الدين القيم - الحلقة 21

الدين القيم - د. محمد هداية

الحلقة 21:

(فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) رسم سبحانه وتعالى الطريق الذي به نقيم الوجه لله تبارك وتعالى فقال عز من قائل (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)) آية في كتاب الله يرسم فيها الله تبارك وتعالى الطريق لمن أراد أن يقيم الوجه لله تبارك وتعالى كما أمر هو سبحانه. هذا الأمر الإلهي فأقم وجهك للدين حنيفاً والزم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله يحتاج إلى طريق يمشي فيه من أراد أن يقيم الوجه لله. ونحن نصلي مثلاً نسأل الله تعالى (إهدنا الصراط المستقيم) هل نعني هذه الكلمة ونحن نقول هذا التعبير الإلهي المبدع بدعاء منقطع النظير؟ وهل نعنيها في الدنيا أم في الدنيا والآخرة؟ في الحقيقة يجب أن يكون القلب عاقداً العزم على مسلك الصراط المستقيم في الدنيا بكل ما يفعل حتى يكون على الصراط المستقيم يوم القيامة. ومن ثمّ وأنت تسأل إهدنا الصراط المستقيم وأنت تسمع (فأقم وجهك للدين حنيفاً) عليك أن تفتش في قرآن الله تبارك وتعالى وتبحث عن الطريق الذي به تكون على الصراط المستقيم مقيم الوجه لله تبارك وتعالى. بمعنى هذا الذي رسمه الله عز وجل منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة واليوم آن الأوان أن نعيش هذه الآية. (منيبين إليه) الإنابة تعني الرجوع إلى الله تبارك وتعالى لكنه رجوع يختلف عن رجوع التوبة فالتائب عائد إلى الله لكن يزداد الذي يفعل الإنابة عن الذي يقوم بالتوبة أنه يقطع كل صله له بما عدا الله وسمي ناب وأناب من قطع. منيبين إليه المراد بها أن تعود لله تبارك وتعالى قاطعاً كل صلة لك بغير الله تبارك وتعالى. إذن منيبين إليه لو دققت فيها لعلمت معنى التوحيد وأنت توحد الله تبارك وتعالى قد تظن أنه كمثله سبحانه والحقيقة القرآنية الواضحة إلى يوم الدين (ليس كمثله شيء) ومن ثمّ فعليك أن تتقيه ولذلك (منيبين إليه واتقوه) لأن مسألة الإنابة والعودة لله تبارك وتعالى قد يتسرب للمسلم أنه أصبح مع الله تعالى ويحب الله تعالى وهذه أمور إذا تسربت إليه عليك أن تقف ولا تطمئن بها لذلك اسمعوا قوله تعالى في نظير هذا ساعة أعلن الصحابة حبهم لله تبارك وتعالى فأنزل الله تعالى قرآناً إلى يوم الدين (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) قد أحب الله وأطمئن بإيماني ومن ثمّ فأركن فيتسلط علي الشيطان ويستطيع بقدرته أن يأتي بالنفس إلى ما أراد فأقع في المعاصي. (قل إن كنتم تحبون الله) إن كنتم صادقين في هذا فعليكم بالتزام منهج أنزله الله تباك وتعالى فاتبعوني (محمد r) يحببكم الله. نريد أن نوصف علاقة العبودية بيننا وبين الله تبارك وتعالى وقلنا هذه العلاقة يجب أن تكون على مراد المعبود لا على هوى العابِد حتى لا نكون من الذين قال تعالى عنهم (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم) ومن ثمّ فنحن اليوم مع (منيبين إليه واتقوه) كلمة (واتقوه) مع الإنابة معناها إياك أن ترطن إلى الإنابة لأن أحدنا قد يطمئن بإيمانه فيركن وإذا ركن يحدث أمر في منتهى الخطورة وهو التفلت من الطاعات والبعد عن العبادات شيئاً فشيئاً والشيطان والنفس يفعلوا هذا بذكاء منقطع النظير وأنا أحذركم من الوقوع في هذه المسألة والعاصم في هذا الموضوع التقوى (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة) كأني بالله تبارك وتعالى يحذر من أداء الصلاة والذي يحدث الآن من غالبية الأمة الإسلامية أداء للصلاة وليس إقامتها وحذرنا سابقاً من مسألة (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) وقلنا علينا أن نقف على صحيح الآية بكل ما فيها من معاني، الصلاة عماد الدين وهي الركن الركين في هذا الاسلام الحنيف وإذا أردت أن تقف على حقيقة هذا المعنى فاسأل نفسك لماذا ذكر الله تبارك وتعالى الصلاة فقط في هذه الآية من أركان الإسلام. أركان الإسلام في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمامان البخاري ومسلم خمس، بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان. أين الخمس في هذه الآية؟ لم يذكر الله تبارك وتعالى منهم إلا التوحيد والصلاة. التوحيد جاء ضمناً في قوله تعالى (منيبين إليه واتقوه) وأقيموا الصلاة ولم يذكر الصيام والزكاة والحج لأنك لو تدبرت أركان الإسلام الخمس وجدت بعضها يسقط عن بعض. فهب أن هناك من أسلم لله تبارك وتعالى لكنه فقير ومريض إذن سيعفى من الزكاة وسيعفى من الصيام ومن الحج إلى أن يشفيه الله تعالى، ساعة يكون على فقره ومرضه ليس عنده من أركان الإسلام إلا التوحيد والصلاة والصلاة لا يعفى منها مؤمن مسلم موحد لله تبارك وتعالى. ليس لهذا الفقير المريض إلا التوحيد وإقامة الصلاة. انظروا إلى هذا العرض القرآني المبدع الله تبارك وتعالى يرسم لنا طريق العودة إليه ويرسم لنا طريق إقامة الوجه على مراده في الآية (فٌأقم وجهك للدين حنيفاً) (منيبين إليه)، هذه الإنابة والتقوى تعني التوحيد ثم (وأقيموا الصلاة) كأن الله تبارك وتعالى يعلمنا أنه إذا سقط عنك بعض الأركان فلن يسقط عنك لا التوحيد ولا الصلاة، ومن ثم هذا المريض الفقير لا يعفى من الصلاة ويصلي وهو على جنبه أو نائم أو متكئ المهم أنه يصلي وساعة يصلي وبرغم أنه مريض يقول سأؤدي أي أداء، كلا لأن الآية تقول (وأقيموا الصلاة) أما كيف تكون الإقامة؟

 

الله تبارك وتعالى رسم الطريق لإقامة الوجه له تعالى فقال (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة) والذي يجب أن نقف عليه الآن مسألة إقامة الصلاة. الصلاة كلفظ ذكره الله تعالى في قرآنيه 67 مرة وأرجو أن تبحثوا في القرآن فإنكم لن تجدوا هذا اللفظ إلا مع إقامة الصلاة، أقاموا، يقيمون، أقيموا فهذا لفظ ملازم للصلاة والله تعالى ما كلبها أداء وإنما طلبها إقامة والأذان الذي يكون في المسجد بعد الأذان الأول نسميه الإقامة وهو الذي يُصرّح لك بالإقامة ومسألة إقامة الصلاة أرجو نوقعها على أمرين الأمر الأولى ما قاله الله تبارك وتعالى (إن الصلاة كانت على المؤمني كتاباً موقوتاً) وألفت الأنظار إلى إفراد كلمة كتاب وموقوتاً. في مصر مثلاً الظهر الساعة 12 والعصر 3.15 فلما تقول له صلّ الظهر يقول لك أمامي وقت، أنت تفهم هذا الموضوع على هواك أنت أما حقيقة الأمر فمختلفة في التوقيع، لو أنا في القاهرة يكون الظهر الساعة 12 لو في الاسكندرية 12.05 لو في ليبيا 12.30 أي الوقت الذي بين الظهر والعصر ليس لك أنت وإنما للبلد الذي يليك على الخريطة. إذا نظرت إلى الكرة الأرضية من فوق ستجد كل دقيقة تختلف البلاد، آخر بلد على الخريطة يكون الظهر عندها 3.10 والعصر عندك أنت 3.15، أهل مصر إذا كان في المنية غير القاهرة غير الاسكندرية. فأول ما يؤذن المؤذن في أية منطقة يصلي حسب المنطقة التي هو فيها. (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) أنا في القاهرة سيبقى الوقت الظهر الساعة 12 والعصر 3.15 والوقت بينهما ليس لي. وعندنا أحاديث صحيحة أن الرسول r صلى في أول الوقت ووسطه وآخره لكن نسأل متى ولماذا صلى هكذا؟ لو أذن المؤذن وأنا ليس عندي ما يمنعني قهراً من الصلاة يجب أن أصلي لأول الوقت لكن لو أن طبيباً يقوم بعملية جراحية لمريض ولو تركه سيموت المريض أو يحصل له مضاعفات فهذا يصلي بعد أن ينتهي من عمله وهذه رخصة للطبيب وليست لك. علينا أن نتدبر أولاً لفظ (وأقيموا الصلاة) على مراد الله تعالى في قوله (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً). النقطة الثانية مسألة الدخول في الصلاة ومسألة إقامة الصلاة، انظروا إلى كيفية قراءة الفاتحة وتلحظونها وأنتم في المساجد ستجدون أن هناك من يقرأها بطريقة لا تؤدي إلى خشوع ولا حتى تعطي له الأجر عليها فيقرأها بسرعة ثم يقول آمين، عندنا حديث قدسي في منتهى الإبداع يقول فيه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين أو نصفين فإذا قال بسم الله الرحمن الرحيم (لمن يجهرون بالبسملة في الصلاة) قال الله استفتح علي عبدي فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال فوّض إلي عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله يا عبدي مني العون ومنك العبادة أو قال على مراده هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الله هذا سألني عبدي ولعبدي ما سأل. بمعنى أنك تقرأ الفاتحة وكأنها تدور في حوار بينك وبين الله تبارك وتعالى، إسمع ما قال الله وكبقها في الصلاة فلا يمكن أن أقول بسم الله الرحمن الرحيم يجب أن أستشعر قوله تعالى استفتح علي عبدي وهكذا لكن القراءة التي تحدث من كثير منا سنكون مثل المسيء صلاته في حضرة النبي r الذي قال له إرجع فصليّ فإنك لم تصلي. فهذا الذي صلى في حضرة الرسول r اعاده الرسول لكن أنت من يعيدك؟ ستكون صليت وما صليت ولهذا أحذركم ونفسي بتقوى الله وإقامة الصلاة على مراد الله فيها وأول شيء قراءة الفاتحة على الطريقة التي ذكرها تعالى في الحديث القدسي أنت تتهيأ للسماع ولن تسمع لكن تمنى أن تكون من الذين يدور بينهم وبين الله تعالى هذا الحوار في الفاتحة. يجب أن توقع الصلاة إقامة لله تبارك وتعالى ولن تستغرق وقتاً فإذا ركعت لله فسبحه كما سبحه محمد r سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم والبعض من سرعة الكلام لا تظهر على أنها تسبيح وهذا ليس على مراد الله بالإقامة لكن علينا أن نتعلم من رسول الله r وفي السجود سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلة سبحان ربي الأعلى ولو أردت أن تسرع قلها مرة واحدة بتدبر لكن لا تقولها ثلاثاً وتسرع فيها. (وأقيموا الصلاة) لأنها ركن لا يسقط عن أحد مهما كان ولذلك من إقامة الصلاة الصلاة في وقتها والصلاة في جماعات وإلقاء الألفاظ على مراد الله فيها وبالخشوع الذي أمرنا الله تبارك وتعالى به وعلمنا إياه رسول الله r (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة) عائدين إليه قاطعين الطريق بينكم وبين ما عدا الله سبحانه وتعالى فتبقى في معية الله متقي له خائفاً خاشعاً مقيماً للصلاة. أسأله الله تبارك وتعالى تعالى أن يجعلنا من أولئك المنيبين إليه الذين يتقونه في كل أعمالهم الذين يقيمون الصلاة آناء الليل وأطراف النهار.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل