على مراد الله فيها). (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)) ساعة نسمع ما تعبدون كأني به r يقول ما هذه الأصنام التي تعبدونها؟ ما هذه التماثيل التي تعكفون على عبادتها؟ ما تعبدون أي أن إبراهيم يسفه هذا الفكر الشاذ المنحرف في مسألة العقيدة لأن العبادة لا تقوم إلا على عقيدة وقلنا أن العقيدة تُبنى على المعرفة والمعرفة للإله الحق تبنى على المعرفة العقلية بهداية الله والمعرفة الدينية بمنهج الله، فهو يقول (ما تعبدون) يعني هل أمرتكم هذه الآلهة بشيء؟ الأمر يجب أن يكون من المعبود، أنت تخلق إلهك وتعبده هذا خلل فكري وانحراف عقائدي. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)) هذه الكلمة يعني تسفيه ما يفعله الأب والقوم والإجابة غريبة (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) كلمة صنم يعني تمثال أصم لا يتكلم لا إرادة له ولا قدرة له لأنهم صنعوه بأيديهم فناقشهم إبراهيم مناقشة منطقية جداً (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)) والإجابة هنا غريبة أيضاً فلما سألهم أسئلة جوهرية حاسمة أجابوا (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) أي منطق هذا؟! (هذا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً) القرآن يناقش هذا الفكر المنحرف في أمثر من سورة حتى نصل إلى حقيقة المنهج للدين القيم. (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) هذا المبرر الوحيد عندهم لعبادة هذه التماثيل الصماء البكماء التي لا تسمع ولا تضر ولا تنفع لأن السؤال من إبراهيم uقائم على منهج بحثي، هو له توصيف للإله الحق في سورة الأنعام وفي سورة الشعراء كأن إبراهيم u وصل للإله الحق. فقال ابراهيم uقاعدة عالية جداً في تطبيق المنهج الذي اتخذه هو منذ اللحظة الأولى وهو رافض لعبادة الصنم (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)) آيات بينات، أقوال حاسمة ثابتة بمنهجية مفكِّر باحث هداه الله تبارك وتعالى فأعمَل المعرفة العقلية ثم أرسله الله تعالى بمنهج يعلم قومه. (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)) الصنم في عقيدة إبراهيم الذي يمثل قاعدة الشرك بالله تبارك وتعالى هو عدو، فما بالنا بأصحاب الأهواء البدع في هذا الزمان وما بالنا بمن يشركون بالله  ليل نهار بعقيدة فاسدة ما أنزل الله بها من سلطان هو لا يعبد الله تبارك وتعالى وإنما يعبد ما يشرك به بالله، لا يدعو الله في بيته أو في أي مكان وإنما عند سيدي فلان أو فلان أصبحت قاعدة وكأن الله تعالى عند هذا المكان فقط كأنه لا يدعو إلا في ذاك المكان وهذا الكلام شرك أحذر نفسي وإياكم أن تقعوا في براثن في هذا الفكر وإن وجدتم من وقع في هذا الفكر فأعيدوه إلى هذا المنهج الحق. واسمعوا قوله تعالى يأمر رسولنا r (واتلو عليهم نبأ إبراهيم) إذ أي اذكر يا محمد ساعة قال إبراهيم لقومه وأبيه ما تعبدون أي ما هذه الأصنام الواهية. ما تعبدون؟ ثم اتلو عليهم قوله u وهو يقول مؤكداً (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)) إلى أول هذا الذي عبد غير الله (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) الصنم بريء من هذا الجعل الصنم لا يستطيع حتى أن يجعل وإنما جعله هو الفكر الفاسد الذي عبد الصنم، ومن ثم لنسمع قالة إبراهيم الواعية (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) لماذا استثنى إبراهيم رب العالمين؟

 

(قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)) القارئ للوهلة الأولى يسأل كيف استثنى رب العالمين من هؤلاء الأصنام؟ هو استثناه من العبادة لأن إبراهيم u يتكلم كلاماً واعياً، ما كان يعبده هؤلاء الأقدمين بالتأكيد كان فيهم من يعبد رب العالمين فالاستثناء من مسألة العبادة وليس من مسألة الأصنام. استثناه من العبادة (ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون) كان فيهم بلا شك من يعبد رب العالمين فالاستثناء واعي فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي اتخذته أنا إلهاً. الأقدمون عبدوا ومنهم من عبد الشمس ومنهم من عبد الأصنام ومنهم ومنهم ومنهم من عبد الله رب العالمين، هذه العبودية لله تعالى صحيحة وأستثني الذين أشركوا، الذين أخطأوا أما الذين عبدوا رب العالمين وأما رب العالمين فهو إلهي فالاستثناء صحيح والكلام واضح فكل ما عُبد من دون الله عدو لي إلا رب العالمين. فكأننا به u يعرض صفات رب العالمين فقال (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)) ليس في الخلق ولا في الإماتة ولا في البعث (هو). فإنهم عدو لي إلا رب العالمين من هو رب العالمين؟ الذي خلقني لم يقل هو خلقني لأنه لم يدعي أحد الخلق فوصف الإله الحق بأنه الخالق لا تحتاج إلى (هو) التي تدل على الغيبة بمعنى الإشارة أو التوصيف لأن الله تعالى لا يغيب عن ملكه سبحانه وتعالى. (فَهُوَ يَهْدِينِ) لأنه قد يدعي أحد أنه يهدي لكن لم يدعي أحد أنه خالق. الله يبدأ الخلق فيجب أن نسلِّم له لأنه لم ينازعه أحد في هذا التوصيف أنه الخالق ولذلك الآية الأساسية (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني حتى لا يظن أحد الناس أن أحداً من الناس يطعمه المسائل التي فيها شك ونزاع في صفة قد تكون لله ولغير الله أضافها إلى (هو) أما الصفات التي لم ينازع الله أحدٌ فيها قال (هو). ولذلك قال (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)) وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين من غير (هو). إذن عندنا ثلاث حالات لم يقل إبراهيم uوهو يوصِّف الإله الحق الخلق والإماتة والبعض وهذه من أركان العقيدة ولنذكر ما قاله رسول الله r لجبريل في الحديث المعروف الذي أصّلنا به أركان العقيدة لما سأله عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر الذي هو البعث. عندنا أركان ثابتة لمسألة الاعتقاد. إبراهيم u يقول الذي خلقني ثم الذي يميتني ويحيين. (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)) انظروا إلى هذه العقيدة الحق وهذا اليقين الواعي الذي بهذه العقيدة قد يتأكد أن الله سيغفر له لكن إبراهيم يعلمنا أنك وأنت في أعلى درجة من درجات الإيمان عليك أن تكون طامعاً في مغفرة الله تبارك وتعالى لا مستوجباً بذاتك هذه المغفرة. إن إيمان بعض المسلمين يظن معه أن الله تعالى سيغفر له، اليقين في الله تبارك وتعالى أمر مطلوب لكن بتأدب مع الله، انظروا إلى الذي يقرأ القرآن ثم يهب ثواب ما قرأ لفلان، من قال لك أنك حصلت فعلاً على الثواب؟ عليك أن تتأدب مع الله وتعلم كيف تصل إلى مغفرة الله تبارك وتعالى أنت يجب أن تدعو الله على مراد الله فيك خوفاً وطمعاً خائفاً وراجياً وليس ثقة الذي حصل على الثواب، انظروا إلى إبراهيم واسمعوا ما قاله الله لرسوله r (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ) ليتعلموا عن إبراهيم u كيف تكون العلاقة مع الله وكيف يكون الأداء مع الله. (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) يوم الحساب، يوم الجزاء. لو نظرنا إلى هذه الآية وتعمقنا في توصيف إبراهيم للإله الحق (الذي خلقني) هذه عقيدة (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) تسمعها في قول إبراهيم (والذي يميتني ثم يحيين) يميتني بعد أن خلقني يميتني مسلماً له الخلق والموت والبعث لذا نستطيع أن نقول أن الإيمان بالله له أركان يقوم عليها أنه هو الخالق وأنه هو الذي يطعمني، هو الذي يسقيني، هو الذي يشفيني. الأطباء جزاهم الله خيراً لا يشفون وإنما يعالجون المرض والذي يشفي هو الله. فهذه الآيات آيات ركن وآيات أساسية في صحيح الاعتقاد. أسأل الله يجلي لنا حقائق هذا القرآن وبيان هذا الدين القيم اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل