الدين القيم - الحلقة 15

الدين القيم - د. محمد هداية

الحلقة 15

عشنا في أكثر من لقاء مع إبراهيم u وهو يعلمنا من خلال القرآن الكريم الطريقة المثلى في مسألة الاعتقاد، الطريقة المثلى كيف نعتقد وكيف نبني اعتقادنا وعلى ما؟ المعرفة العقلية بهدياة الله تبارك وتعالى والمعرفة الدينية بمنهج الله تبارك وتعالى. وتعلمنا من إبراهيم u التوصيف الدقي الحق لهذا الإله الحق سبحانه وتعالى (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)). هذه الآيات بهذا التوصيف بهذا التوقيع الرائع لأركان الاعتقاد كان لنا وقفة على مثيل ومشابهة بآية سورة الروم (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) وقلنا في لقاء سابق أن هذه الآية في سورة الروم تتطابق وصفاً ومعنى مع قول الحق تبارك وتعالى (الله يبدأ الخلق ثم يعيده) الآية التي معنا وهي الآية 27 من سورة الروم (وهو) كأننا إذا عقدنا مقارنة بين آية الروم 11 والروم 27 في الآية 11 (الله يبدأ الخلق ثم يعيده) وفي الآية 27 (وهو) فكأننا (هو) معبرة عن الله فهي ضمير الغيبة ذلك أن الله تبارك وتعالى غيب. في مطلع البقرة (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذي يؤمنون بالغيب) بكل الغيب وعلى رأس الغيب الله. أريد أن أعيش في هذا اللقاء معكم توقيع مسألة الغيب. ضمير الغيبة (هو) يذكرني بقضية حار فيها أهل اللغة وأهل التفسير وهي مسألة بكون الله (هو) الغيب ضمير الغيبة ذلك أنه لا تدركه الأبصار أما لماذا لا تدركه الأبصار فسنعيش معها. لكن نقف اليوم (لا ندركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير). في كتاب الله تبارك وتعالى يجب أن نقف على كنه الحقيقة فيها، (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) المعنى عميق. الأبصار جمع بصر فلا بصرك ولا بصري يدرك الإله الحق ذلك أن الإله الحق يُدرِك ولا يُدرَك، هذه الآية تضعنا على قضية خطيرة وهي قضية رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة. ساعة سمعنا قول الحق (لا تدركه الأبصار) حالت العقول إذن لن نرى الله تبارك وتعالى؟ كلنا لن نرى الله؟ المؤمن، المحسن، المتقي، والكافر والمشرك والمنافق؟ في القرآن آيات مبدعة في التوقيع اللغوي ذلك أن رؤية الله تبارك وتعالى غاية، المسلم الحق يعيش في هذه الدنيا قابضاً على دينه ليصل إلى هذه الغاية المثلى أن نرى الله تبارك وتعالى والآيات تطمئننا والتوقيع اللغوي لآيات كتاب الله تعالى إذا تدبرناه سنطمئن إطمئنان العامل لا اطمئنان الراكن لن نركن لكن سنطمئن إلى أننا إن شاء الله سنرى الله تبارك وتعالى. القرآن الكريم يقول عن الكفار (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) إذن هذا الحجب سيكون لهم وحدهم يعني الآية تتكلم عن جماعة بعينها جاءهم الحق فرفضوه واتبعوا أهواءهم فكانت لهم مناهج يعيشون عليها (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله) (ولا تكونوا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) الطرق والمذاهب نسأل الله السلامة كل يعبد الله على هواه وبمنهج وبطريقة وبمذهب، لكن القرآن أوضح من الشمس في كبد السماء لكنها البصيرة هي النقطة الفارقة بين مسلم ومدعي إسلام وبين مؤمن ومدّعي إيمان (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) في الوقت الذي يقول فيه الحق تبارك وتعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) العلماء انقسموا فريق يقول سنرى الله وفريق يقول لن نرى الله وقسم من الذين قاول سنرى الله أخطأوا بعض الأخطاء اللغوية وقالوا (سندرك) نقول لأولئك وهؤلاء سنرى الله بإذن الله تعالى لكن لا ندركه لأنه يستحيل على مخلوق أن يدرك الله. فرق كبير بين الرؤية والإدراك والبون شاسع بين هذا المعنى وذاك. بإذن الله تبارك وتعالى سنرى الله لكن لن ندركه تطبيقاً لقول الحق (لا تدركه الأبصار) وهناك فرق كبير بين الرؤية والإدراك. آية في كتاب الله تشهد على هذا وتوضحه وضوح الشمس في كبد السماء، عندما أخذ موسى u أصحابه وابتعد عن فرعون وأتبعه فرعون الآيات واضحة في التفريق بين الرؤية والإدراك (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهيدن) تمت الرؤية لكن الإدراك لن يتم. قد ترى الشيء لكن لا تدركه، رد موسى رداً واعياً (إن معي ربي سيهدين) توقيع هذه الجملة (إنا لمدركون) أكد موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) الله تعالى لا يُدرَك وكذلك الذي في معية الله لن يُدرَك. وإذا أردنا أن نطبق هذا التوقيع فلنذهب إلى رسول الله r ومعه الصديق ساعة قال لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا فقال له r ما بالك باثنين الله ثالثهما وإذا أردت أن تأخذها من القرآن (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)، الصديق يقول سنُرى ومحمد r يقول إن الله معنا إن معنا الذي لا يُدرَك وما دمنا في معيته فلن نُرى ولن نُدرَك. الرؤية شيء والإدراك شيء آخر. الآية مبدعة (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) لو تدبرنا هذه الآية سنجد فيها من الإبدعات اللغوية والبيانية إلى أبعد ما تصل به بفكرك. (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) هل يدرك الأبصار أو يدرك المبصرين؟ هو يدرك كل من يبصر ببصره وبذاته وبفكره وبعقله لأنه تبارك وتعالى يحيط علماً بخلقه. (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) هذا التوقيع اللغوي اللطيف الخبير صفتان لله تبارك وتعالى ولله العديد من الأسماء والصفات فلماذا اختار تبارك وتعالى اللطيف الخبير؟ اللطيف لأنه لا تدركه الأبصار واللطيف لغة هو الذي لا تراه، لا تدركه، الذي يدقّ عن أن يُدرَك فاللطيف تناسب لا تدركه الأبصار والخبير تناسب وهو يدرك الأبصار بخبرته فهو يُدرِك بالخبير ولا يُدرَك باللطيف وهذا يسمى في علم البيان أو البلاغة اللف والنشر أي هناك وصف يطابق توصيف وآخر يطابق التوصيف الآخر فاللطيف تتطابق في المعنى وتؤكد لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) سبحانه. البيان عالي جداً في الآية وإذا فهمناها سنعتقد أنه اللطيف الخبير، أنه لا تدركه الأبصار وأنه تعالى لا يدرك الأبصار فحسب بل يدرك الأبصار وأصحاب الأبصار بذواتهم كلهم لكن هذا تعبير مجازي عن ادراك الله تبارك وتعالى بخبرته سبحانه جل شأنه. المسألة تحتاج إلى وعي ونحن نقرأ. إذا نظرنا إلى الآية التالية لهذه الآية، في هذه الآية نتكلم عن (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (قد جاءكم بصائر من ربكم) ما هي البصائر؟ تكلمنا عن البصر فالأبصار جمع بصر أما البصائر فهي جمع بصيرة، الآيات تبين أن هذا الكلام لا يمكن لبشر أن يقوله أو يكتبه إنه كلام الله، إنه قرآن، إنه الحكمة في أعلى درجاتها. (قد جائكم بصائر) لم يقل أبصار لأنها عندنا ندرك بها ما يُدرَك وما لا يُدرَك ندركه بالبصيرة فالله تعالى هو الذي لا تدركه الأبصار وإنما تعتقده البصيرة. المؤمن الحق المعتقد العقيدة الصحيحة يرى الله بقلبه لا يراه تشخيصاً بل يراه بأثره (أفي الله شك فاطر السموات والأرض وهو الذي يبدأ الخلق) من خلق السموات؟ من خلق الأرض؟ هل ادّعى أحد هذا الخلق؟ أبداً لم يدعي أحد. وبالتالي أهم توصيف لله تبارك وتعالى أنه يبدأ الخلق ومن أعلى توصيف لله تبارك وتعالى أنه لا تدركه الأبصار. أرجو أن يمهلنا الله تعالى أجلاً حتى نوفي هذه القضية أركانها. هو بيقين لا تدركه الأبصار، لماذا لا تدركه الأبصار؟ وكيف تدركه البصيرة؟ كيف يعلمنا الله تبارك وتعالى أنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار؟ لماذا وكيف؟ هذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة أسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يجلي لنا حقائق هذا الدين القيم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل