تفسير سورة الكهف - قصة موسى والعبد الصالح -1 - د. عويض العطوي

تفسير سورة الكهف – د. عويض العطوي

قصة موسى مع الخضر -1

 بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وبعد. أيها الإخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ما زال الحديث متصلاً عن هذه السورة العظيمة سورة الكهف، وما زال الحديث أيضاً متصلاً عن القصة الثالثة وهي قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، نحن تحدثنا في اللقاء الماضي أيها الإخوة الكرام عن القسم الأول من هذا اللقاء بعد ما لقي موسى عليه الصلاة والسلام العبد الصالح وحصل بينهما حوار، وقلنا إن هذا الحوار تركّز على اشتراطات محددة في قضية التعلم لموسى عليه السلام من العبد الصالح، فاتفقا على مجموعة من الشروط، ولعل أهم هذه الشروط ألا يبادر موسى عليه السلام بالسؤال عن أي شيء يراه إلا أن يُحْدث الخضر أو العبد الصالح لموسى عليه السلام ذكراً من ذلك الأمر الذي حدث، وهذا الأمر وهذا الاشتراط في أول أمره نراه سهلاً ميسوراً ولكن إذا عدنا إلى طبيعة الإنسان وأيضاً أحياناً ما يحمل الإنسان من مبادئ واصطدامها ببعض الأشياء المخالفة لما يراه ويعتقده نرى أن هذا الأمر يكون صعباً، فكثير من الأشياء أحياناً نراها نظرياً سهلة لكن عندما تواجه الواقع اختلف الأمر، وهذا هو البون الشاسع بين التعليم النظري بمعنى أن نسمع محاضرات ونتلقى دروساً ونقرأ في الكتب، وبين أن نمارس، هناك فرق كبير فقد تجد إنساناً يتحدث مثلاً أو يقتنع بالصفح والعفو عن الناس والتجاوز ويقول هذا شيء جميل، ولكن بمجرد أن يقع في موقف فيؤذى ويؤذيه أحد تجد أن هذه الأشياء وهذه المبادئ تخلّف منها شيء كثير.

هذا الأمر أيها الإخوة الكرام لا بد أن يكون في ذهن الإنسان، ما سنراه الآن وما سنتحدث عنه في شأن موسى عليه السلام هو يتعلق بمعتقده عليه الصلاة والسلام، وما يراه خطأً ومنكراً يجب أن يُنكر، وسنبين ذلك في موقعه إن شاء الله ، وأيضاً ننظر فيه إلى المصالح والمفاسد هل المصالح خاصة أم المصالح عامة، وهذا له تعلق كبير باختيار أي الاختيارين يختاره الإنسان، فكثير من الناس يختار الخيار الخاص به والمصلحة الخاصة به، بينما كل قرارات الأنبياء سواء في القرآن أو في السير تجد أنها متعلقة بمصلحة الأمة وليست بمصلحة الأفراد، وهذا الأمر يجب أن نتعلمه ونتخلص منه، نتخلص من الانتصار للذات ونفكر في مصلحة الناس حتى ولو كان ذلك فيه تخلف لمصلحة خاصة فردية أو لعدد قليل من الناس.

أيضاً تعلمنا في الجلسة الماضية أيها الإخوة الكرام أن العبد الصالح بيّن لموسى عليه السلام أن ما سيراه أو ما سيحصل أمر لا طاقة له بالصبر عليه، فقد نبهه على هذا الأمر من أول لقاء بل من أول كلمة ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وقلنا أن كلمة لن وتستطيع والفعل المضارع الدال على التجدد في المستقبل هذه كلها أشياء تدل على أنه سيقول له شيئاً، أو سيرى منه شيئاً فوق طاقته في الصبر مع ما عرف موسى عليه السلام وهو نبي وهو من أولي العزم من الرسل، لكن هذا ما أراده الله سبحانه وتعالى، وليعلمنا ذلك في صورة حياة نبي حتى لا يحتج المحتج.

هذه الأمور أيها الإخوة الكرام التي أحببت أن أبدأ بها حديثي الآن سنرى بعدها ما الذي حصل بعد هذه الاشتراطات؟

هذه نسميها حتى في علم التربية الآن نسميها اشتراطات التعلم، يريد الإنسان أن يتعلم منك لك أن تشترط عليه، نعم تتعلم لكن بالشروط الآتية وتذكر واحد واثنان وثلاثة، فإذا أخلّ هذا المتعلم بهذه الشروط لك الحق أن تتوقف عن تعليمه، وكما قلنا لكم كلما كان التعليم فيه شرط واشتراط وخصوصاً لنبهاء الطلاب كان ذلك أقوى في التعليم. لماذا قلنا هذا؟

لأن هذا الأمر وهو الاشتراطات والأخذ بها هو جزء من عملية التعليم نفسها فعندما يلتزم الإنسان بالوعد، يلتزم الإنسان بالشرط المتفق عليه هذا جزء من التربية، والتربية ما هي ؟

هي أن نتعلم بعد ذلك نطبق فهذا ميدان للتطبيق.

 المهم ﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا بعد هذا الشرط أيها الإخوة الكرام قال الله عز وجل: ﴿ فَانطَلَقَا وكأن هنا كلاماً يُبنى عليه الكلام السابق، هذا الكلام اللاحق يُبنى على الكلام السابق بدليل الفاء؛ فهذه الفاء تدل على أنه أصبح هناك اتفاق، أي فاتفقا على هذا الشرط وبعد الاتفاق انطلقا، والانطلاق أيها الإخوة الكرام هو ضد التقييد، وكأن هناك قيداً يمنعهما من الانطلاق، وبعد ذلك فُكّ هذا القيد فانطلقا ، وهذا القيد هو المتمثل في اللقاء الأول والاشتراطات فقبل أن يتحركا أي تحرك، وقبل أن يقول له أي كلام في طريقة التعلم القادمة كان هذا مثل القيد ليس هنا دليل على أن موسى عليه السلام وافق، ليس هناك نص لكن هذا دليل بما أنهما انطلقا دليل على أنهما قد اتفقا وأن موسى عليه السلام قد وافق وهذا أمر طبعي لأن موسى عليه السلام جاء ليتعلم.

إذاً فانطلقا وكأنهما كانا محجوبين عن الانطلاق، مقيدين عن الانطلاق، بسبب القيود والشروط التي قيلت، الآن اتفقا على الشروط، بدأت الرحلة الآن ولذلك الله عز وجل قال ﴿ فَانطَلَقَا .

قوله تعالى: ﴿ فَانطَلَقَا الاثنان دليل على أنهما انطلقا سوياً دون أن يتقدّم أحدهما الآخر، أو تكون هناك مزية لواحد منهما، ولو قيل ﴿ فَانطَلَقَا العبد الصالح أو الخضر وموسى بمعنى لم يشتركا في الضمير لكان هناك أمر آخر مثل قوله تعالى: ﴿ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ولم يقل اسكنا، بينما في الأكل قال:﴿ وَكُلَا  ولم يقل وكل أنت وزوجك، فالاشتراك في الضمير يدل على الاشتراك في الفعل.

﴿ فَانطَلَقَا أي الاثنان بدون تمييز لأحدهما دون الأخر.

﴿ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ حتى أداة يؤتى بها للدلالة على الغاية من الفعل السابق، إذاً هذا الانطلاق وهذه البداية لها غاية ستنتهي إليها، انطلقا ومشيا، حوادث أحداث قصص لا تعنينا، المهم مباشرة جاءت الغاية المطلوب قصها، المطلوب أن نعلمها فكانت الغاية هي التي جاءت بعد حتى.

﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖوتقدير الكلام حتى خرق السفينة لما ركب فيها، فالغاية التي وصل إليها هو خرق السفينة، إذاً هنا انطلقا لم يذكر لنا كما ذُكر في التفصيل السابق أنهما مسهما جوع أو نسيان أو أي شيء من ذلك أو فقدا بعض متاعهما أو أي تفصيل في هذه الرحلة لماذا؟

لأن هذا لا يتعلق به أمر مهم، بل الأمر المهم هنا هو ما الذي حصل؟ ما الذي حدث؟ وبعد الانطلاق ما الذي حصل؟

﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فجاء بعد حتى التي هي للغاية لغاية الفعل انطلقا إذا ، وإذا ظرف يدل على الزمن فالخرق الذي ذُكر هنا أين زمنه؟ أين وقته؟ أين ظرفه؟

ظرفه هو إذا ركبا في السفينة أي وقت ركوبهما في السفينة، وإذا قال قائل: لِمَ لَمْ يكن فانطلقا فخرق السفينة وقت ركوبهما دون أن يقال إذا؟ ما فائدة إذا أن تأتي هنا دون أي ظرف آخر مثل وقت أو لحظة أو زمن ...إلخ ؟

لأن إذا فيها ميزة أخرى وهي المفاجأة أو حصول الحدث غير متوقع، فالمتوقع عندما يركبا في السفينة ليس هو هذا الأمر، بل المتوقع عندما يركبا في السفينة أن يجلسا مع أهلها، أن يتعرفوا عليهما أن يأخذا مكانهما أي شيء آخر لا أن يخرب أحد السفينة بخرقها، والخرق هنا أيها الإخوة الكرام هو بقلع بعض خشب السفينة المتعلق ببدن السفينة من الأسفل أي من جهة الماء، هذا تخريب في الظاهر فهذا ليس أمراً متوقعاً ولذلك جاء إذا لتشعر بهذا الحدث الغريب الغير متوقع.

﴿ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا أيضاً في قوله تعالى: ﴿ رَكِبَا اشتراكهما في الضمير في الفعل يدل على أن ركوبهما كان سواءً، ولم يكن ركوب الخضر أولاً بعد ذلك تبعه موسى عليه السلام، أو موسى أولاً أو بينهما زمن، وهذا فيه دلالة على أنهما كانا متصاحبين، فلم يغب أحدهما عن الآخر حتى يؤول الأمر، أو يشك فيه أو يظن ظن، كلاهما مع بعضهما فموسى عليه السلام إذاً معه ويراه وينظر ماذا يفعل، فبمجرد أن ركبا في السفينة حصل منه هذا الفعل هذا أمر غريب تخيل أنك تذهب إلى إنسان وتركب معه في سيارته أول ما تركب تخرب سيارته أمر ما هو مقبول في الظاهر وأمر مستغرب.

طبعاً في قوله تعالى:﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ طبعاً يسبقها أنهم اتفقوا معهم وربما دفعوا لهم أجرة أو لم يدفعوا المهم فيه اتفاق لا يمكن أن يأتي أناس هكذا يركبون بدون شيء لكن كل هذه الأحداث ليس لها قيمة لذلك لم تُذكر .

﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ الأصل في فعل ركب أن يُعدّى بنفسه فيقال: ركب فلان الدابة أو يُعدّى بعلى فيقال: ركب فلان على الدابة، ولا يقال ركب فلان في الدابة إلا إذا كان مكان الركوب مظروفاً بالدابة، الدابة على سبيل الخصوص لا يمكن أن يركب الإنسان في وسطها ولكن لابد أن يركب عليها﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَاولم يقل لتركبوا فيها، بينما الأشياء الأخرى التي يركبها الإنسان وغالباً ما يركب في جوفها وليس عليها تجد أنها جاءت بفي، وفي حرف جر يدل على الظرفية بمعنى شيء بداخل شيء. فقوله تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ دون أن يقال حتى إذا ركبا على السفينة، لأن هذا هو الأمر الخطير فلو كان الركوب على لكان قلع هذه الخشبة كان من ظاهر السفينة، وهذا لا يضر السفينة بشيء إنما الذي  يضر السفينة هو قلع هذا الخشب أو هذا اللوح من بدنها الموالي للماء وهو الأخطر، لكن لو قلع شيئاً من فوق ما ضر فدلّ ذلك على أن في هنا أشارت إلى فعل مقدر وهو حتى إذا ركبا ودخلا في السفينة، وهذا نسميه في علم اللغة التضمين، فيأتي حرف الجر ليدلك على فعل غير مذكور ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا أي يشرب ويروى بها، والمقصود الري وغيرها كثير فدل حرف هنا على أنهما الركوب ما كان فوق كان في داخل السفينة فوصل إلى بدن السفينة من الداخل وقلع اللوح فبدأ الماء يدخل في جسم السفينة وهذا الذي دلنا عليه هو حرف الجر في فأصبح فوقهم جزء من السفينة وعن يمينهم جزء من السفينة ومن تحتهم جزء من السفينة فهم مظروفون فيها بداخلها وليسوا عليها.

﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ السفينة هنا جاءت معرّفة أي معرّفة لهما وأكيد أنهم تعرفوا على هذه السفينة وإلا كيف ركبوا فيها؟ فالسفينة الآن مذكورة بالنسبة لهما فهو أل هنا للتعريف الذهني الموجود بمعرفتهما هما فمؤكد أنهما قابلا ناساً واستكروا هذه السفينة أو دفعوا لهم أجراً المهم أن السفينة بالنسبة لهما معروفة.

﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖلاحظوا معي أن الأفعال السابقة كلها كان يشترك فيها موسى عليه السلام والعبد الصالح في قضية الانطلاق فانطلقا وقضية الركوب ركبا وقضية الخرق واحد الذي خرق خرقها ومؤكد هنا أن الضمير هنا يعود على الخضر على العبد الصالح بدليل الإنكار الذي بعده، فإن الإنكار الذي بعده صدر من موسى عليه السلام فعلمنا من الذي خرق.

﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖأي خرق العبد الصالح السفينة، والخرق كان بقلع لوح فيها، والخرق إحداث فجوة في المكان، وهذا المكان هو بدن السفينة فبدأ الماء يدخل إلى السفينة، وأخطر شيء على السفينة هو دخول الماء فيها، فكل ما كان الخرق متسعاً كان الأمر أصعب لكن هنا لا يظهر أن الخرق كان كبيراً لكنه في أصله تخريب، ولذلك أنكره موسى عليه السلام فالناس في البحر وبعد ما مشت السفينة خرقت هذا الأمر يدل على أو يشير إلى خلل كبير فيها قد يتسبب في غرقها، وإذا غرقت غرق أهلها ولذلك قال موسى عليه السلام مباشرة يعني لاحظوا معي سرعة الأحداث، ركبا في السفينة أول ما دخلوا في جوفها قلع اللوح الذي فيها دخل الماء، مباشرة اعترض عليه موسى عليه السلام قائلاً: ﴿ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا قائل أخرقتها هو موسى عليه السلام.

﴿ قَالَ أَخَرَقْتَهَا أخرقتها أي السفينة.

﴿ لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ليس بالضرورة أن يكون قد علم مراد الخضر وأنه يريد إغراق أهلها، ولكن لأن هذا هو الأمر الحتمي الذي ستؤول إليه نتيجة هذا الفعل، فإنه إذا خرقت السفينة دخلها الماء، وإذا دخلها الماء غرقت، وإذا غرقت غرق معها أهلها.

﴿ لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا اللام هنا فيها إشارة إلى نتيجة هذا الفعل وهو الخرق. ولا شك أيها الإخوة الكرام أن كلمة أهلها تدل على أن في السفينة جمع من الناس فليست فرداً واحداً، ولا شك أن إهلاك أناس والتسبب في موتهم وكل ما كثرت الأنفس أن هذا أشنع.

من الأشياء الدالة على سمو أخلاق الأنبياء والتي دفعت موسى عليه السلام لأن ينكر هذا الإنكار أنه رأى عليه الصلاة والسلام في هذا الفعل تسبباً في إلحاق الضرر بالناس الذي قد يصل الحد به إلى موتهم وغرقهم ولذلك قال: لتغرق أهلهاوهو عليه الصلاة والسلام على متنها ومعه معلمه الذي يريد أن يتعلم منه، فهم الآن من أهلها ولكنه أظهر الحديث عن الأهل أي أهل السفينة تناسياً لحاله عليه الصلاة والسلام، فلم يكن يهمه نفسه بقدر ما كان يهمه حال الناس، ولذلك تحدث عن الناس أكثر من تحدثه عن نفسه عليه الصلاة والسلام رغم أن ألأحداث تدل على أنه لا يعرفهم وربما حتى لا يعرف ديانتهم، ولا من هم، ولم يسدي إليهم شيئاً ولم يسدوا إليه شيئاً فليس هناك سابق معرفة، لكن من حق الإنسان أن تُحفظ نفسه وأن يُدافع عنه ولذلك قال: لتغرق أهلها، ولم يقل أخرقتها لتغرقنا وهذا هو السائد في أغلب كلام الناس، فإن الإنسان وقت الأزمات غالباً ما ينتبه لنفسه أكثر ما ينتبه لغيره، إلا أصحاب القلوب الكبيرة والمبادئ العظيمة فإنهما غالباً ما ينتبهون إلى الناس أكثر من انتباههم لأنفسهم، ولذلك هذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يبقى ليلة كاملة يقرأ آية﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ آية ليلة كاملة لم يدع فيها لنفسه صلى الله عليه وسلم بشيء بل كلها لأمته عليه الصلاة والسلام فهل نحن أيها الإخوة الكرام نحمل هم الناس ومشاكل الناس وأمور الناس أكثر مما نحمل همومنا؟ في هذه اللحظة التي ربما يموت فيها كل من على السفينة اهتم موسى عليه السلام بحال الناس قال: لتغرق أهلها ولم يقل لتغرقنا وربما يكون عند بعض الناس شيئاً أشد من ذلك فيقول لتغرقني فبعض الناس لا يهتم حتى بصاحبه بل يهتم في مثل هذه المواقف بنفسه فقط.

﴿ لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا إذاً هو عليه الصلاة والسلام بيّن له سبب الاعتراض بقوله: لتغرق أهلها وسبب اعتراضه هو أن هذا الأمر يؤدي إلى إتلاف الأنفس، ثم قال أيضاً في بيان لأهمية أو لشدة وقع هذا الأمر على نفسه عليه الصلاة والسلام فقال: لقد جئت أي لقد فعلت.

﴿ شَيْئًا إِمْرًا إمراً يعني عظيماً وهذا الذي قاله هرقل لما كان يسأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أحواله قال: لقد أَمِرَ أَمْرُ أبي كبشة عليه الصلاة والسلام ، أَمِر يعني عظم، وأَمِر أيضاً فيها دلالة العظم بالتكرر أحياناً المهم في النهاية كلمة تدل على عظم الأمر، أي لقد جئت شيئاً عظيماً، هذا الشيء العظيم هو التسبب في قتل الناس أو إزهاق أرواحهم.

وقد جاءت قراءة الجمهور {لتغرق أهلها} وفي قراءة أيضاً {لِيَغْرَق أهلها}.

{لتغرق أهلها} يعني أنت تتسبب في إغراق الأهل فتكون على سبيل التخاطب وتوجيه الكلام إليه، أما {ليغرق أهلها} فأصبح الفاعل هنا الأهل وفي كلا القراءتين يتم هناك تواصل المعنى أو تكامل المعنى، فيكون في الأولى بيان للمتسبب، وفي القراءة الثانية بيان لمن وقع عليه الغرق، وعلى كلٍ هذا الأمر الذي حصل مع موسى عليه السلام دعاه لأن ينكر ويخرج الشرط السابق الذي بينهما، وهذا الخروج أيها الإخوة الكرام علّله موسى عليه السلام بأنه كان على سبيل النسيان للشرط، وجاء ما يؤيد ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " كانت الأولى من موسى عليه السلام نسياناً" إذاً الحادثة الأولى التي حصلت واعترض عليها موسى عليه السلام كانت نسياناً منه، وقد قال هو ذلك بنفسه، وقد جاءت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ذُهل ونسي الشرط رغم قصر المدة لأنه اهتم بأمر الناس ونسي ما بينهما من التشارط السابق، فنسي ما حصل بينهما وأنكر على سجيته وطبيعته عليه الصلاة والسلام في ما هو ضرر على الناس.

﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا أي شيئاً عظيما.

﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا القائل هنا هو الخضر عليه السلام.

﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ ألم هنا استفهام، والاستفهام هنا يعني التقرير والعتاب، معنى التقرير يريد منه أن يقرّ بأن هذا الأمر حصل منه سابقاً.

﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا أليس هذا الكلام حصل بيني وبينك وقلت لك هذه العبارة  إنك لن تستطيع معي صبرا؟

وهذا دليل على دقة هذا الشرط وهذه المعلومة التي قالها في أول الحديث وأنها مقصودة فذكره بها، والاستفهام هنا للتقرير أي لدفع المُخاطب لأن يقر بنصها بأن يقول نعم ، نعم أقرّ بأنك قلت لي هذا الكلام هذا يسمى الاستفهام التقريري، مثل أن تقول لشخص ألم أقل لك ذلك؟ ألم تفعل هذا الأمر؟ تريد منه أن يقول: بلى فعلت هذا الأمر هذا يسمى التقرير، ولكن هذا التقرير ليس مقصوداً لوحده بل المراد منه أيضاً التقرير والتذكير والعتاب، لأنه يريد أن ينبهه إلى أن الشرط الذي بسببه يستمر التعلم هو ألا تعترض، وأنت قد اعترضت وقد اتفقت معي سابقاً على ألا تعترض على شيء وأن تصبر فالآن أنا أذكرك.

في قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ ولم يذكر ولم يأتي هنا متعلق الفعل بمعنى أن يقال: ألم أقل لك، فيحدد المقول له القول، قال: لأن المقام يقتضي ذلك فالحديث كان بينهما وليس هناك طرف ثالث حتى ربما يتوهم أن يذهب إليه الكلام، فالكلام بينهما ولذلك لا حاجة لأن يذكر المُوجَه إليه الكلام بأن يقول لك، ألم أقل لك فالحديث السابق بينهما ولم يكن هناك طرف ثالث، لكن سيأتي معنا موقف الآن يذكر فيه لك سنعرف ما سببها.

﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا والعبارة نفسها تكررت من قبل في أول لقاء بينهما وفي أول كلام دار بينهما إنك لن تستطيع معي صبرا، وهذه العبارة مؤكدة بمجموعة مؤكدات إنّ في بدايتها وهي حرف توكيد ونصب كما تعلمون وهي تدل على توكيد الجملة الواقعة في حيزها، وأيضاً لن، وتستطيع بالمضارع الدال على التجدد الأمر، ولكن هناك خصيصة ذكرناها سابقاً ونشير إليها الآن وهي قوله معي، ومعي هنا نسميها قيداً، فكأنه يريد أن يقول له أنت ربما تصبر في مواقف كثيرة لكن معي لا، ولذلك قال: إنك لن تستطيع معي صبرا ولم يقل له: إنك لن تستطيع صبراً فهو يصبر لكن معه هو بالذات ما يصبر، ولذلك الإنسان قد يكون هناك مواقف يصبر فيها ومواقف لا يصبر فيها هذه طبيعة الإنسان فهو ذكر له هذا قال: معي، وهذا دليل على أن هناك مواقف قادمة أيضاً سيكون موسى عليه السلام فيها غير صابر بسبب أنها حدثت مع هذا العبد الصالح الذي بين له هذه الحقيقة في أول كلامه.

لما ذكّر العبد الصالح موسى عليه السلام بهذه القضية لاحظوا معي أنه ذكّره ولم يعنّفه ولم يقل له: ما علاقتك بهذا الأمر أين ما دار بيني وبينك؟ أين الاشتراطات؟ ذكّره فقط قال : ألم أقل لك، وهذا من حسن الأدب وأيضاً من كمال العقل في معالجة الأخطاء، فقد يخطئ أي إنسان معك فليس من الحكمة المواجهة مباشرة فهو لم يحدثه عن قضية خرق السفينة، ولماذا اعترضت عليها، هذا لم يتحدث فيه، هو ركّز فقط على قضية الشرط السابق.

﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ففهم عليه الصلاة والسلام أن هذا الأمر تذكير من هذا المعلم له عليه الصلاة والسلام ، فماذا قال؟

لم يناقش الأمر كثيراً، أو يعلل أو يبرر أنا فعلت هذا لكذا، وهذا فيه إزهاق للأرواح لم يعترض على هذه الأشياء، نبهه على الخطأ الذي حصل وهو عدم الالتزام بقضية الشرط، فعلّل موسى عليه السلام ليس خرق السفينة وإلا غيرها بل علّل فعله هو، وهو الاعتراض بقوله: ﴿ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ لاحظوا معي إخواني الكرام أنه قال: لا تؤاخذني ولم يقل له اعذرني، فرق شاسع بينهما، ما قال له: اعذرني لأني نسيت فيجعل النسيان سبيل للعذر، بل جعل النسيان سبيل لعدم المؤاخذة، وهذا دليل على أنه عليه الصلاة والسلام رأى أن في إخلافه الشرط سبباً للمؤاخذة فلو آخذه الخضر بهذا معه الحق ولو مرة واحدة، لاحظوا الآن كيف اختلف الوضع في أول اللحظة أنكر عليه بشدة وأن هذا أمر عظيم للغاية، ولكن بالمراجعة والمناقشة والمحاورة لاحظ كيف حدثه بعد ذلك قال: لا تؤاخذني وإن حصلت منك المؤاخذة فلك الحق في ذلك، ولم يقل له: اعذرني لأن كلمة اعذرني تشعر بأن ليس لك الحق في المؤاخذة فأنا لم أفعل شيئاً يستحق المؤاخذة، لاحظوا معي الآن لو حصل هذا مع واحد منا كيف يكون تعبيره؟ كيف يكون كلامه؟ أنا ما فعلت إلا الخير وهذا خطأ وهذا يجب أن يُنكر لاحظوا بعض التعبيرات التي تدور أحياناً، وقد ينكر على عالم جليل أو إنسان له نظرة معينة أو عنده رؤية أبعد من هذا، ونحن دائماً نريد بعض الأشياء بسرعة، ونريد أن يفعل الناس ما نراه نحن هذا ليس صحيحاً، فظُنْ بالناس الخير والنظر إلى ما هو أبعد، قد يفوتك هذا الأمر فكن أيضاً حكيماً في عبارتك ولطيفاً فيها، وفي حديثك وظن بإخوانك وبالناس خيراً.

فلاحظ معي وهو موسى عليه السلام قال: لا تؤاخذني أنا أخطأت وأنا حقيق بالمؤاخذة.

﴿ لَا تُؤَاخِذْنِي هذا مأخوذ من فعل أخذ، أخذه بكذا أو بجريرة كذا، لكن إذا بولغ في الفعل جاء على صيغة المفاعلة وهي الواردة هنا تؤاخذ.

﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّـهُ النَّاسَ هذه صيغة مفاعلة تدل على المبالغة.

﴿ لَا تُؤَاخِذْنِي لا تأخذني بشدة .

﴿ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ أي الحادثة الأولى نسيان فأنا نسيت الشرط الذي بيني وبينك ودفعتني طبيعتي واهتمامي لهذا الأمر ورؤيتي لما هو خطأ أن أنسى هذا الشرط وأفعل ما ينبغي أن أفعله.

﴿ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وهذا يا إخواني الكرام إذا كان موسى عليه السلام قد رجع عن الخطأ الذي رآه خطأً في هذه اللحظة في لحظة بسيطة وزمن قصير وبعضنا لا يتراجع بل يريد أن يبرر الخطأ بخطأ آخر وغير ذلك ، وهو نبي عليه الصلاة السلام رجع وقال لا تؤاخذني أنا أخطأت لكن لا تؤاخذني بهذا الخطأ.

﴿ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا لا تحملني على أمر أعسر من هذا، وهذه بداية تدل على أن موسى عليه السلام أدرك أن القادم قد يكون أعظم، فهو من أول لحظة لم يصبر من أول اختبار لم يصبر، فكأنه أشار إليه أن ترفق بي فإذا كنت ما صبرت على هذه فلن أصبر على ما هو أعلى منها وأعظم.

﴿ وَلَا تُرْهِقْنِي الرهق هو الإتعاب أو حمل الإنسان على ما لا يطيق، فلا تحملني على ما لا أطيق من أمري ويكون فيه عسر ومشقة علي، هذا نوع من أنواع ما يسمونه بيان طبيعة الطالب أو المتعلم يبين طبيعته أو وضعه أو ظروفه لمن يُعلّمه حتى يعذره في بعض الأشياء، ممكن أن يبين له بعض الأمور التي يعامله من خلالها .

﴿ فَانطَلَقَا الآن انتهت المحاورة فلاحظوا معي يا إخواني الكرام قصر المحاورة ودقة العبارات فيها والوصول إلى نتيجة، ولاحظوا حواراتنا الآن في أشياء أقل من هذا.

دعونا لو حصل هذا الأمر بين اثنين مثلاً شاب يريد أن يتعلم من عالم رآه قدوة ومثالاً وذهب إليه من مسافات طويلة ولكن لما وصل عنده رأى منه ما لا يحب، أو رأى منه ما لا يرى أنه يجوز فعله ماذا يحصل؟ لاحظوا الكلام، لاحظوا الاتهامات وما يستحق هذا المشوار كله ، لاحظوا الكلام الذي يقال حتى لو أراد تبرير أو محاورة لاحظ طول الحوار والاتهامات للنفس، وأحياناً الاتهام في معتقد الإنسان أو في نيته، الأمور هذه لازم نتعلمها يا جماعة في لحظة في حوار قصير انتهى كل شيء واتضح البيان ورجعنا لأصل الحوار، وهذه نقطة مهمة جداً في التعامل، الموضوع كله ليس قضية أن نركب سفينة أو نخرقها أو لا نخرقها، القضية كلها أن موسى عليه السلام جاء لهدف وهو التعلم وبالتالي حصل الاشتراط، كل الأشياء الأخرى ممكن تأجيلها بعد ذلك للنقاش في القضية الأصلية وهي أن نعود إلى التعلم والاشتراط في التعلم فعاد مباشرة ودليل ذلك               ﴿ فَانطَلَقَا وأيضاً كلمة انطلقا تدل على أن الخضر عليه السلام قبل عذر موسى عليه السلام، وإلا ما انطلقا بدليل اشتراكهما في الفعل انطلقا، إذاً قد انطلقا على هيئتهما يوم انطلقا أول مرة فهما سواء.

﴿ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا هل طال هذا أو لم يطل؟ هل حصلت أحداث أخرى؟ الله أعلم، الذي يهمنا أن هذا هو الحدث الذي ذكر.

﴿ حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا أيضاً هنا جاءت إذا للإشعار بأن الذي سيحدث فيها وهو وقت وزمن وظرف أمر غريب عجيب، والمرة هذه لم يحصل خرق لسفينة، بل قتل للغلام وجاء فيه ما لم يذكر في السابق وهو حرف الفاء في قوله تعالى:﴿ حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ بينما في السابق قال الله عز وجل: ﴿ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖولم يقل فخرقها، والسبب أن الفاء هنا تشعر بالتعقيب السريع وذلك أنهما لم ركبا السفينة، السفينة تركب من فوق عادة فلابد من النزول وتكامل الركاب والدخول في البحر قليلاً إلخ، فهناك زمن ولم يحصل الخرق مباشرة بمجرد الركوب، ولكنه ليس زمناً طويلاً بعدما دخلت السفينة في البحر وركب الناس فيها ومشت حصل الخرق أما الذي حصل مباشرة بعد اللقيا فهو قتل الغلام بدليل الفاء﴿ حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا أي هو والخضر، وأنا قلت لكم أن وجود الضمير في فعل واحد وهو للاثنين حتى لا يُظّن أن موسى عليه السلام فعل فعلاً مختلفاً أو أن الخضر عليه السلام ذهب إلى مكان أو كلّم أحداً أو عرف أناساً أو اطّلع على شيء لم يطّلع عليه أو أن هؤلاء الناس آذوه، لكن كلهم مع بعض فهو يراه ويمشي معه فأول ما وصلوا إلى غلام ليس بينهم معرفة ولم يسبقه هو إليهم حتى قد يقول حصل شيء هما مع بعضهما انطلقا أيضاً لقيا غلاماً والملاقاة أيها الإخوة عادةً تكون للزائر أو للعدو، المهم أن فيها نوع من المواجهة والانفراد غالباً فيكون وجهاً لوجه وعليه ورد قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ كأنه شيئاً ننتظره، بعض الناس كأنما ينتظر الخبر السيئ انتظاراً، كأنما يتلقاه تلقياً كتلقي الغائب، فالغائب الآن في سابق العهود كان الإنسان إذا جاء من سفر أو غائب يتلقاه الناس خارج البلد، واليوم يتلقونه في المطارات وغير ذلك، فهذا طبيعي في الناس المهم أنه لقيه أي واجهه.

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل