طريق الهداية - شرح آيات سورة الجن (1-10)

طريق الهداية

التوبة و الاستغفار 139

تابع شرح آيات سورة الجن [1-10] وآيات سورة الأحقاف [29-30]

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) [الجن:1-9]

 

(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأحقاف:29-30]

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم الأحبة الكرام سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، موعد ولقاء جديد نخطو فيه سويا خطوات على طريق الهداية، رحلتنا في الحلقات السابقة مع قصة استماع الجن للوحي والقرآن والكتاب والذكر يتلى على قلب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) استفدنا منها دروسًا كثيرة ويمكن بالتدبر نصل لدروس أكثر. وقبل الأسئلة أريد أن أذكركم بمسألة أن تلقي الجن لكلام الله أفضل من تلقي الإنس فأرجو أن نتدبر تدبرًا هادئا وارتحالات بين آيات وسور القرآن وربطها بالأحاديث النبوية التي توضح وتبين التدبر والفهم ثم التطبيق. عندي وقفة فيما يتعلق باختلاف الأسماء فالجن مرة تقول إنا سمعنا قرآناً عجبا ومرة أخرى تقول إنا سمعنا كتاباً، بعض الناس تتساءل هل هناك فرق بين الكتاب والقرآن؟! وأن الأول يشير للتدوين بينما الثاني يشير للقراءة، أو أن الفرق في المرحلة الزمنية فهو قرآن وقت النزول لكن بعد ما أصبح مصحفًا بين أيدينا فأصبح كتاباً، بالإضافة إلى أننا يمكن أن نجد في القرآن أسماء أخرى مثل (الذكر، والحكمة) مثل الآية [43-44] من سورة النحل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) نوضح الألفاظ أولا ثم نبدأ الأسئلة.

د/ هداية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا ربنا تسليما كثيرا وبعد، نقف عند كلمة الناس التي تقولها فأنت قلت في حلقة من الحلقات كلمة (ناس من الجن) فاعترض أحد الأشخاص على هذا مبينًا أن الناس نحن فقط، وأنا أعتبر هذا من الأخطاء الغريبة بحيث يضع الشخص القاعدة بنفسه دون الرجوع إلى كتاب أو تفسير. القرآن نزل للإنس والجن، والعبودية قائمة من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56] كل كتاب منزل من السماء للإنس والجن، وكلمة الناس تطلق على الإنس والجن (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:21] من الآيتين نفهم أن كلمة الناس للإنس والجن معاً، لأنها من النَّوَسِ والتذبذب وهذه مسألة قائمة للإنس والجن فالإنسان دائماً حاله متغير ومتذبذب حتى المستقيم يتذبذب في العقيدة، فأنا أتحدث في نقطة خطيرة جدا أن بعضنا الآن يضع بنفسه القواعد ويلتزم بها دون الرجوع إلى مصادر صحيحة، متصورا أنه يفهم كل شيء. فقالها علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): (لو كان الدين بالرأي لمُسِحَ على الخف من أسفله)، فالدين ليس بالرأي الشخصي أو ارتجالاً، بل إن الدين له قواعد، حتى الرجل الذي يفسر القرآن بتفسير جديد لا بد وأن يكون عنده قواعد التفسير، وكيف تستخدم الكلمة القرآنية، وإلا فلا يستطيع أن يفسر وستتداخل الآيات مع بعضها البعض، وهذا ما فعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه شرح للناس وعلمهم كل شيء، واليهود حسدتنا على هذا وقالت أنه (صلى الله عليه وسلم) علمنا كل شيء حتى دخول الخلاء. (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107] والرحمة تشمل كل شيء: توجيه، وتعليم، وارشاد، ونصح فالقضية كانت تحتاج لوقفة.

بالنسبة لسؤالك وبعرض الآيات تتضح القاعدة القرآنية (أن الكلمة القرآنية بتغيرها يتغير المعنى) وعندما يتغير المعنى فهو يتغير بمدلول الكلمة الجديد يعني: القرآن هو الكتاب هو النور هو الذكر لكن كل كلمة ستجد لها مدلولًا باستخدامها في الآية، فكلمة الفرقان مثلا لها مدلول مختلف عن كلمة القرآن. وليس من قبيل الصدفة أن الجن يستخدم مرة قرآنا عجباً ومرة كتابا أنزل من بعد موسى، وقلنا أن القرآن في النهاية هو صياغة إلهية ولو كان على لسان أي شخص، وهذا تمييز للقرآن عن أي كتاب آخر، بدليل أن الجن لم يذكر الإنجيل ساعة قال من بعد موسى. كل هذا لا بد أن يُعرض له عند التفسير وهذه ليست عشوائية فكل كلمة لها مدلول، فالوقفة مع الكلمة لا بد أن تكون في المدلول وليس في المعنى. الآية هنا تقول (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا) هنا كلمة قرآنا منطقية جداً، لأنه قرآن فيُسمع، بينما إذا قالوا سمعنا كتاب، فالكتاب يُكتب ولا يُسمع وماذا كان الأولى يقولوا مع كلمة كتاب؟!

المقدم: إنا قرأنا.

د/ هداية: بالضبط، فأنت تتكلم في المعنى وليس في المدلول، فلو كانوا يتكلمون في المعنى لقالوا قرأنا لكنهم قالوا (سمعنا كتابا) فلماذا قالوا كتابا مع سمعنا؟ ولماذا قالوا قرآنا؟ وفي موضع آخر قيل الذكر؟ ولأوضحها أكثر إعرض لآية الصيام (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة:185]، ثم قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة:2]، ثم قال (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ)، ثم (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ)، إذن الذكر هنا سيكون لها مدلول، ولكنك عندما تسمع كلمة الذكر تفهم أنها القرآن أو الكتاب.

المقدم: لكن عندي في آية سورة النحل إشكالية (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) إذن المولى عز وجل يقول لمحمد (صلى الله عليه وسلم) أنه نزل عليه الذكر لكي تبين للناس ما نُزِّل إليهم فهذا كلام إلهي يقر أن سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هي وحي من السماء وكأنها نوع من التطبيق الفعلي لتطبيق القرآن الكريم وتفصيل لما هو مجمل من عبادات ومعاملات، وهذه الآية ممكن أن ترد على كثير ممن يقولوا أنهم قرآنيين، وأليس من الأفضل ان نقول على هؤلاء أنهم منكري السنة بدلا من القرآنيين؛ لأن القرآن شرف لمن ينتسب إليه.

د/ هداية: وسأضيف لك نقطة لما تتحدث فيه هو أن القرآني لا بد أن يكون من أهل السنة؛ لأنه تلقى القرآن عن من ؟! عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فالقرآني بإطلاقهم هم – وأنا أؤيدك أنهم لا بد أن يُطلق عليهم منكري السنة – لو سألته تصلي وأجاب بنعم فقل له كيف تتوضأ؟! ومن أين أتيت بهذه الطريقة في الوضوء؟! وكيف عرفت أن صلاة الظهر أربع ركعات مثلاً؟! أخرِج هذا من القرآن، وهذا ليس تقليلاً للقرآن، فآية سورة النحل بين طي الآيات هناك دور للرسول يُقره الله تبارك وتعالى. وأضيف لك نقطة، طاعة الله تبارك وتعالى كم مرة جاءت (وأطيعوا الله والرسول)، وكم مرة جاءت (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر)؟! والسؤال هل جاءت (وأطيعوا أولي الأمر)؟! فهنا طاعة الله تبارك وتعالى جاءت بعد الفعل وعطفت عليها كلمة الرسول، فممكن أن يفهمها شخص أن طاعة الرسول من باطن طاعة الله تبارك وتعالى ساعة يأمر بالقرآن، وعندما يقول (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) أربع مرات في القرآن، وعندما أمر بطاعة أولي الأمر لم يقل و أطيعوا أولي الأمر بل عطفها على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، إذن فطاعة أولي الأمر من باطن طاعة الرسول، لكن الله تبارك وتعالى أفرد لرسوله (صلى الله عليه وسلم) طاعة منفصلة عن طاعته وهذا هو الدور الذي لاحظته في سورة النحل. أنه بين الحروف والكلمات هناك دور للرسول (صلى الله عليه وسلم) أقرَّه القرآن وبيَّنه الله تبارك وتعالى ساعة أفرد الطاعة لرسوله (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ولم يقل أبدا (وأطيعوا أولي الأمر). فمرة جاءت طاعة الرسول مضافة إلى طاعة المولى عز وجل ومرة جاءت منفصلة؛ ليبين أن الإنفصال للطاعة للرسول لم ولن يكون إلا في أمر معتدل قائم على شرع؛ ليفهم الناس أنه حتى لو تحدث الرسول (صلى الله عليه وسلم) بغير القرآن فهو بإلهام من الله تبارك وتعالى أو توجيه إلهي وساعة ينقطع عنه هذا الوحي أو الإلهام أو التوجيه الإلهي لا يتكلم، وشاهدي السيدة خولة (المجادلة) قال: (ما أراك إلا قد حرمت عليه) بمعنى أن التشريع الإلهي حتى هذه اللحظة يقضي بأنك قد حرمت عليه، معنى هذا أنه لا يشرع من عنده فهو يتكلم ساعة يسمح له القرآن، إذن كل كلامه لا بد أن يكون محل اعتبار (الحديث الشريف) نعم هناك أحاديث موضوعة عليه (صلوات ربي وسلامه عليه) نتكلم فيها ونبين. لكننا للأسف أصبحنا في زمن الإفراط والتفريط؛ إما تقديس لبعض كتب السنة لدرجة العبادة، وإما اهمال لها بالكلية، وهذا يتنافى مع قول الحق تبارك وتعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة:143].

المقدم: تقصد المسلم الوسطي السني الحق المتبع لسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا بد أن يتمسك بالقرآن والسنة الصحيحة

د/ هداية: والسنة الصحيحة ؛ فمن أساسيات اتباعي للرسول (صلى الله عليه وسلم) هو التحقق من الأحاديث، وهو الذي قال (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهذه ليست مسألة شخصية عند محمد (صلى الله عليه وسلم) ستشينه في شخصه؛ وإنما لأن كلامه هو (صلى الله عليه وسلم) بإلهام وبتوجيه من الله تبارك وتعالى فهذا الكذب سيشين الإسلام.

المقدم: فلا بد أن يكون الكلام موثق بمصدر سواء رواه البخاري أو مسلم أو .. وأن يكون منُقى.

د/ هداية: ولا بد من تأييد ما قلته وهو ألا تسمي نفسك قرآني وأنت لا تطبق؛ لأنك أسأت للقرآن مع إساءتك لنفسك فأنت منكر للسنة والقرآن بريء منك؛ لأن القرآن كلٌّ لا يتجزأ فالقرآن أمر بطاعة الرسول منفصلاً عن القرآن والوحي وهذه هي عقيدتنا.

المقدم: سنحل هذه الإشكالية بعد الفاصل لنجمع الخيوط التي تبعثرت.

********فاصل **********

المقدم: السؤال المطروح لحل الأزمة التي انتشرت في الفترة الأخيرة من تخبط الناس بين تعدد الروايات ودخول الإسرائيليات. فظهرت من هنا آراء تنادي بترك السنة كلّية والإكتفاء بالقرآن الكريم، فكيف نحل هذه الإشكالية دون أن نُحدِث فتنة عند الناس؟! فأنا شخصيا تعرضت لهذا عندما قدمت برنامج المعجزة الكبرى مع المهندس عدنان الرفاعي وكان له آراء تختلف مع كثير من علماء الأمة. بعيدًا عن شخصنة القضية فأنا كنت أعرض الرأي وكلٌّ مسؤول عن رأيه، لكن الشباب المسلم الآن سهل أن يتعرض لهجوم على دينه من بعض المتصيدين على شاشات الدردشة ولا يستطيعون الرد بسبب قلة الثقافة وقلة الوعي الديني فيحدث تشكيك في عقيدتهم. أليس من الواجب علينا كمسلمين أخذنا على عاتقنا هم الدعوة أن ندافع عن الإسلام والقرآن وسنة الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟! ولماذا هذا التفكك بين منكر للسنة بالكلية وبين مُقدِّس لكتب الحديث، أين الوسطية ؟!

د/ هداية: الوسطية في المنهج، فنحن وصلنا لهذا بسبب عدم وجود منهج في التلقي، فإذا رجعنا بالتاريخ إلى عهد محمد (صلى الله عليه وسلم) لنعرف كيف وصلنا إلى ما نحن فيه فلا بد أن نعرف كيف بدأنا؟! بدأنا بجبريل (عليه السلام) ينزل بالقرآن بداية من (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). ولكي ننصف بعض الذين اتُهموا بالتقصير (إقرأ) لم تُشرح بالوجه الصحيح في مدلولها، وأتحدى أي شخص يقول أن (إقرأ) شرحت بمدلولها الصحيح في أي كتاب من كتب التفسير، ولست أنا من يتحدى فالقرآن تحدى من مطلع الرسالة (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة:23] رقم 78 في النزول أي أن القرآن لم يتحدى إلا بعد استقرار أوضاع التعليم والقرآن – وهذا أيضاً له مدلول – هل التحدي انحصر في عهد الرسالة؟ هل إذا مات الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى التحدي؟! لا، فالقرآن متحدي إلى هذه اللحظة وإلى يوم القيامة. عندما نزلت (إقرأ) نقلها الرسول (صلى الله عليه وسلم) بمنتهى الأمانة، بمفهومه للمدلول فنقل النص (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) وهذا نص قرآني يُتعبد بتلاوته بنص ما نزل على رسول الله. مثال آخر عندما نزلت (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) هل قال الرسول (يا أيها الكافرون)؟! لا، لماذا ؟! لأنه فهم معنى المدلول، والدليل أن الكفار وقتها لم يسألوه عن (قل) أو لماذا قالها لأنهم أيضا فهموا. ومثلها مثل (قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس).

المقدم: وسمعنا أصوات تنادي بإلغائها لأنها كانت أمر للرسول (صلى الله عليه وسلم) ونحن نتعلم منه ومن القرآن.

د/ هداية: الذي قالها هذا لم يفكر أبداً أن هذه الفكرة لم تُطرح من عهد محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى أن قالها، فلا بد قبل أن تقول أنا شايف، وأنا أرى، فكِّر أنه لم يقلها أحد من قبل. من العلماء وتابعي التابعين والتابعين مرورا بالصحابة والرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه، بل والمولى عز وجل لم يبين للرسول أنك لو نقلت الآيات انقلها بدون قل، فلم يفكر هذا المفكر في كل هذه الاحتمالات.

المقدم: كيف نحل هذه الأزمة ؟! أليس غريباً أن القرآن يأمرني أن أجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن وألا أسبهم، فما بالنا بأخينا المسلم الذي اجتهد وشط أليس من واجبي أن أحاول إعادته لحظيرة الإسلام مرة ثانية؟!

د/ هداية: واجبي أن أحاول معه ليعود مرة ثانية، والسبيل آيتين فلو كنت تدعو أو تجادل في الحالتين أنت أمرت بأمرين – وكأني بالجن مرة أخرى يتكلمون (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) – (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل:125] وفي كلمة الحكمة بعض المفسرين تمسكوا بالكلمة فضيَّقوا المدلول فقالوا أن الحكمة هي القرآن، ورد عليهم آخر وقال لا الحكمة هي السنة التي توضح القرآن، ونحن نقول أنها تقبل الاثنين وأكثر.

المقدم: أحيانا كثيرة نتخيل أن الكلمة القرآنية قاصرة في مدلولاتها

د/ هداية: في حين أن اللغة العربية علمتنا أن الكلمة العربية ليست كذلك، وأزيدك أيضاً أن الكلمة العربية علمتنا أننا لو جمَّدنا الكلمة عند مدلول ليس له تأصيل لغوي فلتعرِّبها. مثال كلمة (تليفزيون) إذا كنت انسانًا واعيًا ستفهم أنها لا تصح إلا لفظ (تليفزيون)، تعريفك غلب لغتك العربية أن تضع لها كلمة، فالقرآن علمنا التعريب، لكن البعض يكابر ويقول (التلفاز) من أين أتيت بها؟! إذا لم يكن لدينا كلمة أصيلة فلنعرِّبها، لماذا لم تقل (تلفان) على التليفون؟! فإذا غلب مدلول الكلمة الأجنبية لغتك العربية فلتعرِّب. مثال آخر كلمة إسرائيل ليست عربية ومعناها في العربية (صفي الله) فهل قال القرآن (يا بني صفي الله)؟! لا بل قال (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) لماذا؟! ليعلمنا قاعدة، فكلمة اسرائيل اشتهرت قراءة وليس كتابة فاكتبها وعرَّبها وهذا لتسهيل لغة الحوار. هل الذي علمنا كل هذا لم يعلمنا كيف نكون وسطيين ونجمع شتات الكلمة الواحدة.

المقدم: بعد الفاصل سنناقش الحلول

********فاصل **********

المقدم: كيف نجمع بدلا من أن نفرق؟ وهذا أنا تعرضت له بعد عرضي لبرنامج المعجزة الكبرى من هجوم وبيَّنت أن آراء الضيف ليست بالضرورة هي آرائي الشخصية، لكن طالما أن هذه البلبلة حدثت أريد أن نوجه نصيحة عن كيف نوحد الصفوف، وإذا كان هناك بعض الإجتهادات لا تتفق مع ما يقوله علمائنا الأوائل كيف نعيدهم للصف؛ لأنه ليس من صالح الإسلام أن اتباعه يتفرقوا لفرق واحزاب وشيع.

د/ هداية: هذا سيأخذنا لمسألتين الجهة منفكة بينهم في المثال، لكن السؤال كيف يكون الإجتهاد؟! الإجتهاد لا يكون بأن أنشئ علمًا أو فكرة أبني عليها مالم يحدث في عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولا الصحابة ولا التابعين، فالإجتهاد يكون في النص القرآن وليس مع القرآن، في السنة وليس مع السنة. مثال/ في سورة الجن كم من مفسر شرح قول الله تبارك وتعالى (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا)؟! لم تُشرح إلا من حيث أن السفيه هو ابليس لكن هنا صياغة لغوية تبين قيمة النص الإلهي المختلف عن النص البشري في أي كتاب آخر، يستطيع القارئ أن يفرق بين هذا الكلام وبين الكلام البشري إذا علمته كيف تعمل الكلمة في كتاب أنزله الله تبارك وتعالى ليعجز به فئة معينة لعصر معين وممتد الإعجاز ليوم الدين. كان ممكن نقول (وأن سفيهنا كان يقول على الله شططا) ما المشكلة ؟! المشكلة أن هذا ليس قرآناً

المقدم: لماذا هذا التأخير؟

د/ هداية: لأن السفه بدأ بعد القول، عندما قال شطط أصبح سفيها، لكن إذا قلت (وأن سفيهنا كان يقول على الله شططا) فهذا سفيه قبل أن يقول، ولو قال السفيه شطط ليس فيها شئ لأنه سفيه أصلا، فانتبه الجملة التي قلت لا بد أن يقول شطط لأنه سفيه.

المقدم: وهذا أجدر ألا يُسمع.

د/ هداية:  لكن المولى عز وجل يريد أن يقول أن فساد العقيدة هو الذي أفسد التوصيف (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا)، فنحن بهذا اجتهدنا في النص – وليس مع النص – وألفت النظر أنه يوجد هنا ما يعلي قيمة النص الإلهي. أن النص البشري يشوبه ما شاب الصياغة البشرية من أن تقديم سفيه تجعل بالضرورة أن كلامه شطط قبل أن يقوله. مثال آخر في الجن (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) ما هو الجد؟! وانتبه إلى (تعالى) هذه تعليه عن كل جانب من صغائر التوصيف، وقال ما اتخذ صاحبة ولا ولدا إذن المدلول العقلي لا بد أن يكون في (تعالى جد ربنا). هل (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) أنه مثلا ينفي التبني لذلك هو لم يتخذ، أم أهناك صياغة لغوية تؤدي إلى مدلول؟! إذن فالصياغة لا بد أن تفهم من خلال النص الإلهي والمدلول اللغوي والكلمة العربية. يعني لا يصح أن يأتي أي شخص هكذا ويجتهد في القرآن أو يقول أنا أرفض السنة.

المقدم: إذن لابد من ضوابط والرجوع للمجامع الفقهية. رأيت كتابًا يتحدث عن الإعجاز في رسم الكلمة في القرآن الكريم اجتهد فيه الدكتور سامح القليني وقدم الكتاب للأزهر وقدمه الشيخ المعصراوي، وتحدث فيه عن لماذا (الضعفاء) مرة تكتب على واو ومرة أخرى بطريقة مختلفة للتفريق بين ضعفاء الدنيا وضعفاء الآخرة.

د/ هداية: هناك رد علمي على هذا الكلام ومقدم له أيضا لكن الإثنين اجتهدا داخل النص فأحدهما له أجر والآخر له أجران ولا نعيب على أحد منهما. وقد قيل من قبل لماذا لا نوحد كتابة الكلمة في المصحف كله ولماذا لم يوحدها عثمان (رضي الله عنه) عندما كتب؟! وهذا يبين أن عثمان لم يكتب شيئًا من عنده ولم يتدخل في النص والكتابة. إذن تبقى القاعدة الأصولية في الإجتهاد أنه لا يصح بعد 1400 سنة أقول أنا أرى أنه كذا وكذا، لا يصح لأنك بهذا تجاهلت مجهود كل علماء الأمة ابتداءً من عصرنا ونزولا إلى الصحابة ثم الرسول (صلى الله عليه وسلم). وسنشرح إن شاء الله (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) والله الذي لا إله غيره لا تصح بعدها إلا (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) لأن هذا هو التقويم العقلي لهذا التوصيف، لأنه جد ربنا فلا يصح أن يتزوج أو يتخذ ولدا، وتعالى معناها أنه منزه عن أي صغائر توصيف.

 

المقدم: وهو الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وكلما تدبرنا فهمنا، وكلما فهمنا طبقنا اللهم تقبل منا جزاكم الله خيرا ونراكم على خير وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل